حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب إذا وكل رجل أن يعطي شيئا ولم يبين كم يعطي فأعطى على ما يتعارفه الناس

حدثنا المكي بن إبراهيم قال : حدثنا ابن جريج ، عن عطاء بن أبي رباح وغيره يزيد بعضهم على بعض ، ولم يبلغه كلهم رجل واحد منهم ، عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما ، قال : كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فكنت على جمل ثفال إنما هو في آخر القوم ، فمر بي النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : من هذا . قلت : جابر بن عبد الله ، قال : ما لك . قلت : إني على جمل ثفال ، قال : أمعك قضيب .

قلت : نعم . قال : أعطنيه ، فأعطيته ، فضربه ، فزجره ، فكان من ذلك المكان من أول القوم ، قال : بعنيه ، فقلت : بل هو لك يا رسول الله ، قال : بعنيه قد أخذته بأربعة دنانير ولك ظهره إلى المدينة ، فلما دنونا من المدينة أخذت أرتحل ، قال : أين تريد . قلت : تزوجت امرأة قد خلا منها زوجها ، قال : فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك .

قلت : إن أبي توفي وترك بنات ، فأردت أن أنكح امرأة قد جربت خلا منها ، قال : فذلك ، فلما قدمنا المدينة قال : يا بلال اقضه وزده ، فأعطاه أربعة دنانير وزاده قيراطا ، قال جابر : لا تفارقني زيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلم يكن القيراط يفارق جراب جابر بن عبد الله . مطابقته للترجمة في قوله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : يا بلال اقضه وزده ، فأعطاه أربعة دنانير وزاده قيراطا ، فإنه - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر مقدار ما يعطيه عند أمره بالزيادة ، فاعتمد بلال - رضي الله تعالى عنه - على العرف في ذلك ، فزاده قيراطا . ورجال هذا الحديث قد ذكروا غير مرة وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي .

والحديث أخرجه البخاري أيضا في الشروط ، وأخرجه مسلم في البيوع عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عنه عن عطاء عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : قد أخذت جملك بأربعة دنانير ولك ظهره إلى المدينة لم يزد على هذا ، وقد ذكر البخاري في كتاب البيوع : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا عبيد الله ، عن وهب بن كيسان ، عن جابر بن عبد الله قال : كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزاة ، فأبطأ بي جملي ، الحديث مطولا . وفيه : فأمر بلالا أن يزن لي أوقية ، فوزن لي بلال ، فأرجح . وقال بعضهم : وقد تقدم في الحج شيء من ذلك .

( قلت ) : ليس في الحج شيء من ذلك ، وإنما الذي تقدم في كتاب البيوع في باب شراء الدواب والحمير ، وهو الذي ذكرناه الآن . ( ذكر معناه ) : قوله : عن عطاء بن أبي رباح وغيره يزيد بعضهم على بعض ، ولم يبلغه كلهم رجل واحد منهم عن جابر كذا وقع في أكثر نسخ البخاري . وقال بعضهم : عن عطاء بن أبي رباح وغيره يزيد بعضهم على بعض لم يبلغه كله رجل منهم ، ثم قال : كذا للأكثر ، وكذا وقع عند الإسماعيلي ، أي : ليس جميع الحديث عند واحد منهم بعينه ، وإنما عند بعضهم منه ما ليس عند الآخر ، انتهى .

( قلت ) : في شرح علاء الدين صاحب التلويح بخطه ، وضبطه عن عطاء وغيره إلى آخره مثل ما ذكرناه الآن بعينه ، ثم قال : كذا في أكثر نسخ البخاري ، ثم قال : وفي الإسماعيلي لم يبلغه كل رجل منهم عن جابر ، ثم قال : وهذا لفظ حديث حرملة عن ابن وهب أنبأنا ابن جريج . وعند أبي نعيم : لم يبلغهم كلهم إلا رجل واحد عن جابر ، وكذا هو عند أبي مسعود الدمشقي في كتاب الأطراف ، وتبعه المزي . وفيه نظر ؛ إذ ذكراه من صحيح البخاري ، ثم قال الشيخ علاء الدين المذكور في بعض النسخ المقروءة على شيخنا الحافظ أبي محمد التوني على يبلغه ضمة على الياء وفتحة على الباء وشدة على اللام ، وجزمة على الغين .

وفي أخرى على الياء ، فتحة وعلى الباء جزمة ، ثم قال : وقال ابن التين : معناه : أن بعضهم بينه وبين جابر غيره قال : وفي رواية لم يبلغه كلهم وكل واحد منهم عن جابر ، وفي التوضيح وبخط الدمياطي لم يبلغه بضم أوله وكسر ثالثه مشددا ، ثم قال : وذكر ابن التين أن في رواية وكل بدل رجل . وقال الكرماني : بعضهم الضمير فيه راجع إلى الغير ، وهو في معنى الجمع ، وفي لم يبلغه إلى الحديث أو إلى الرسول ورجل يدل عن الكل ، وعن جابر متعلق بعطاء ، وفي أكثر الروايات لفظة الغير بالجر ، وأما رفعه . فهو على الابتداء ويزيد خبره ، ويحتمل أن يكون رجل فاعل فعل مقدر نحو بلغه ، وعلى التقادير لا يخفى ما في هذا التركيب من التعجرف ، ولو كان كلمة كلهم ضمير الفرد لكان ظاهرا ، انتهى .

( قلت ) : التعجرف الذي ذكره من الرواة والتعجرف والعجرفة والعجرفية بمعنى ، يقال : فلان يتعجرف على فلان إذا كان يركبه بما يكره ولا يهاب شيئا ، ويقال : جمل فيه تعجرف وعجرفة إذا كان فيه خرق وقلة مبالاة لسرعته ، والصواب هنا التركيب الذي في رواية المكي بن إبراهيم المذكور في سنده . قوله : وغيره بالجر ، أي : وعن غير عطاء . قوله : يزيد بعضهم على بعض حال والضمير في بعضهم يرجع إلى لفظ غيره ؛ لأن غير عطاء يحتمل أن يكون جمعا .

قوله : ولم يبلغه أيضا حال ، أي : والحال أنهم لم يبلغوا الحديث بل بلغه رجل واحد منهم ، فلا بد من تقدير فعل قبل رجل ليستقيم المعنى ، وغير هذا الوجه معجرف . قوله : على ثفال بفتح الثاء المثلثة ، والفاء الخفيفة ، وهو البعير البطيء السير الثقيل الحركة ، والثفال بكسر الثاء جلد أو كساء يوضع تحت الرحى ، يقع عليه الدقيق . وقال ابن التين : وصوب كسر الثاء هناك قاله ابن فارس فكان من ذلك المكان ، أي : فكان الجمل من مكان الضرب من أوائل القوم ، وفي مباديهم ببركة رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - حيث تبدل ضعفه بالقوة .

قوله : بل هو لك يا رسول الله ، أي : بغير ثمن . قوله : قال بل بعنيه ، أي : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بل بعني الجمل بالثمن ، وذكر كلمة بل للإضراب عن قول جابر إنه لا يأخذه بلا ثمن . قوله : قال قد أخذته بأربعة دنانير ، أي : قال - صلى الله عليه وسلم - : قد أخذت الجمل بأربعة دنانير ، فيه ابتداء المشتري بذكر الثمن ، كذا هو بخط الحافظ الدمياطي ، وذكره الداودي الشارح بلفظ أربع الدنانير .

وقال : سقطت التاء لما دخلت الألف واللام وذلك جائز فيما دون العشرة ، واعترض عليه ابن التين بأنه قول مخترع لم يقله أحد غيره . قوله : ولك ظهره إلى المدينة ، أي : لك أن تركب إلى المدينة ، وهذا إعارة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له وإباحة للانتفاع لا أنه كان شرطا للبيع . وقال الداودي : إذا كان على قرب مثل تلك المسافة وإن كان روى عنه كراهة ذلك ، ولا يجوز فيما بعد عنه .

وقال قوم : ذلك جائز وإن بعد . وقالت فرقة : لا يجوز وإن قرب . قوله : قد خلا منها ، أي : مات عنها زوجها .

قوله : فهلا جارية انتصاب جارية بفعل مقدر ، أي : هلا تزوجت جارية . قوله : قد جربت ، أي : اختبرت حوادث الدهر ، وصارت ذات تجربة تقدر على تعهد إخواتي وتفقد أحوالهن . قوله : قال فذلك ، أي : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فذلك ، وهو مبتدأ خبر محذوف ، أي : فذلك مبارك ونحوه .

قوله : اقضه ، أي : اقض دينه ، وهو ثمن الجمل . قوله : وزده ، أي : زد على الثمن ، وهو أمر من زاد يزيد نحو باع يبيع ، والأمر منه بع بالكسر . قوله : فلم يكن القيراط يفارق جراب جابر رضي الله تعالى عنه ، وهذا من قول عطاء الراوي ، كذا وقع لفظ جراب بالجيم في رواية الأكثرين .

وفي رواية النسفي : قراب بالقاف ، وهو الذي يدخل فيه السيف بغمده ، قال الداودي : القراب خريطة ، ورد عليه ابن التين بأن الخريطة لا يقال لها قراب ، وقد زاد مسلم في آخر هذا الحديث ، فأخذه أهل الشام يوم الحرة . ومما يستفاد من هذا الحديث أن المتعارف بين الناس مثل النص عليه ، وعن هذا قال ابن بطال : والمأمور بالصدقة إذا أعطى ما يتعارفه الناس جاز ونفذ ، فإن أعطى أكثر مما يتعارفه الناس يتوقف ذلك على رضا صاحب المال ، فإن أجاز ذلك ، وإلا رجع عليه بمقدار ذلك ، والدليل على ذلك أنه لو أمره أن يعطي فلانا قفيزا ، فأعطاه قفيزين ضمن الزيادة بالإجماع .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث