حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب من استأجر أجيرا فترك أجره فعمل فيه المستأجر فزاد أو من عمل في مال غيره فاستفضل

( باب من استأجر أجيرا فترك أجره ، فعمل فيه المستأجر فزاد ، أو من عمل في مال غيره فاستفضل )

12 - ( حدثنا أبو اليمان قال : أخبرنا شعيب عن الزهري قال : حدثني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى أووا المبيت إلى غار ، فدخلوه ، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار ، فقالوا : إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم ، فقال رجل منهم : اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران ، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ، ولا مالا ، فنأى بي في طلب شيء ج١٢ / ص٩١يوما ، فلم أرح عليهما حتى ناما ، فحلبت لهما غبوقهما ، فوجدتهما نائمين ، وكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا ، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر ، فاستيقظا ، فشربا غبوقهما ، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة ، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقال الآخر : اللهم كانت لي بنت عم ، كانت أحب الناس إلي ، فأردتها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين ، فجاءتني ، فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ، ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت : لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه ، فتحرجت من الوقوع عليها ، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي ، وتركت الذهب الذي أعطيتها ، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه ، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : وقال الثالث : اللهم إني استأجرت أجراء ، فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ، ترك الذي له وذهب ، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال ، فجاءني بعد حين ، فقال : يا عبد الله أدي إلي أجري ، فقلت له : كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق ، فقال : يا عبد الله لا تستهزئ بي ، فقلت : أني لا أستهزئ بك ، فأخذه كله فاستاقه ، فلم يترك منه شيئا ، اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه ، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون ) . مطابقته للترجمة في قوله : " فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب " إلى قوله : " بعد حين " ، قال المهلب : ليس فيه دليل لما ترجم له ، وإنما اتجر الرجل في أجر أجيره ثم أعطاه على سبيل التبرع ، وإنما الذي كان يلزمه قدر العمل خاصة ، قلت : ورجاله هكذا قد تقدموا غير مرة ، وأبو اليمان الحكم بن نافع الحمصي ، وشعيب بن أبي حمزة الحمصي ، والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب .

وقد مضى هذا الحديث في كتاب البيوع ، في باب إذا اشترى شيئا لغيره بغير إذنه ، فإنه أخرجه هناك عن يعقوب بن إبراهيم ، عن أبي عاصم ، عن ابن جريج ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، وبينهما تفاوت في المتن يعرف بالنظر . قوله : " ثلاثة رهط " الرهط من الرجال ما دون العشرة ، وقيل : إلى الأربعين ، ولا يكون فيهم امرأة ، ولا واحد له من لفظه ، ويجمع على أرهط وأرهاط وأراهط جمع الجمع . قوله : " حتى أووا " يقال : أوى فلان إلى منزله يأوي أويا على وزن فعول ، وقال أبو زيد : فعلت وأفعلت بمعنى يعني أوى بالقصر وأوى بالمد سواء ، والمبيت موضع البيتوتة ، وكلمة " إلى " في " إلى غار " للانتهاء ، يعني انتهى أو يهم لأجل البيتوتة إلى غار وهو كهف في الجبل ، قوله : " فانحدرت " أي هبطت ونزلت ، قوله : " لا ينجيكم " بضم الياء من الإنجاء بالجيم وهو التخليص ، قوله : " إلا أن تدعوا الله " بسكون الواو لأنه جمع ، وأصله تدعون من الدعاء ، فسقطت النون لأجل أن ، قوله : " اللهم قد " ذكرنا معناه هناك في ذلك الباب ، قوله : " لا أغبق " من الغبوق بالغين المعجمة والباء الموحدة ، وفي آخره قاف ، وهو شرب العشي ، وضبطوا لا أغبق بفتح الهمزة من الثلاثي ، إلا الأصيلي فإنه يضمها من الرباعي ، وخطؤه فيه ، وقال صاحب الأفعال : يقال : غبقت الرجل ، ولا يقال : أغبقته ، والغبوق شرب آخر النهار ، مقابل الصبوح ، واسم الشراب الغبق .

قوله : " أهلا " الأهل : الزوجات ، والمال الرقيق ، وقال الداودي : والدواب أيضا ، وقال ابن التين : وليس للدواب هنا معنى يذكر به ، قوله : " فناء بي " بمد بعد النون بوزن جاء ، في رواية كريمة والأصيلي ، وفي رواية غيرهما : فنأى بفتح النون والهمزة مقصورا على وزن سقى ، أي بعد ، وأصل هذه المادة ج١٢ / ص٩٢من النأي ، بفتح النون وسكون الهمزة : البعد ، يقال : نأى بي طلب شيء أي بعد ، قوله : " فلم أرح " بضم الهمزة وكسر الراء أي لم أرجع على أبوي حتى أخذهما النوم ، قوله : " والقدح " الواو فيه للحال ، قوله : " حتى برق الفجر " أي ظهر الضياء ، قوله : " فأردتها عن نفسها " كناية عن طلب الجماع ، قوله : " حتى ألمت بها " أي حتى نزلت بها سنة من سني القحط فأحوجتها ، قوله : " عشرين ومائة " أي عشرين دينارا ومائة ، ووقع هناك مائة ، والتخصيص بالعدد لا ينافي الزيادة ، والمائة كانت بالتماسها والعشرون تبرع منه كرامة لها ، قوله : " لا أحل لك " بضم الهمزة من الإحلال ، قوله : " أن تفض الخاتم " كناية عن الوطء ، يقال : فض الخاتم والختم إذا كسره وفتحه ، قوله : " فتحرجت " يقال : تحرج فلان إذا فعل فعلا يخرج به من الحرج وهو الإثم والضيق ، قوله : " وتركت الذهب الذي أعطيتها " ، وفي رواية أبي ذر " التي أعطيتها " والذهب يذكر ويؤنث ، قوله : " فافرج عنا " بوصل الهمزة وضم الراء ، فإذا قطع الهمزة وكسر الراء فالأول أمر من الفرج ، والثاني من الإفراج ، قوله : " أجراء " جمع أجير ، قوله : " فثمرت " أي كثرت من التثمير ، قوله : " كل ما ترى " مبتدأ وخبره ، قوله : " من أجرك " أي من أجرتك ، قوله : " من الإبل " إلى آخره بيان لما ترى ، وهنا زاد الإبل والبقر ، وهناك بقرا وراعيها ، ولا منافاة بينهما ، وقد ذكرنا بعض الخلاف فيمن اتجر في مال غيره ، فقال قوم : له الربح إذا أدى رأس المال إلى صاحبه سواء كان غاصبا للمال أو وديعة عنده متعديا فيه ، وهو قول عطاء ، ومالك ، وربيعة ، والليث ، والأوزاعي ، وأبي يوسف ، واستحب مالك والثوري والأوزاعي تنزهه ويتصدق به . وقال آخرون : يرد المال ويتصدق بالربح كله ، ولا يطيب له شيء من ذلك ، وهو قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن وزفر ، وقال قوم : الربح لرب المال وهو ضامن لما تعدى فيه ، وهو قول ابن عمر وأبي قلابة ، وبه قال أحمد ، وإسحاق ، وقال الشافعي : إن اشترى السلعة بالمال بعينه فالربح ورأس المال لرب المال ، وإن اشتراها بمال بغير عينه قبل أن يستوجبها بثمن معروف بالعين ثم نقد المال منه أو الوديعة فالربح له وهو ضامن لما استهلك من مال غيره ، والله أعلم بالصواب .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث