باب عرض الشفعة على صاحبها قبل البيع
ج١٢ / ص٧٣( باب عرض الشفعة على صاحبها قبل البيع ) ( وقال الحكم : إذا أذن له قبل البيع فلا شفعة له ) . الحكم بالحاء المهملة والكاف المفتوحتين ، ابن عتيبة بضم العين المهملة وفتح التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة ، أبو محمد ، ويقال : أبو عبد الله الكوفي التابعي ، قوله : " إذا أذن له " أي إذا أذن الشريك لصاحبه في البيع قبل البيع سقط حقه في الشفعة ، وهذا التعليق أخرجه ابن أبي شيبة بلفظ " إذا أذن المشتري في المشترى فلا شفعة له " ، ورواه وكيع عن سفيان عن أشعث عن الحكم " إذا أذن الشفيع للمشتري في الشراء فلا شفعة له " ، وقال ابن التين : قول الحكم بن عتيبة هذا قال به سفيان ، وخالفهما مالك وقال : لا يلزمه أذنه بذلك ، وقال ابن بطال : هذا العرض مندوب إليه كما فعل أبو رافع على ما يأتي حديثه عن قريب ، وفي التوضيح : وإذا أذن له شريكه في بيع نصيبه ثم رجع فطالبه بالشفعة فقالت طائفة : لا شفعة له ، وهذا قول الحسن ، والثوري ، وأبي عبيد ، وطائفة من أهل الحديث ، وقالت طائفة : إن عرض عليه الأخذ بالشفعة قبل البيع فأبى أن يأخذ ثم باع فأراد أن يأخذ بشفعته فذلك له ، هذا قول مالك والكوفيين ، ورواية عن أحمد ، وقال ابن بطال : ويشبه مذهب الشافعي ، قال صاحب التوضيح وهو مذهبه : وحكى أيضا عن عثمان البتي وابن أبي ليلى ، واحتج أحمد فقال : لا تجب له الشفعة حتى يقع البيع ، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك ، وقد احتج بمثله ابن أبي ليلى ، وذكر الرافعي : قال مالك : إذا باع المشتري نصيبه من أجنبي وشريكه حاضر يعلم بيعه فله المطالبة بالشفعة متى شاء ، ولا تنقطع شفعته إلا بمضي مدة يعلم أنه في مثلها تارك ، واختلف في المدة فقيل : سنة ، وقيل : فوقها ، وقيل : فوق ثلاث ، وقيل : فوق خمس ، حكاها ابن الحاجب ، وقال أبو حنيفة : إذا وقع البيع فعلم الشفيع به فإن أشهد في مكانه أنه على شفعته وإلا بطلت شفعته ، وبه قال الشافعي إلا أن يكون له عذر مانع من طلبها من حبس أو غيره فهو على شفعته .
( وقال الشعبي : من بيعت شفعته وهو شاهد لا يغيرها فلا شفعة له ) . 2 - ( حدثنا المكي بن إبراهيم قال : أخبرنا ابن جريج قال : أخبرني إبراهيم بن ميسرة عن عمرو بن الشريد قال : وقفت على سعد بن أبي وقاص فجاء المسور بن مخرمة ، فوضع يده على إحدى منكبي إذ جاء أبو رافع مولى النبي فقال - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا سعد ابتع مني بيتي في دارك ، فقال سعد : والله ما أبتاعهما ، فقال المسور : والله لتبتاعنهما ، فقال سعد : والله لا أزيدك على أربعة آلاف منجمة أو مقطعة ، قال أبو رافع : لقد أعطيت بها خمسمائة دينار ولولا أني سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : الجار أحق بسقبه ما أعطيتكها بأربعة آلاف وأنا أعطى بها خمسمائة دينار ، فأعطاها إياه ) .
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : ابتع مني بيتي الذي في دارك ، ففي ذلك عرض الشريك بالبيع شريكه لأجل شفعته قبل صدور البيع . ( ذكر رجاله ) وهم سبعة ، الأول : المكي بن إبراهيم بن بشير بن فرقد أبو السكن الحنظلي البلخي ، ج١٢ / ص٧٤الثاني : عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، الثالث : إبراهيم بن ميسرة ضد الميمنة ، وقد مر في باب الدهن للجمعة ، الرابع : عمرو بن الشريد بفتح الشين المعجمة وكسر الراء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره دال مهملة ، أبو الوليد ، قال العجلي : حجازي تابعي ثقة ، وأبوه الشريد بن سويد الثقفي صحابي شهد الحديبية ، الخامس : سعد بن أبي وقاص - رضي الله تعالى عنه - ، السادس : المسور بكسر الميم وسكون السين المهملة ابن مخرمة بفتح الميم والراء وإسكان الخاء المعجمة بينهما ، تقدم في آخر كتاب الوضوء ، السابع : أبو رافع واسمه أسلم بلفظ أفعل التفضيل ، القبطي ، كان للعباس ، فوهبه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما بشر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإسلام العباس أعتقه ، مات في أول خلافة علي - رضي الله تعالى عنه - . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع ، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في موضع ، وفيه القول في خمسة مواضع ، وفيه ثلاثة من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - وأحدهم صحابي ابن صحابي وهو المسور بن مخرمة ، فإن مخرمة من مسلمة الفتح ، ومن المؤلفة قلوبهم ، وشهد حنينا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو ابن عم سعد بن أبي وقاص ، وفيه أن شيخه بلخي كما ذكرنا ، وأن ابن جريج وإبراهيم مكيان ، وعمرو بن شريد طائفي ، وهو من أوساط التابعين ، وليس له في البخاري غير هذا الحديث ، وفيه إبراهيم عن عمرو ، وفي رواية سفيان على ما يأتي في ترك الحيل عن إبراهيم بن ميسرة سمعت عمرو بن الشريد .
( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في ترك الحيل عن علي بن عبد الله عن سفيان بن عيينة ، وعن محمد بن يوسف وأبي نعيم كلاهما عن سفيان الثوري ، وعن مسدد عن يحيى عن الثوري ، وأخرجه أبو داود في البيوع عن النفيلي عن سفيان بن عيينة به ، وعن محمود بن غيلان عن أبي نعيم به ، وأخرجه ابن ماجه في الأحكام عن أبي بكر ابن أبي شيبة وعلي بن محمد وعبد الله بن الجراح ثلاثتهم عن سفيان بن عيينة . ( ذكر معناه ) قوله : " إحدى منكبي " ذكره ابن التين هكذا بلفظ إحدى وأنكره بعضهم ، وقال : المنكب مذكر ، وبخط الحافظ الدمياطي : أحد منكبي ، قوله : " إذ جاء " كلمة إذ للمفاجاة مضافة إلى الجملة وجوابها قوله : فقال يا سعد ، قوله : " ابتع مني " أي اشتر مني ، قوله : " بيتي في دارك " أي بيتي الكائنين في دارك ، وقال الكرماني : بيتي بلفظ المفرد والتثنية ، ولهذا جاءت الضمائر التي بعده مثنى ومفردا ، مؤنثا بتأويل البيت بالبقعة ، قوله : " ما أبتاعهما " أي ما أشتريهما ، قوله : " لتبتاعنهما " اللام فيه مفتوحة للتأكيد وكذلك نون التأكيد إما مخففة وإما مثقلة ، قوله : " منجمة " أي موظفة ، والنجم الوقت المضروب ، قوله : " أو مقطعة " شك من الراوي ، والمراد مؤجلة يعطي شيئا فشيئا ، قوله : " أربعة آلاف " وفي رواية سفيان أربعمائة درهم ، وفي رواية الثوري في ترك الحيل أربعمائة مثقال ، وهو يدل على أن المثقال إذ ذاك عشرة دراهم ، قوله : " لقد أعطيت " على صيغة المجهول ، وكذلك ، قوله : " وأنا أعطي بها " . ( ذكر ما يستفاد منه ) استدل به أبو حنيفة وأصحابه على إثبات الشفعة للجار ، وأوله الخصم على أن المراد به الشريك ، بناء على أن أبا رافع كان شريك سعد في البيتين ، ولذلك دعاه إلى الشراء منه ، ورد هذا بأن ظاهر الحديث أن أبا رافع كان يملك بيتين من جملة دار سعد لا شقصا شائعا من دار سعد - رضي الله تعالى عنه - وذكر عمر بن شبة أن سعدا كان اتخذ دارين بالبلاط متقابلين بينهما عشرة أذرع ، وكانت التي عن يمين المسجد منهما لأبي رافع فاشتراها سعد منه ، ثم ساق حديث الباب ، فاقتضى كلامه أن سعدا كان جارا لأبي رافع قبل أن يشتري منه داره لا شريكا ، وقيل : الجار لما احتمل معاني كثيرة ، منها : أن كل من قارب بدنه بدن صاحبه قيل له جار في لسان العرب ، ومنها : يقال لامرأة الرجل جارته لما بينهما من الاختلاط بالزوجية ، ومنها : أنه يسمى الشريك جارا لما بينهما من الاختلاط بالشركة وغير ذلك من المعاني ، فإذا كان كذلك يكون لفظ الجار في الحديث مجملا ، وقوله : - صلى الله عليه وسلم - : " فإذا وقعت الحدود فلا شفعة " كان مفسرا فالعمل به أولى من العمل بالمجمل ، قلت : دعوى الإجمال هنا دعوى فاسدة لعدم الدليل على ذلك ، وفي مصنف عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن شريح : الخليط أحق من الجار ، والجار أحق من غيره ، وفي مصنف ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي : الشريك أحق بالشفعة ، فإن لم يكن شريك فالجار ، وهذا ينادي بأعلى صوته أن الشريك غير الجار ، فإن المراد بالجار هو صاحب ج١٢ / ص٧٥الدار الملاصقة بدار غيره ، وفيه ثبوت الشفعة مطلقا سواء كان الذي له الشفعة حاضرا أو غائبا ، وسواء كان بدويا أو قرويا ، مسلما أو ذميا ، صغيرا أو كبيرا ، أو مجنونا إذا أفاق .
وقال قوم من السلف : لا شفعة لمن لم يسكن في المصر ، ولا للذمي ، قاله الشعبي والحارث العكلي والبتي ، وزاد الشعبي : ولا لغائب ، وقال ابن أبي ليلى : ولا شفعة لصغير ، وقال الشعبي : لا تباع الشفعة ولا توهب ولا تعار ، هي لصاحبها الذي وقعت له ، وقال إبراهيم فيما نقله الأثرم : لا تورث ، وكذا روي عن ابن سيرين ، وقال ابن حزم : قال عبد الرزاق : وهو قول الثوري ، وأبي حنيفة ، وأحمد ، وإسحاق ، والحسن بن حي ، وأبي سليمان ، وقال مالك والشافعي : تورث ، قلت : مذهب أبي حنيفة أن الشفعة تبطل بموت الشفيع قبل الأخذ بعد الطلب أو قبله ، فلا تورث عنه ، ولا تبطل بموت المشتري لوجود المستحق . وفيه ما يدل على مكارم الأخلاق ؛ لأن أبا رافع باع من سعد بأقل مما أعطاه غيره ، فهو من باب الإحسان والكرم ، وإذا اختلف الشفيع والمشتري في مقدار الثمن ، فالقول للمشتري لأنه منكر ولا يتحالفان ، فإن برهنا فالبينة بينة الشفيع عند أبي حنيفة ومحمد ، وعند أبي يوسف : البينة بينة المشتري ، وعند الشافعي وأحمد : تهاترتا والقول للمشتري ، وعنهما يقرع ، وعند مالك يحكم للأعدل وإلا فباليمين .