باب الشفعة في ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة
( كتاب الشفعة ) ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ( كتاب السلم في الشفعة ) ( باب الشفعة في ما لم يقسم ، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة ) أي هذا باب في بيان حكم الشفعة في المكان الذي لم يقسم ، قوله : " فإذا وقعت الحدود " أي إذا صرفت وعينت فلا شفعة ، وهذا الباب بهذه الترجمة ثابت عند جميع الرواة .
1 - ( حدثنا مسدد قال : حدثنا عبد الواحد قال : حدثنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال : قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة في كل ما لم يقسم ، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وهذا الحديث مضى في كتاب البيوع في باب بيع الشريك من شريكه ، فإنه أخرجه هناك عن محمود ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، وهنا عن مسدد عن عبد الواحد بن زياد عن معمر إلى آخره ، وقد مضى الكلام فيه هناك مستقصى ،
واختلف على الزهري في هذا الإسناد فقال مالك عنه : عن أبي سلمة وابن المسيب مرسلا كذا ج١٢ / ص٧٢رواه الشافعي وغيره ، ورواه أبو عاصم والماجشون عنه فوصله بذكر أبي هريرة ، أخرجه البيهقي ، ورواه ابن جريج عن الزهري كذلك ، لكن قال عنهما أو عن أحدهما ، أخرجه أبو داود قلت : هذا مما يضعف حجة من احتج به في اختصاص ثبوت الشفعة للشريك دون الجار، وأيضا قال ابن أبي حاتم عن أبيه : أن قوله فإذا وقعت الحدود إلى آخره مدرج من كلام جابر ، قال بعضهم : فيه نظر ؛ لأن الأصل كل ما ذكر في الحديث فهو منه حتى يثبت الإدراج بدليل ( قلت ) قوله : كل ما إلى آخره غير مسلم لأن أشياء كثيرة تقع في الحديث وليست منه ، وأبو حاتم إمام في هذا الفن ولو لم يثبت عنده الإدراج فيه لما أقدم على الحكم به . وقال الكرماني : قال التيمي : قال الشافعي : الشفعة إنما هي للشريك ، وأبو حنيفة للجار ، وهذا الحديث حجة عليه ( قلت ) سبحان الله ، هذا كلام عجيب لأن أبا حنيفة لم يقل الشفعة للجار على الخصوص ، بل قال : الشفعة للشريك في نفس المبيع ثم في حق المبيع ثم من بعدهما للجار ، وكيف يقول وهو حجة عليه وإنما يكون حجة عليه إذا ترك العمل به ، وهو عمل به أولا ثم عمل بحديث الجار ولم يهمل واحدا منهما ، وهم عملوا بأحدهما وأهملوا الآخر بتأويلات بعيدة فاسدة ، وهو قولهم : أما حديث " الجار أحق بصقبه " فلا دلالة فيه إذ لم يقل : أحق بشفعته ، بل قال : أحق بصقبه ؛ لأنه يحتمل أن يراد منه بما يليه ويقرب منه ، أي أحق بأن يتعمد ويتصدق عليه أو يراد بالجار الشريك ( قلت ) هذه مكابرة وعناد من أريحية التعصب ، وكيف يقول : إذا لم يقل أحق بشفعته ، وقد وقع في بعض ألفاظ أحمد والطبراني وابن أبي شيبة " جار الدار أحق بشفعة الدار " وكيف يقبل هذا التأويل الصارف عن المعنى الوارد في الشفعة ، ويصرف إلى معنى لا يدل عليه اللفظ ، ويرد هذا التأويل
ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي من حديث الحسن عن سمرة قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - " جار الدار أحق بالدار " ذكره الترمذي في باب ما جاء في الشفعة ، وقال : حديث حسن، ثم قال : وروى عيسى بن يونس عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله ، وروى عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحيح عند أهل العلم حديث الحسن عن سمرة ، ولا يعرف حديث قتادة عن أنس إلا من حديث عيسى بن يونس ،
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب هو حديث حسن، وروى إبراهيم بن ميسرة عن عمرو بن الشريد عن أبي رافع سمعت محمدا يقول : كلا الحديثين عندي صحيح .
وقال الكرماني بعد أن قال يراد بالجار الشريك : يجب الحمل عليه جمعا بين مقتضى الحديثين ( قلت ) لم يكتف الكرماني بصرف معنى الجار عن معناه الأصلي إلى الشريك حتى يحكم بوجوب ذلك ، وهذا يدل على أنه لم يطلع على ما ورد في هذا الباب من الأحاديث الدالة بثبوت الشفعة للجار بعد الشريك ( فإن قلت ) قال ابن حبان : الحديث ورد في الجار الذي يكون شريكا دون الجار الذي ليس بشريك ، يدل عليه ما أخبرنا ، وأسند عن عمرو بن الشريد قال : كنت مع سعد بن أبي وقاص والمسور بن مخرمة ، فجاء أبو رافع مولى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فقال لسعد بن مالك : اشتر مني بيتي الذي في دارك ، فقال : لا إلا بأربعة آلاف منجمة ، فقال : أما والله لولا أني سمعت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقول : " الجار أحق بصقبه " ما بعتكها وقد أعطيتها بخمسمائة دينار ( قلت ) هذا معارض بما أخرجه النسائي وابن ماجه ، عن حسين المعلم ، عن عمرو بن شعيب ، عن عمرو بن الشريد ، عن أبيه أن رجلا قال : يا رسول الله " أرضي ليس فيها لأحد شرك ولا قسم إلا الجوار ، فقال : الجار أحق بصقبه " الصقب بالصاد ما قرب من الدار ، ويقال : السقب أيضا بالسين ، وقال ابن دريد : سقبت الدار سقوبا وأسقبت لغتان فصيحتان أي قربت ، وأبياتهم متساقبة أي متدانية ، وفي الجامع هو بالصاد أكثر ، وفي المنتهى الصقب بالتحريك التقرب ، يقال : هذا أصقب الموضعين إليك أي أقربهما ، وفي الزاهر للأنباري : الصقب الملاصقة كأنه أراد بما يليه وما يقرب منه .