حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب قتل الخنزير

( باب قتل الخنزير ) أي هذا باب في بيان قتل الخنزير هل هو مشروع كما شرع تحريم أكله ، أي : مشروع ، والجمهور على جواز قتله مطلقا ، إلا ما روي شاذا من بعض الشافعية ، أنه يترك الخنزير إذا لم يكن فيه ضراوة ، وقال ابن التين : ومذهب الجمهور أنه إذا وجد الخنزير في دار الكفر وغيرها ، وتمكنا من قتله قتلناه . قلت : ينبغي أن يستثنى خنزير أهل الذمة ؛ لأنه مال عندهم ، ونحن نهينا عن التعرض إلى أموالهم ، فإن قلت : يأتي عن قريب أن عيسى - عليه السلام - حين ينزل يقتل الخنزير مطلقا ، قلت : يقتل الخنزير بعد قتل أهله ، كما أنه يكسر الصليب ؛ لأنه ينزل ويحمل الناس كلهم على الإسلام لتقرير شريعة نبينا - صلى الله عليه وسلم - ، فإذا جاز قتل أهل الكفر حينئذ سواء كانوا من أهل الذمة أو من أهل الحرب ، فقتل خنزيرهم وكسر صليبهم بطريق الأولى والأحق ، ألا ترى أنه - صلى الله عليه وسلم - « يضع الجزية » يعني يرفعها ؛ لأن الناس كلهم يسلمون ، فمن لم يدخل في الإسلام يقتله ، فلا يبقى وجه لأخذ الجزية ؛ لأن الجزية إنما تؤخذ في هذه الأيام لتصرف في مصالح المسلمين منها دفع أعدائهم ، وفي زمن عيسى - عليه الصلاة والسلام - لا يبقى عدو للدين ؛ لأن الناس كلهم مسلمون ، ويفيض المال بينهم ، فلا يحتاج أحد إلى شيء من الجزية لارتفاعها بذهاب أهلها . فإن قلت : ما وجه دخول هذا الباب في أبواب البيوع ؟ قلت : كأن البخاري فهم أن كل ما حرم ولم يجز بيعه يجوز قتله فالخنزير حرم الشارع بيعه كما في حديث جابر الآتي ، فجاز قتله ، فمن هذه الحيثية أدخل هذا الباب في أبواب البيوع ، وقال بعضهم : ووجه دخوله في أبواب البيع الإشارة إلى أن ما أمر بقتله لا يجوز بيعه ، قلت : فيه نظر من وجهين : أحدهما أنه يحتاج إلى بيان الموضع الذي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتل الخنزير ، وتحريم بيعه لا يستلزم جواز قتله ، والآخر أن قوله : « ما أمر بقتله لا يجوز بيعه » ليس بكلي ، فإن الشارع أمر بقتل الحيات صريحا ، مع أن جماعة من العلماء منهم أبو الليث قالوا : يجوز بيع الحيات إذا كانت ينتفع بها للأدوية .

وقال جابر حرم النبي - صلى الله عليه وسلم - بيع الخنزير

165 - حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا الليث عن ابن شهاب ، عن ابن المسيب ، أنه سمع أبا هريرة - رضي الله عنه - يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا ، فيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد . مطابقته للترجمة في قوله : « ويقتل الخنزير » ، والحديث أخرجه مسلم أيضا في الإيمان عن قتيبة ومحمد بن رمح ، كلاهما عن الليث به ،
وأخرجه الترمذي في الفتن عن قتيبة به ، وقال : حسن صحيح
.

( ذكر معناه ) قوله : « ليوشكن » اللام فيه مفتوحة للتأكيد ، ويوشكن من أفعال المقاربة ، وهو مضارع دخلت عليه نون التأكيد ، وماضيه أوشك ، وأنكر الأصمعي مجيء الماضي منه ، وحكى الخليل استعمال الماضي في قول الشاعر :

ولو سألوا الشراب لأوشكونا .......... .
وأفعال المقاربة أنواع ، نوع منها ما وضع للدلالة على دنو الخبر ، وهو ثلاثة : كاد ، وكرب ، وأوشك ، ومعناه هنا ليسرعن ، وقال الداودي : معناه ليكونن ، قال : وجاء يوشك بمعنى يكون ومعنى يقرب . قوله : « أن ينزل » كلمة أن مصدرية في محل الرفع على الفاعلية ، والمعنى ليسرعن نزول ابن مريم فيكم ونزوله من السماء ، فإن الله رفعه إليها وهو حي ، ينزل عند المنارة البيضاء بشرقي دمشق واضعا كفيه على أجنحة ملكين ، وكان نزوله عند انفجار الصبح .

قوله : « حكما » بفتحتين بمعنى الحاكم . قوله : « مقسطا » ، أي : عادلا من الإقساط ، يقال : أقسط إذا عدل ، وقسط إذا ظلم ، فكأن الهمزة فيه للسلب ، كما يقال شكا إليه فأشكاه . قوله : « فيكسر الصليب » الفاء فيه تفصيلية لقوله حكما مقسطا ، ويروى : حكما عدلا .

قال الطيبي : يريد بقوله "يكسر الصليب" إبطال النصرانية والحكم بشرع الإسلام ، وفي التوضيح : يكسر الصليب ، أي : بعد قتل أهله . قلت : فتح لي هنا معنى من الفيض الإلهي ، وهو أن المراد من كسر الصليب إظهار كذب النصارى ، حيث ادعوا أن اليهود صلبوا عيسى - عليه الصلاة والسلام - على خشب ، فأخبر الله تعالى في كتابه العزيز بكذبهم وافترائهم ، فقال : وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ، وذلك أنهم لما نصبوا له خشبة ليصلبوا عليها ألقى الله تعالى شبه عيسى على الذي دلهم عليه ، واسمه يهوذا ، وصلبوه مكانه وهم يظنون أنه عيسى ، ورفع الله عيسى إلى السماء ، ثم تسلطوا على أصحابه بالقتل والصلب والحبس ، حتى بلغ أمرهم إلى صاحب الروم ، فقيل له : إن اليهود قد تسلطوا على أصحاب رجل كان يذكر لهم أنه رسول الله ، وكان يحيي الموتى ، ويبرئ الأكمه والأبرص ، ويفعل العجائب ، فعدوا عليه وقتلوه وصلبوه ، فأرسل إلى المصلوب فوضع عن جذعه ، وجيء بالجذع الذي صلب عليه فعظمه صاحب الروم ، وجعلوا منه صلبانا ، فمن ثم عظمت النصارى الصلبان ، ومن ذلك الوقت دخل دين النصرانية في الروم ، ثم يكون كسر عيسى الصليب حين ينزل ؛ إشارة إلى كذبهم في دعواهم أنه قتل وصلب ، وإلى بطلان دينهم وأن الدين الحق هو الدين الذي هو عليه ، وهو دين الإسلام ، دين محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي هو نزل لإظهاره وإبطال بقية الأديان بقتل النصارى واليهود ، وكسر الأصنام ، وقتل الخنزير وغير ذلك . قوله : « ويقتل الخنزير » قال الطيبي : ومعنى قتل الخنزير تحريم اقتنائه وأكله وإباحة قتله .

وفيه بيان أن أعيانها نجسة ؛ لأن عيسى - عليه السلام - إنما يقتلها على حكم شرع الإسلام ، والشيء الطاهر المنتفع به لا يباح إتلافه ، انتهى . وقيل : يحتمل أنه لتضعيف أهل الكفر عندما يريد قتالهم ، ويحتمل أنه يقتله بعدما يقتلهم . قوله : « ويضع الجزية » ، وقد مر تفسيره في أول الباب .

قوله : « ويفيض المال » ، أي : يكثر ويتسع ، من فاض الماء إذا سال وارتفع ، وضبطه الدمياطي بالنصب عطفا على ما قبله من المنصوبات ، وقال ابن التين : إعرابه بالضم لأنه كلام مستأنف غير معطوف ؛ لأنه ليس من فعل عيسى عليه السلام . قوله : « حتى لا يقبله أحد » لكثرته واستغناء كل واحد بما في يده ، ويقال : يكثر المال حتى يفضل منه بأيدي ملاكه ما لا حاجة لهم به ، فيدور واحد منهم على من يقبل شيئا منه ، فلا يجده . ( ومما يستفاد من الحديث ) ما فيه قاله ابن بطال دليل على أن الخنزير حرام في شريعة عيسى - عليه السلام - ، وقتله له تكذيب ج١٢ / ص٣٦للنصارى أنه حلال في شريعتهم .

واختلف العلماء في الانتفاع بشعره ، فكرهه ابن سيرين والحكم ، وهو قول الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وقال الطحاوي : لا ينتفع من الخنزير بشيء ، ولا يجوز بيع شيء منه ، ويجوز للخرازين أن يبيعوا شعرة أو شعرتين للخرازة ، ورخص فيه الحسن وطائفة ، وذكر عن مالك أنه لا بأس بالخرازة بشعره ، وأنه لا بأس ببيعه وشرائه ، وقال الأوزاعي : يجوز للخراز أن يشتريه ، ولا يجوز له أن يبيعه ، ومنه ما قاله البيهقي في ( سننه ) أن الخنزير أسوأ حالا من الكلب ؛ لأنه لم ينزل بقتله بخلافه . قلت : الخنزير نجس العين حتى لا يجوز دباغة جلده ، بخلاف الكلب على ما عرف في الفروع .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث