حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب من تكفل عن ميت دينا فليس له أن يرجع

( حدثنا علي بن عبد الله قال : حدثنا سفيان قال : حدثنا عمرو قال : سمع محمد بن علي عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهم قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لو قد جاء مال البحرين قد أعطيتك هكذا وهكذا ، فلم يجيء مال البحرين حتى قبض النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلما جاء مال البحرين أمر أبو بكر فنادى : من كان له عند النبي - صلى الله عليه وسلم - عدة أو دين فليأتنا ، فأتيته ، فقلت : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لي : كذا وكذا ، فحثى لي حثية ، فعددتها ، فإذا هي خمسمائة ، وقال : خذ مثليها ) . مطابقته للترجمة من حيث إن أبا بكر - رضي الله تعالى عنه - كما قام مقام النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - تكفل بما كان عليه من واجب أو تطوع فلما التزم ذلك لزمه أن يوفي جميع ما عليه من دين وعدة ، وكان - صلى الله عليه وسلم - يحب الوفاء بالوعد ، ونفذ أبو بكر ذلك . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة ، الأول : علي بن عبد الله المعروف بابن المديني ، الثاني : سفيان بن عيينة ، الثالث : عمرو بن دينار ، الرابع : محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - ، الخامس : جابر بن عبد الله .

( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه السماع ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه أن شيخه وشيخ شيخه مدنيان وسفيان وعمرو مكيان ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي ، وعمرو بن دينار روى كثيرا عن جابر ، وهاهنا كان بينهما واسطة وهو محمد بن علي . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري في الخمس عن علي بن عبد الله أيضا ، وفي المغازي عن قتيبة ، وفي الشهادات عن إبراهيم بن موسى ، وأخرجه مسلم في فضائل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إسحاق بن إبراهيم ، وعن محمد بن يحيى ، وعن محمد بن حاتم ، وعن محمد بن المنكدر . ( ذكر معناه ) قوله : لو قد جاء ومعنى قد هاهنا لتحقق المجيء ، قوله : مال البحرين والمراد بالمال مال الجزية ، والبحرين على لفظ تثنية البحر موضع بين البصرة وعمان ، وكان العامل عليها من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم - العلاء بن الحضرمي ، قوله : قد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا ، وفي الشهادات : فبسط يده ثلاث مرات ، قوله : عدة أي وعد ، وأصل عدة وعد ، فلما حذفت الواو عوضت عنها الياء في آخره ، فوزنه على هذا علة ، قوله : فحثى لي حثية بفتح الحاء المهملة ، والحثية ملء الكف ، وقال ابن قتيبة : هي الحفنة ، وقال ابن فارس : هي ملء الكفين ، والفاء في فحثى عطف على محذوف تقديره خذ هكذا ، وأشار بيديه ، وفي الواقع هو تفسير لقوله خذ هكذا ، قوله : وقال خذ مثليها أي قال أبو بكر : خذ أيضا مثلي خمسمائة ، فالجملة ألف وخمسمائة ، وذلك لأن جابرا لما قال إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لي كذا وكذا ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا ثلاث مرات ، حثى له أبو بكر حثية فجاءت خمسمائة ، ثم قال : خذ مثليها ، ليصير ثلاث مرات ، تنفيذا لما وعده النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بقوله هكذا ثلاث مرات ، وكان ذلك وعدا من النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - وكان من خلقه الوفاء بالعهد ، ونفذه أبو بكر بعد وفاته - صلى الله تعالى عليه وسلم - .

وقال بعضهم : وفيه قبول خبر الواحد العدل من الصحابة ولو جر ذلك نفعا لنفسه ؛ لأن أبا بكر لم يلتمس من جابر شاهدا على صحة دعواه ، انتهى ( قلت ) إنما لم يلتمس شاهدا منه لأنه عدل بالكتاب والسنة ، أما الكتاب فقوله تعالى كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا فمثل جابر إن لم يكن من خير أمة فمن يكون ؟ وأما السنة فقوله - صلى الله عليه وسلم - من كذب علي متعمدا الحديث ، ولا يظن ذلك لمسلم فضلا عن صحابي ، فلو وقعت هذه المسألة اليوم فلا تقبل إلا ببينة ، وقال هذا القائل أيضا : ويحتمل أن يكون أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - علم بذلك فقضى له بعلمه ، فيستدل به على جواز مثل ذلك للحاكم ، انتهى . ( قلت ) هذا الباب فيه تفصيل ، وليس على الإطلاق ؛ لأن علم القاضي على أنواع : منها ما يعلم به قبل البلوغ وقبل الولاية من الأقوال التي يسمعها والأفعال التي يشاهدها ، ومنها ما يعلمها بعد البلوغ قبل الولاية ، ومنها ما يعلمه بعد الولاية ولكن في غير عمله الذي وليه ، ومنها ما يعلمه بعد الولاية في عمله الذي وليه ، ففي الفصل الأول لا يقضي بعلمه مطلقا ، وفي الفصل الثاني خلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه ، فعند أبي حنيفة لا يقضي ، وعندهما يقضي إلا في الحدود والقصاص ، وعن الشافعي قولان ، وفي الثاني : لا يقضي أيضا ، وفي الرابع : يقضي بلا خلاف ، وقال ابن التين : في الحديث جواز هبة المجهول والآبق والكلب ، وفي ( حاوي ) الحنابلة : وتصح هبة المشاع وإن تعذرت قسمته ، وفي الروضة للشافعية : تجوز هبة المشاع سواء المنقسم أو غيره ، وسواء وهبه للشريك أو غيره ، ويجوز هبة الأرض المزروعة مع زرعها ودون زرعها ، وعكسه ، انتهى . وعندنا لا تجوز الهبة فيما لا يقسم إلا محوزة ، أي مفرغة عن أملاك الواهب حتى لا تصح هبة الثمر على الشجر ، والزرع على الأرض بدون الشجر والأرض ، وكذا العكس ، وهبة المشاع فيما لا يقسم جائزة .

وفيه العدة ، فجمهور العلماء منهم أبو حنيفة والشافعي وأحمد على أن إنجاز العدة مستحب ، وأوجبه الحسن وبعض المالكية ، وقد استدل بعض الشافعية بهذا الحديث على وجوب الوفاء بالوعد في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنهم زعموا أنه من خصائصه ، ولا دلالة فيه أصلا لا على الوجوب ولا على الخصوصية .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث