حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب لا يبيع على بيع أخيه ولا يسوم على سوم أخيه حتى يأذن له أو يترك

حدثنا علي بن عبد الله ، قال : حدثنا سفيان ، قال : حدثنا الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبيع حاضر لباد ، ولا تناجشوا ، ولا يبيع الرجل على بيع أخيه ، ولا يخطب على خطبة أخيه ، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها . مطابقته للترجمة في قوله : ولا يبيع الرجل على بيع أخيه . وعلي بن عبد الله هو ابن المديني ، وسفيان هو ابن عيينة ، والزهري هو محمد بن مسلم .

والحديث أخرجه مسلم في النكاح ، عن عمرو الناقد وزهير بن حرب وابن أبي عمر ، وفي البيوع ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وأخرجه أبو داود ، عن أبي الطاهر بن السرح في البيوع ببعضه لا تناجشوا وفي النكاح ببعضه لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه وأخرجه الترمذي ، عن قتيبة بن سعيد وأحمد بن منيع في البيوع ببعضه لا يبيع حاضر لباد وفي موضع آخر منه ببعضه لا تناجشوا وفي النكاح ببعضه لا يخطب الرجل على خطبة أخيه ، ولا يبيع الرجل على بيع أخيه وفيه ، عن قتيبة وحده ببعضه لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها وأخرجه النسائي في النكاح ، عن محمد بن منصور وسعيد بن عبد الرحمن بتمامه ، ولم يذكر السوم ، وأخرجه ابن ماجه ، عن هشام بن عمار وسهل بن أبي سهل في النكاح ببعضه لا يخطب الرجل على خطبة أخيه وفي التجارات ببعضه لا تناجشوا وفيه ، عن هشام بن عمار وحده ببعضه لا يبيع الرجل على بيع أخيه ، ولا يسوم على سوم أخيه وفيه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ببعضه لا يبيع حاضر لباد . ( ذكر معناه ) قوله : لباد البادي هو الذي يكون في البادية مسكنه المضارب والخيام ، وصورة البيع للبادي أن يقدم غريب من البادية بمتاع ليبيعه بسعر يومه فيقول له بلدي : اتركه عندي لأبيعه لك على التدريج بأغلى منه ، وهذا فعل حرام ، لكن يصح بيعه ؛ لأن النهي راجع إلى أمر خارج عن نفس العقد ، وقيل : أن لا يكون الحاضر سمسارا للبدوي ، وحينئذ يصير أعم ويتناول البيع والشراء . قوله : ولا تناجشوا هذا عطف على مقدر لأنه لا يصح عطفه على قوله : نهى ولا على قوله : أن يبيع والتقدير نهى ، وقال : لا تناجشوا ، والنجش بفتح النون والجيم وفي آخره شين معجمة ، وفي المغرب : النجش بفتحتين ويروى بسكون الجيم ، ويقال : نجش ينجش نجشا ، من باب نصر ينصر ، وفي الزاهر : أصل النجش مدح الشيء وإطراؤه ، وفي الغريبين : النجش تنفير الناس من الشيء إلى غيره ، وفي الجامع : أصله من الختل ، يقال : نجش الرجل إذا ختل ، ويقال : أصل النجش الإثارة ، وسمي الناجش ناجشا لأنه يثير الرغبة في السلعة ويرفع ثمنها .

قوله : ولا يبيع الرجل على بيع أخيه قد فسرناه عن قريب ، وقال ابن قرقول : يأتي كثير من الأحاديث على لفظ الخبر ، وقد أتى بلفظ النهي وكلاهما صحيح ، وقال ابن الأثير : كثير من روايات هذا الحديث لا يبيع بإثبات الياء والفعل غير مجزوم وذلك لحن ، وإن صحت الرواية فتكون لا نافية ، وقد أعطاها معنى النهي لأنه إذا نفى هذا البيع ، فكأنه قد استمر عدمه ، والمراد من النهي عن الفعل إنما هو طلب إعدامه أو استبقاء عدمه ، فكان النهي الوارد من الواجب صدقه يفيد ما يراد من النهي . قوله : ولا يخطب على خطبة أخيه الخطبة بالكسر اسم من خطب يخطب من باب نصر ينصر فهو خاطب ، وأما الخطبة بالضم فهو من القول والكلام ، وصورته أن يخطب الرجل المرأة فتركن هي إليه ويتفقا على صداق معلوم ويتراضيا ولم يبق إلا العقد ، فيجيء آخر ويخطب ويزيد في الصداق ، ويأتي الكلام فيه عن قريب . قوله : ولا تسأل بالرفع خبر بمعنى النهي وبالكسر نهي حقيقي ، ومعناه نهي المرأة الأجنبية أن تسأل الزوج طلاق زوجته لينكحها ويصير لها من نفقته ومعاشرته ما كان للمطلقة ، فعبر عن ذلك بإكفاء ما في الإناء إذا كبته وكفأته ، وأكفأته إذا أملته ، وقال التيمي : هذا مثل لإمالة الضرة حق صاحبتها من زوجها إلى نفسها .

قوله : لتكفأ بفتح الفاء كذا في رواية أبي الحسن ، وقال ابن التين : وهو ما سمعناه ، ووقع في بعض رواياته كسر الفاء ، وقال ابن قرقول : ويروى لتكفئ وتستكفئ مما في صحفتها أي : تقلبه لتفرغه من خير زوجها لطلاقه إياها ، وقد تسهل الهمزة ، وذكر الهروي الحديث لتكتفي تفتعل من كفأت الإناء إذا كببته ليفرغ ما فيها ، وقيل : صورته أن يخطب الرجل المرأة وله امرأة فتشترط عليه طلاق الأولى لتنفرد به ، قال النووي : المراد بأختها غيرهما سواء كانت أختها في النسب أو الإسلام أو كافرة . ( ذكر ما يستفاد منه ) وهو على وجوه . الأول : بيع الحاضر للبادي إنما نهى عنه ؛ لأن فيه التضييق على الناس ، وأهل الحاضرة أفضل لإقامتهم الجماعات وعلمهم وغير ذلك ، واختلف في أهل القرى هل هم مرادون بهذا الحديث فقال مالك : إن كانوا يعرفون الأثمان فلا بأس به ، وإن كانوا يشبهون أهل البادية فلا يباع ولا يشار عليهم ، وقال شيخنا : لا يلزم من النهي عن البيع تحريم الإشارة عليه إذا استشاره ، وهو قول الأوزاعي ، قال : وقد أمر بنصحه في بعض طرق هذا الحديث وهو قوله : إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له وحكى الرافعي عن أبي الطيب وأبي إسحاق المروزي أنه يجب عليه إرشاده إليه بذلا للنصيحة ، وعن أبي حفص بن الوكيل أنه لا يرشده توسعا على الناس ونقل مثله عن مالك ، بل حكى ابن العربي عنه أنه لو سأله عن السعر لا يخبره به لحق أهل الحضر ، ثم ظاهر الحديث تحريم بيع الحاضر للبادي سواء كان الحضري هو الذي التمس ذلك من البدوي أو كان البدوي هو الذي سأله الحضري في ذلك ، وجزم الرافعي بأنه إنما يحرم إذا ابتدأ الحضري لسؤال ذلك ، وفيه نظر ؛ لخروجه عن ظاهر الحديث ، وخصص بعض أصحاب الشافعي تحريم بيع الحاضر للبادي بما إذا تربص الحاضر بسلعة البادي ليغالي في ثمنها ، فأما إذا باعها الحضري للبادي بسعر يومه فلا بأس به .

( قلت ) : في التقييد بذلك مخالفة لظاهر الحديث ولفهم راوي الحديث وهو ابن عباس إذ سئل عن ذلك فقال : لا يكون له سمسارا ، فلم يفرق بين أن يبيع له في ذلك اليوم بسعر يومه أو يتربص به ليزداد ثمنه ، وظاهر الحديث أيضا تحريم بيع الحاضر للبادي سواء كان البادي يريد بيعه في يومه أو يريد الإقامة والتربص بسلعته ، وحمل الرافعي النهي على الصورة الأولى فقال فيما إذا قصد البدوي الإقامة في البلد ليبيعه على التدريج فسأله تفويضه إليه فلا بأس به لأنه لم يضر بالناس ، ولا سبيل إلى منع المالك عنه لما فيه من الإضرار له ، وفي الحديث حجة لمن ذهب إلى تحريم بيع الحاضر للبادي ، وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، وهو قول مالك والليث والشافعي وأحمد وإسحاق ، وحكى مجاهد جوازه ، وهو قول أبي حنيفة وآخرين ، وقالوا : إن النهي منسوخ ، ثم اختلفوا هل يقتضي النهي الفساد أم لا ؟ فذهب مالك وأحمد إلى أنه لا يصح بيع الحاضر للبادي ، وذهب الشافعي والجمهور إلى أنه يصح ، وإن حرم تعاطيه ، وفيه حجة لمن ذهب إلى تعميم التحريم في بيع الحاضر للبادي سواء كان البلد كبيرا بحيث لا يظهر لتأخير الحضري متاع البدوي فيه تأثير أو صغيرا ، وسواء كان متاع البادي كثيرا أو قليلا لا يوسع على أهل البلد لو باعه البادي بنفسه ، وسواء كان ذلك المتاع يعم وجوده أم يعز ، وسواء رخص سعر ذلك المتاع أم غلى ، وحمل البغوي في التهذيب النهي فيه على ما تعم الحاجة إليه سواء فيه المطعومات وغيرها كالصوف وغيره ، أما ما لا تعم الحاجة إليه كالأشياء النادرة فلا يدخل تحت النهي وفيه نظر لا يخفى ، وفي التوضيح : فإن فعل وباع هل يؤدب ؟ قال ابن القاسم : نعم إن اعتاده ، وقال ابن وهب : يزجر عالما أو جاهلا ، ولا يؤدب . الثاني من الوجوه في النجش ، ولا خيار فيه إذا وقع ، خلافا لمالك وابن حبيب ، وعن مالك إنما له الخيار إذا علم ، وهو عيب من العيوب كما في المصراة ، وعن ابن حبيب : لا خيار إذا لم يكن للبائع مواطأة ، وقال أهل الظاهر : البيع باطل مردود على بائعه إذا ثبت ذلك عليه . الثالث : البيع على بيع أخيه ، وقد بينا صورته في أول الباب ، وهذا محله عند التراكن والاقتراب ، فأما البيع والشراء فيمن يزيد فلا بأس فيه في الزيادة على زيادة أخيه ، وذلك لما رواه الترمذي من حديث أنس : أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - باع حلسا وقدحا وقال : من يشتري هذا الحلس والقدح ؟ فقال رجل : أخذتهما بدرهم ، فقال النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - من يزيد على درهم ؟ فأعطاه رجل درهمين فباعهما منه ، وأخرجه بقية الأربعة ، وهو قول مالك والشافعي وجمهور أهل العلم ، وكره بعض أهل العلم الزيادة على زيادة أخيه ولم يروا صحة هذا الحديث ، وضعفه الأزدي بالأخضر بن عجلان في سنده ، وحجة الجمهور على تقدير عدم الثبوت أنه لو ساوم وأراد شراء سلعته وأعطى فيها ثمنا لم يرض به صاحب السلعة ولم يركن إليه ليبيعه ، فإنه يجوز لغيره طلب شرائها قطعا ، ولا يقول أحد إنه يحرم السوم بعد ذلك قطعا كالخطبة على خطبة أخيه إذا رد الخاطب الأول ، لأنه لا فرق بين الموضعين ، وذكر الترمذي عن بعض أهل العلم جواز ذلك ، يعني بيع من يزيد في الغنائم والمواريث ، قال ابن العربي : الباب واحد والمعنى مشترك لا تختص به غنيمة ولا ميراث .

( قلت ) : روى الدارقطني من رواية ابن لهيعة ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن زيد بن أسلم ، عن ابن عمر قال : نهى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن بيع المزايدة ، ولا يبع أحدكم على بيع أخيه إلا الغنائم والمواريث ، ثم رواه من طريقين آخرين أحدهما عن الواقدي بمثله ، وقال شيخنا رحمه الله : والظاهر أن الحديث خرج على الغالب وعلى ما كانوا يعتادون فيه مزايدة وهي الغنائم والمواريث ، فإنه وقع البيع في غيرهما مزايدة ، فالمعنى واحد كما قاله ابن العربي . الرابع : لا يخطب على خطبة أخيه ، هذا إنما يحرم إذا حصل التراضي صريحا ، فإن لم يصرح ولكن جرى ما يدل على التراضي كالمشاورة والسكوت عند الخطبة ، فالأصح أن لا تحريم ، وقال بعض المالكية : لا يحرم حتى يرضوا بالزوج ويسمى المهر ، واستدل بفاطمة بنت قيس : خطبني أبو جهم ومعاوية ، فلم ينكر الشارع ذلك ، بل خطبها لأسامة ، وقد يقال : لعل الثاني لم يعلم بخطبة الأول ، وأما الشارع فأشار لأسامة لأنه خطب ولم يعلم أنها رضيت بواحد منهما ، ولو أخبرته لم يشر عليها ، وقال القرطبي : اختلف أصحابنا في التراكن فقيل : هو مجرد الرضى بالزوج والميل إليه ، وقيل : تسمية الصداق ، وزعم الطبري أن النهي فيها منسوخ بخطبته عليه الصلاة والسلام فاطمة بنت قيس لأسامة . الخامس : لا تسأل المرأة إلى آخره ، وقد ذكرناه .

ورد في أحاديث20 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث