باب النهي للبائع أن لا يحفل الإبل والبقر والغنم وكل محفلة
حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تلقوا الركبان ، ولا يبيع بعضكم على بيع بعض ، ولا تناجشوا ، ولا يبيع حاضر لباد ، ولا تصروا الغنم ، ومن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحتلبها ، إن رضيها أمسكها ، وإن سخطها ردها وصاعا من تمر . مطابقته للترجمة أوضح ما يكون . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وأبو الزناد بالزاي والنون عبد الله بن ذكوان ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز .
والحديث أخرجه مسلم في البيوع أيضا ، عن يحيى بن يحيى ، وأخرجه أبو داود فيه ، عن القعنبي ، وأخرجه النسائي فيه ، عن قتيبة ، الكل عن مالك . قوله : لا تلقوا الركبان بفتح القاف ، وأصله : لا تتلقوا بتاءين فحذفت إحداهما ، أي : لا تستقبلوا الذين يحملون المتاع إلى البلد للاشتراء منهم قبل قدوم البلد ومعرفة السعر ، وقال ابن عبد البر : وأما قوله : لا تلقوا الركبان فقد روي هذا المعنى بألفاظ مختلفة ، فرواه الأعرج عن أبي هريرة لا تلقوا الركبان وفي رواية ابن سيرين لا تلقوا الجلب وفي رواية أبي صالح وغيره نهى أن يتلقى السلع حتى يدخل الأسواق ، وروى ابن عباس : لا تستقبلوا السوق ولا يتلقى بعضكم لبعض ، والمعنى واحد ، فحمله مالك على أنه لا يجوز أن يشتري أحد من الجلب السلع الهابطة إلى الأسواق ، سواء هبطت من أطراف المصر أو من البوادي حتى يبلغ بالسلعة سوقها ، وقيل لمالك : أرأيت إن كان تلك على رأس ستة أميال فقال : لا بأس بذلك ، والحيوان وغيره في ذلك سواء ، وعن ابن القاسم : إذا تلقاها متلق واشتراها قبل أن يهبط بها إلى السوق ، وقال ابن القاسم : يفرض ، فإن نقصت عن ذلك الثمن لزمت المشتري ، قال سحنون : وقال لي غير ابن القاسم : يفسخ البيع ، وقال الليث : أكره تلقي السلع وشراءها في الطريق أو على بابك حتى تقف السلعة في سوقها ، وسبب ذلك الرفق بأهل الأسواق لئلا ينقطعوا بهم عما له جلسوا يبتغون من فضل الله تعالى ، فنهوا عن ذلك ؛ لأن في ذلك إفسادا عليهم ، وقال الشافعي : رفقا بصاحب السلعة لئلا يبخس في ثمن سلعته ، وعند أبي حنيفة : من أجل الضرر ، فإن لم يضر بالناس تلقي ذلك لضيق المعيشة وحاجتهم إلى تلك السلعة فلا بأس بذلك ، وقال ابن حزم : لا يحل لأحد أن يتلقى الجلب سواء خرج لذلك أو كان سائرا على طريق الجلاب ، وسواء بعد موضع تلقيه أو قرب ، ولو أنه عن السوق على ذراع فصاعدا لا لأصحابه ولا لغير ذلك أضر ذلك بالناس أو لم يضر ، فمن تلقى جلبا أي شيء كان فإن الجالب بالخيار إذا دخل السوق متى ما دخله ولو بعد أعوام في إمضاء البيع أو رده . قوله : ولا يبيع بعضكم على بيع بعض إلى آخره ، قد مر الكلام فيه فيما مضى مستوفى والله تعالى أعلم .