باب بيع الزبيب بالزبيب والطعام بالطعام
حدثنا أبو النعمان قال : أخبرنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المزابنة ، قال : والمزابنة أن يبيع الثمر بكيل ، إن زاد فلي ، وإن نقص فعلي . مطابقته للترجمة نحو مطابقة الحديث السابق للترجمة . ورجاله قد ذكروا كلهم ، وأبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي ، وأيوب هو السختياني .
والحديث أخرجه مسلم في البيوع أيضا ، عن أبي الربيع الزهراني وأبي كامل الجحدري ، كلاهما عن حماد مقطعا ، وعن علي بن حجر وزهير بن حرب ، كلاهما عن إسماعيل بن علية عنه به مقطعا أيضا ، وأخرجه النسائي فيه ، عن زياد بن أيوب ، عن ابن علية به . قوله : قال أي : عبد الله بن عمر . قوله : أن يبيع بدل أو بيان لقوله المزابنة ، كذا قيل ، قلت : كلمة أن مصدرية في محل الرفع على الخبرية ، وتقديره : المزابنة بيع التمر بكيل .
قوله : بكيل أي : من الزبيب أو التمر . قوله : إن زاد حال من فاعل يبيع بتقدير القول ، أي : ببيعه قائلا : إن زاد التمر المخروص على ما يساوي الكيل فهو لي ، وإن نقص فعلي بتشديد الياء . قال : وحدثني زيد بن ثابت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص في العرايا بخرصها .
أي قال عبد الله بن عمر : وحدثني زيد بن ثابت الأنصاري - رضي الله تعالى عنه - وهذا أخرجه البخاري أيضا في البيوع ، عن يحيى بن بكير ، عن الليث ، وعن القعنبي ، عن مالك ، وعن محمد بن عبد الله بن المبارك ، وفي الشرب ، عن محمد بن يوسف ، وأخرجه مسلم في البيوع أيضا ، عن يحيى ومحمد بن عبد الله بن نمير وزهير بن حرب ، ثلاثتهم عن سفيان بن عيينة ، وعن محمد بن رافع ، وعن يحيى بن يحيى ، عن مالك به ، وعن يحيى بن يحيى ، وعن محمد بن المثنى ، عن سليمان بن بلال وهشيم ، فرقهما ، وعن محمد بن رمح ، وعن أبي الربيع وأبي كامل ، وعن علي بن حجر ، وعن محمد بن المثنى ، عن يحيى بن القطان ، وأخرجه الترمذي في البيوع ، عن هناد ، وعن قتيبة ، وأخرجه النسائي فيه ، عن قتيبة ، وعن أبي قدامة ، وفيه ، وفي الشروط ، عن عيسى بن حماد ، وعن أبي داود الحراني ، وأخرجه ابن ماجه في التجارات ، عن محمد بن رمح به ، وعن هشام بن عمار ومحمد بن الصباح . ( ذكر معناه ) قوله : في العرايا جمع عرية فعيلة بمعنى مفعولة ، من عراه يعروه إذا قصده ، ويحتمل أن تكون فعيلة بمعنى فاعلة من عرى يعرى إذا قلع ثوبه ، كأنها عريت من جملة التحريم ، وفي التلويح : العرية النخلة المعراة ، وهي التي وهبت تمرة عامها ، والعرية أيضا التي تعزل عن المساومة عند بيع النخل ، وقيل : هي النخلة التي قد أكل ما عليها ، واستعرى الناس في كل وجه أكلوا الرطب من ذلك ، وفي الجامع : وأنت معر ، وفي الصحاح : فيعروها الذي أعطيته ، أي : يأتيها ، وهي فعيلة بمعنى مفعولة ، وإنما أدخلت فيها الهاء لأنها أفردت فصارت في عداد الأسماء مثل النطيحة والأكيلة ، ولو جئت بها مع النخلة . قلت : نخلة عري ، وقيل : عراه يعروه إذا أتاه يطلب منه عرية فأعراه ، أي : إياها ، كما يقال : سألني فأسألته ، فالعرية اسم للنخلة المعطى ثمرها ، فهي اسم لعطية خاصة ، وقد سمت العرب عطايا خاصة بأسماء خاصة ، كالمنيحة لعطية الشاة ، والإفقار لما ركب فقاره ، فعلى هذا إن العرية عطية لا بيع ، ثم اختلفوا في تفسير العرية شرعا ، فقال مالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق : العرية المذكورة في الحديث هي إعطاء الرجل من جملة حائطه نخلة أو نخلتين عاما ، وقال قوم : العرية النخلة والنخلتان والثلاث يجعل للقوم فيبيعون ثمرها بخرصها تمرا ، وهو قول يحيى بن سعيد الأنصاري ومحمد بن إسحاق ، وروي عن زيد بن ثابت ، وقال قوم مثل هذا ، إلا أنهم خصوا بذلك المساكين يجعل لهم تمر النخل فيصعب عليهم القيام عليها ، فأبيح لهم أن يبيعوه بما شاءوا من التمر ، وهو قول سفيان بن حسين وسفيان بن عيينة ، وقال قوم : العرية الرجل يعري النخلة أو يستثني من ماله النخلة أو النخلتين يأكلها فيبيعها بمثل خرصها ، وهو قول عبد ربه بن سعيد الأنصاري ، وقال قوم : العرية أن يأتي أوان الرطب وهناك قوم فقراء لا مال لهم يريدون ابتياع رطب يأكلونه مع الناس ولهم فضول تمر من أقواتهم ، فإن لهم أن يشتروا الرطب بخرصها من التمر فيما دون خمسة أوسق ، وهو قول الشافعي وأبي ثور ، ولا عرية عندهما في غير النخل والعنب .
وقال الطحاوي : وكان أبو حنيفة يقول فيما سمعت أحمد بن أبي عمران يذكر أنه سمع محمد بن سماعة ، عن أبي يوسف ، عن أبي حنيفة قال : معنى ذلك عندنا أن يعري الرجل الرجل تمر نخلة من نخله فلم يسلم ذلك إليه حتى يبدو له يعني يظهر له أن لا يمكنه من ذلك فيعطيه مكانه خرصه تمرا ، فيخرج بذلك عن إخلاف الوعد ، وقال ابن الأثير : العرية هي أن من لا نخل له من ذوي الحاجة يدرك الرطب ، ولا نقد بيده يشتري به الرطب لعياله ، ولا نخل لهم يطعمهم منه ، ويكون قد فضل له تمر من قوته فيجيء إلى صاحب النخل فيقول له : بعني تمر نخلة أو نخلتين بخرصها من التمر ، فيعطيه ذلك الفاضل من التمر بتمر تلك النخلات ليصيب من رطبها مع الناس ، فرخص فيه إذا كان دون خمسة أوسق ، وقال ابن زرقون : هي عطية ثمر النخل دون الرقاب ، كانوا يعطون ذلك إذا دهمتهم سنة لمن لا نخل له فيعطيه من نخله ما سمحت به نفسه مثل الإفقار والمنحة والعمرى ، وكانت العرب تتمدح بالأعراء ، وقال النووي رحمه الله : العرية هي أن يخرص الخارص نخلات فيقول : هذا الرطب الذي عليها إذا يبس يجيء منه ثلاثة أوسق من التمر مثلا ، فيعطيه صاحبه لإنسان بثلاثة أوسق ويتقاصان في المجلس فيتسلم الثمن ويتسلم بائع الرطب الرطب بالتخلية ، وهذا جائز فيما دون خمسة أوسق ، ولا يجوز فيما زاد على خمسة أوسق ، وفي جوازه في خمسة أوسق قولان للشافعي ، أصحهما لا يجوز ، والأصح أنه يجوز ذلك للفقراء والأغنياء ، وأنه لا يجوز في غير الرطب والعنب ، وبه قال أحمد ، وقال أبو عمر : فجملة قول مالك وأصحابه في العرايا أن العراية هي أن يهب الرجل حائطه خمسة أوسق فما دونها ، ثم يريد أن يشتريها من المعري عند طيب الثمرة ، فأبيح له أن يشتريها بخرصها تمرا عند الجذاذ ، وإن عجل له لم يجز ، ولا يجوز ذلك لغير المعري ؛ لأن الرخصة وردت فيه ، وجائز بيعها من غيره بالدنانير والدراهم وسائر العروض ، وقال أيضا : ولا يجوز البيع في العرايا عند مالك وأصحابه إلا لوجهين ، إما لدفع ضرر دخول المعرى على المعري : وإما لأن يرفق المعرى فتكفيه المؤنة فيها فأرخص له أن يشتريها منه بخرصها تمرا إلى الجذاذ ، وفي الاستذكار يجوز الإعراء في كل نوع من الثمر كان مما ييبس ويدخر أم لا ، وفي القثاء والموز والبطيخ ، قاله ابن حبيب ، قبل الإبار وبعده لعام أو لأعوام في جميع الحائط أو بعضه ، وقال عبد الوهاب : بيع العارية جائز بأربعة شروط أحدها : أن يزهي ، وهو قول جمهور الفقهاء ، وقال يزيد بن حبيب : يجوز وقبل بدو الصلاح ، والثاني : أن يكون خمسة أوسق فأدنى ، وهو رواية المصريين عن مالك ، وروى عنه أبو الفرج عمرو بن محمد أنه لا يجوز إلا في خمسة أوسق ، فإن خرصت أقل من خمسة أوسق فلما جذت وجد أكثر ، ففي المدونة روى صدقة بن حبيب عن مالك أن الفضل لصاحب العارية ، ولو أقل من الخرص ضمن الخرص ، ولو خلطه قبل أن يكيله لم يكن عليه زيادة ولا نقص ، والثالث : أن يعطيه خرصها عند الجذاذ ، ولا يجوز له تعجيل الخرص تمرا خلافا للشافعي في قوله : إنه يجب عليه أن يعجل الخرص تمرا ، ولا يجوز أن يفترقا حتى يتقابضا ، والشرط الرابع : أن يكون من صنعها فإذا باعها بخرصها إلى الجذاذ ، ثم أراد تعجيل الخرص جاز ، قاله ابن حبيب ، وعن مالك فيما يصح ذلك فيه من الثمار روايتان إحداهما : أنه لا يجوز إلا في النخل والعنب ، وبه قال الشافعي ، والثانية : أنه يجوز في كل ما ييبس ويدخر من الثمار كالجوز واللوز والتين والزيتون والفستق ، رواه أحمد ، وقال أشهب : في الزيتون يجوز إذا كان ييبس ويدخر ، وأما النخل الذي لا يتتمر والعنب الذي لا يتزبب ، فعلى اشتراط التيبيس يجب أن لا يجوز .