حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب وكالة الامرأة الإمام في النكاح

حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد قال جاءت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت : يا رسول الله ، إني قد وهبت لك من نفسي ، فقال : رجل زوجنيها ، قال : قد زوجناكها بما معك من القرآن . مطابقته للترجمة من حيث إن المرأة لما قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : قد وهبت لك نفسي كان ذلك كالوكالة على تزويجها من نفسه أو ممن رأى تزويجها منه ، وقد جاء في كتاب النكاح أنها جعلت أمرها إليه صريحا ، وهو طريق من طرق حديث الباب ، وبهذا يجاب عما قاله الداودي إنه ليس في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم استأذنها ولا أنها وكلته ، وأبو حازم بالحاء المهملة وبالزاي اسمه سلمة بن دينار الأعرج وسهل بن سعد بن مالك الساعدي الأنصاري . والحديث أخرجه البخاري أيضا في التوحيد ، وفي النكاح عن عبد الله بن يوسف أيضا ، وأخرجه أبو داود في النكاح عن القعنبي ، وأخرجه الترمذي ، فيه عن الحسن بن علي ، وأخرجه النسائي فيه وفي فضائل القرآن عن هارون بن عبد الله .

( ذكر معناه ) : قوله : جاءت امرأة اختلف في اسمها ، فقيل : هي خولة بنت حكيم . وقيل : هي أم شريك الأزدية . وقيل : ميمونة ذكر هذه الأقوال أبو القاسم بن بشكوال في كتاب المبهمات ، والصحيح أنها خولة أو أم شريك ؛ لأنهما وإن كانتا ممن وهبت نفسهما للنبي صلى الله عليه وسلم ولكنه لم يتزوج بهما ، وأما ميمونة ، فإنها إحدى زوجاته صلى الله عليه وسلم ، فلا يصح أن تكون هذه ؛ لأن هذه قد زوجها لغيره ، وقد روى البيهقي من رواية سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال : لم يكن عند النبي - صلى الله عليه وسلم - امرأة وهبت نفسها له ؛ لأنه لم يقبلهن وإن كن حلالا .

قوله : وهبت لك من نفسي ويروى : وهبت لك نفسي بدون كلمة من قال النووي : قول الفقهاء وهبت من فلان كذا مما ينكر عليهم . ( قلت ) : لا وجه للإنكار ؛ لأن من تجيء زائدة في الموجب ، وهي جائزة عند الأخفش والكوفيين . قوله : فقال رجل : زوجنيها ، ولفظه في النكاح : فقام رجل من أصحابه ، فقال : يا رسول الله ، إن لم يكن لك بها حاجة ، فزوجنيها .

قوله : قد زوجناكها بما معك من القرآن . واختلفت الروايات في هذه اللفظة ، ففي رواية مسلم ، وأبي داود والترمذي : زوجتكها بما معك من القرآن . وفي رواية للبخاري : ملكتكها .

، وفي رواية له : أملكناكها . وفي رواية أبي ذر الهروي : أمكناكها ، وفي أكثر روايات الموطأ : أنكحتكها ، وكذا في رواية للبخاري . وفي رواية لمسلم في أكثر نسخه : ملكتكها على بناء المجهول ، وكذا نقله القاضي عياض عن رواية الأكثرين لمسلم .

وقال الدارقطني : رواية من روى ملكتكها وهم ، قال : والصواب رواية من روى زوجتكها ، قال : وهم أكثر وأحفظ . وقال النووي : ويحتمل صحة اللفظين ويكون جرى لفظ التزويج أولا فملكها ، ثم قال له : اذهب ، فقد ملكتكها بالتزويج السابق . ( قلت ) : هذا هو الوجه ، وقد ذكرنا أن البخاري أخرج هذا الحديث في التوحيد ولكنه مختصر جدا ، وأخرجه في كتاب النكاح في باب تزويج المعسر ولفظه : جاءت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت : يا رسول الله ، جئت أهب لك نفسي ، قال : فنظر إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فصعد النظر إليها وصوبه ، ثم طأطأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه ، فلما رأت المرأة أنه لم يقض ، فيها شيئا جلست .

فقام رجل من أصحابه ، فقال : يا رسول الله ، إن لم يكن لك بها حاجة ، فزوجنيها ، قال : وهل عندك من شيء ؟ قال : لا والله يا رسول الله ، فقال : اذهب إلى أهلك ، فانظر هل تجد شيئا ، فذهب ، ثم رجع ، فقال : لا والله يا رسول الله ، ما وجدت شيئا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : انظر ولو خاتما من حديد ، فذهب ثم رجع فقال : لا والله يا رسول الله ولا خاتما من حديد ، ولكن هذا إزاري قال : ماله رداء ، فلها نصفه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما تصنع بإزارك إن لبستْه لم يكن عليها منه شيء ، وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء ، فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه قام ، فرآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موليا ، فأمر به فدعي ، فلما جاء قال له : ماذا معك من القرآن ؟ قال : معي سورة كذا وكذا عددها ، قال : تقرؤهن عن ظهر قلبك ؟ : قال : نعم . قال : اذهب ، فقد ملكتكها بما معك من القرآن ، وإنما سقنا هذا هاهنا ؛ لأنه كالشرح لحديث الباب يوضح ما فيه من الأحكام . ( ذكر ما يستفاد منه ) : وهو يشتمل على أحكام .

الأول : فيه جواز هبة المرأة نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو من خصائصه لقوله تعالى : وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ الآية ، قال ابن القاسم عن مالك : لا تحل الهبة لأحد بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - . وقال أبو عمر : أجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يطأ فرجا وهب له وطؤه دون رقبته بغير صداق . الثاني : فيه أنه صلى الله عليه وسلم يجوز له استباحة من شاء ممن وهبت نفسها له بغير صداق ، وهذا أيضا من الخصائص .

الثالث : استدل به أبو حنيفة والثوري ، وأبو يوسف ومحمد والحسن بن حي على أن النكاح ينعقد بلفظ الهبة ، فإن سمى مهرا لزمه وإن لم يسم ، فلها مهر المثل قالوا : والذي خص به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تعري البضع من العوض لا النكاح بلفظ الهبة . وعن الشافعي : لا ينعقد إلا بالتزويج أو الإنكاح ، وبه قال ربيعة ، وأبو ثور ، وأبو عبيد وداود وآخرون . وقال ابن القاسم : إن وهب ابنته ، وهو يريد إنكاحها ، فلا أحفظه عن مالك ، وهو عندي جائز كالبيع ، وحكاه ابن عبد البر عن أكثر المالكية المتأخرين ، ثم قال : الصحيح أنه لا ينعقد بلفظ الهبة نكاح كما أنه لا ينعقد بلفظ النكاح هبة شيء من الأموال ، وفي الجواهر أركان النكاح أربعة الصيغة ، وهي كل لفظ يقتضي التمليك على التأبيد في حال الحياة كالإنكاح والتزويج والتمليك والبيع والهبة وما في معناها ، قال القاضي أبو الحسن : ولفظ الصدقة ، وفي الروضة للنووي : ولا ينعقد بغير لفظ التزويج والإنكاح ، وكذا قال في حاوي الحنابلة .

الرابع : فيه استحباب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح ليتزوجها . الخامس : فيه أنه يستحب لمن طلبت إليه حاجته ، وهو لا يريد أن يقضيها أن لا يخجل الطالب بسرعة المنع بل يسكت سكوتا يفهم السائل ذلك منه ، اللهم إلا إذا لم يفهم السائل ذلك إلا بصريح المنع ، فيصح . وفي رواية للبخاري من رواية حماد بن زيد عن أبي حازم : التصريح بالمنع بقوله : فقال : ما لك ، ما لي اليوم في النساء حاجة .

السادس : فيه أن من طلب حاجة يريد بها الخير ، فسكت عنه لا يرجع من أول وهلة لاحتمال قضائها فيما بعد . وفي رواية للطبراني ، فقامت حتى راقبنا لها من طول القيام الحديث بل لا بأس بتكرار السؤال إذا لم يجب . السابع : فيه أنه لا بأس بالخطبة لمن عرضت نفسها على غيره إذا صرح المعروض بالرد أو ، فهم منه بقرينة الحال .

الثامن : فيه انعقاد النكاح بالاستيجاب وإن لم يوجد بعد الإيجاب قبول ، وقد بوب عليه البخاري باب إذا قال الخاطب للولي زوجني فلانة ، فقال : زوجتكها بكذا وكذا جاز النكاح ، وإن لم يقل الزوج رضيت أو قبلت ، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي . وقال الرافعي : إن هذا هو النص وظاهر المذهب ، قال : وحكى الإمام وجها أن من الأصحاب من أثبت فيه الخلاف . التاسع : أن التعليق في الاستيجاب لا يمنع من صحة العقد .

وقال شيخنا : قد أطلق أصحاب الشافعي تصحيح القول بأن النكاح لا يقبل التعليق ، قال الرافعي : إنه الأصح الذي ذكره الأكثرون ، وحكوا عن أبي حنيفة صحة النكاح مع التعليق . ( قلت ) : مذهب الإمام أنه إذا علق النكاح بالشرط يبطل الشرط ويصح النكاح ، كما إذا قال : تزوجتك بشرط أن لا يكون لك مهر . العاشر : فيه استحباب تعيين الصداق ؛ لأنه أقطع للنزاع ، وأنفع للمرأة لأنها إذا طلقت قبل الدخول وجب لها نصف المسمى بخلاف ما إذا لم يسم المهر ، فإنه إنما تجب المتعة .

الحادي عشر : فيه جواز تزويج الولي والحاكم المرأة للمعسر إذا رضيت به . الثاني عشر : فيه أنه لا بأس للمعسر المعدم أن يتزوج امرأة إذا كان محتاجا إلى النكاح ؛ لأن الظاهر من حال هذا الرجل الذي في الحديث أنه كان محتاجا إليه ، وإلا لما سأله مع كونه غير واجد إلا إزاره ، وليس له رداء ، فإن كان غير محتاج إليه يكره له ذلك . الثالث عشر : في قوله : إزارك إن أعطيته جلست ولا إزار لك دليل على أن المرأة تستحق جميع الصداق بالعقد قبل الدخول ، وبه قال الشافعي وأصحابه ، ونحن نقول : لا تستحق إلا النصف ، وبه قال مالك وعنه كقول الشافعي .

الرابع عشر : استدل الشافعي بقوله ولو خاتما من حديد على أنه يكتفى بالصداق بأقل ما يتمول به كخاتم الحديد ونحوه ، وفي الروضة : ليس للصداق حد مقدر بل كل ما جاز أن يكون ثمنا ومثمنا أو أجرة جاز جعله صداقا ، وبه قال أحمد ، ومذهب مالك : أنه لا يرى فيه عددا معينا بل يجوز بكل ما وقع عليه الاتفاق غير أنه يكون معلوما ، وعن مالك : لا يجوز بأقل من ربع دينار . وقال ابن حزم : وجائز أن يكون صداقا كل ما له نصف قل أو كثر ، ولو أنه حبة بر أو حبة شعير ، أو غير ذلك ، وعن إبراهيم النخعي : أكره أن يكون المهر مثل أجر البغي ، ولكن العشرة والعشرون وعنه السنة في النكاح الرطل من الفضة ، وعن الشعبي أنهم كانوا يكرهون أن يتزوج الرجل على أقل من ثلاث أواقي ، وعن سعيد بن جبير أنه كان يحب أن يكون الصداق خمسين درهما . وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : لا يجوز أن يكون الصداق أقل من عشرة دراهم ، لما روى ابن أبي شيبة في مصنفه ، عن شريك ، عن داود الزعافري عن الشعبي ، قال : قال علي رضي الله تعالى عنه : لا مهر بأقل من عشرة دراهم ، والظاهر أنه قال ذلك توقيفا ؛ لأنه باب لا يوصل إليه بالاجتهاد والقياس .

( فإن قلت ) : قال ابن حزم : الرواية عن علي باطلة ؛ لأنها عن داود بن يزيد الزعافري الأودي ، وهو في غاية السقوط ، ثم هي مرسلة ؛ لأن الشعبي لم يسمع من علي حديثا . ( قلت ) : قال ابن عدي : لم أر له حديثا منكرا جاوز الحد إذ روى عنه ثقة ، وإن كان ليس بقوي في الحديث ، فإنه يكتب حديثه ، ويقبل إذا روى عنه ثقة ، وذكر المزي : أن الشعبي سمع علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ولئن سلمنا أن روايته مرسلة ، فقد قال العجلي : مرسل الشعبي صحيح ، ولا يكاد يرسل إلا صحيحا ، وأما الجواب عن قوله : ولو خاتما من حديد ، فنقول : إنه خارج مخرج المبالغة ، كما قال : تصدقوا ولو بظلف محرق ، وفي لفظ : ولو بفرسن شاة ، وليس الظلف والفرسن مما ينتفع بهما ولا يتصدق بهما ، ويقال : لعل الخاتم كان يساوي ربع دينار فصاعدا ؛ لأن الصواغ قليل عندهم كذا قاله بعض المالكية ؛ لأن أقل الصداق عندهم ربع دينار ، ويقال : لعل التماسه للخاتم لم يكن ليكون كل الصداق بل شيء يعجله لها قبل الدخول . الخامس عشر : احتج به الشافعي وأحمد في رواية ، والظاهرية : على أن التزويج على سورة من القرآن مسماة جائز ، وعليه أن يعلمها .

وقال الترمذي عقيب الحديث المذكور قد ذهب الشافعي إلى هذا الحديث ، فقال : إن لم يكن شيء يصدقها وتزوجها على سورة من القرآن ، فالنكاح جائز ويعلمها السورة من القرآن . وقال بعض أهل العلم : النكاح جائز ويجعل لها صداق مثلها ، وهو قول أهل الكوفة ، وأحمد وإسحاق . ( قلت ) : وهو قول الليث بن سعد ، وأبي حنيفة ، وأبي يوسف ومحمد ومالك ، وأحمد في أصح الروايتين وإسحاق .

وقال ابن الجوزي : في هذا الحديث دليل على أن تعليم القرآن يجوز أن يكون صداقا ، وهي إحدى الروايتين عن أحمد ، والأخرى : لا يجوز وإنما جاز لذلك الرجل خاصة ، وأجابوا عن قوله : قد زوجناكها بما معك من القرآن أنه إن حمل على ظاهره يكون تزويجها على السورة لا على تعليمها ، فالسورة من القرآن لا تكون مهرا بالإجماع ، فحينئذ يكون المعنى : زوجتكها بسبب ما معك من القرآن وبحرمته وببركته ، فتكون الباء للسببية كما في قوله تعالى : إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ وقوله تعالى : فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ وهذا لا ينافي تسمية المال . ( فإن قلت ) : جاء في رواية على ما معك من القرآن ، وفي مسند أسد السنة : مع ما معك من القرآن . ( قلت ) : أما على ، فإنه يجيء للتعليل أيضا كالباء ، كما في قوله تعالى : وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ والمعني : لهدايته إياكم ، ويكون المعنى : زوجتكها لأجل ما معك من القرآن ، يعني : لأجل حرمته وبركته ، ولا ينافي هذا أيضا تسمية المال ، وأما مع فإنها للمصاحبة ، والمعنى : زوجتكها لمصاحبتك القرآن ، فالكل يعود إلى معنى واحد ، وهو أن التزويج إنما كان على حرمة السورة وبركتها لا أنها صارت مهرا ؛ لأن السورة من القرآن لا تكون مهرا بالإجماع كما ذكرنا .

( فإن قلت ) : الأصل في الباء أن تكون للمقابلة في مثل هذا الموضع كما في نحو قولك : بعتك ثوبي بدينار . ( قلت ) : لا نسلم أن الأصل في الباء أن تكون للمقابلة ، بل الأصل فيها أنها موضوعة للإلصاق حتى قيل : إنه معنى لا يفارقها ولو كانت للمقابلة هاهنا للزم أن تكون تلك المرأة كالموهوبة ، وذلك لا يجوز إلا للنبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأن في إحدى روايات البخاري : فقد ملكتكها بما معك من القرآن ، فالتمليك هبة والهبة في النكاح اختص بها النبي - صلى الله عليه وسلم - لقوله تعالى : خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ( فإن قلت ) : معنى قوله صلى الله عليه وسلم : زوجتكها بما معك من القرآن بأن تعلمها ما معك من القرآن أو مقدارا منه ويكون ذلك صداقها ، أي : تعليمها إياه ، والدليل على ذلك ما جاء في رواية لمسلم : انطلق ، فقد زوجتكها ، فعلمها من القرآن ، وجاء في رواية عطاء : فعلمها عشرين آية . ( قلت ) : هذا عدول عن ظاهر اللفظ بغير دليل ، ولئن سلمنا هذا ، فهذا لا ينافي تسمية المال ، فيكون قد زوجها منه مع تحريضه على تعليم القرآن ، ويكون ذلك المهر مسكوتا عنه إما لأنه صلى الله عليه وسلم قد أصدق عنه كما كفر عن الواطئ في رمضان إذ لم يكن عنده شيء ، وودى المقتول بخيبر إذ لم يحلف أهله كل ذلك رفقا بأمته ورحمة لهم ، أو يكون أبقى الصداق في ذمته ، وأنكحها نكاح تفويض حتى يتفق له صداق ، أو حتى يكسب بما معه من القرآن صداقا ، فعلى جميع التقدير لم يكن فيه حجة على جواز النكاح بغير صداق من المال .

السادس عشر : فيه أنه لا بأس بلبس خاتم الحديد ، وقد اختلفوا فيه ، فقال بعض الشافعية : إنه لا يكره لهذا الحديث ولحديث معيقيب : كان خاتم النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديد ملوي عليه فضة . رواه أبو داود وذهب آخرون إلى تحريمه وتحريم الخاتم النحاس أيضا ، لحديث : أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وعليه خاتم من شبه قال : ما لي أجد منك ريح الأصنام ، فطرحه ، ثم جاء وعليه خاتم من حديد ، فقال : ما لي أرى عليك حلية أهل النار ، فطرحه ، رواه أبو داود أيضا . السابع عشر : استدل به البخاري على ولاية الإمام للنكاح ، فقال : باب السلطان ولي لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : زوجناكها بما معك من القرآن .

الثامن عشر : فيه دلالة على أنه ليس للنساء أن تمتنع من تزويج أحد أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يزوجها منه غنيا كان أو فقيرا ، شريفا كان أو وضيعا ، صحيحا كان أو ضعيفا . وروى ابن مردويه في تفسيره من حديث ابن عباس أن قوله تعالى : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا الآية نزلت في زينب لما خطبها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لزيد بن حارثة ، فامتنعت وفي إسناده ضعف . التاسع عشر : فيه دليل على جواز الخطبة على الخطبة ما لم يتراكنا ، لا سيما مع ما رأى من زهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فيها .

العشرون : فيه دليل على جواز النظر للمتزوج وتكراره والتأمل في محاسنها ، فهم ذلك من قوله : فصعد النظر إليها وصوبه ، وأما النظرة الأولى ، فمباحة للجميع . الحادي والعشرون : فيه دليل على إجازة إنكاح المرأة دون أن يسأل هل هي في عدة أم لا على ظاهر الحال ، والحكام يبحثون عن ذلك احتياطا قاله الخطابي . الثاني والعشرون : قال القاضي : فيه جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن ، وهو مذهب كافة العلماء ، ومنعه أبو حنيفة إلا للضرورة ، وعلى هذا اختلفوا في أخذ الأجرة على الصلاة وعلى الأذان وسائر أفعال البر ، فروي عن مالك كراهة جميع ذلك في صلاة الفرض والنفل ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، إلا أن مالكا أجازها على الأذان ، وأجاز الإجارة على جميع ذلك ابن عبد الحكم ، وهو قول الشافعي ، وأصحابه ، ومنع ذلك ابن حبيب في كل شيء ، وهو قول الأوزاعي .

وقال : لا صلاة له ، وروي عن مالك إجازته في النافلة ، وروي عنه إجازته في الفريضة دون النافلة . الثالث والعشرون : قال الإمام : قال بعض الأئمة : فيه دليل على أن الهبة لا تدخل في ملك الموهوب له إلا بالقبول ؛ لأن الموهوبة كانت جائزة للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد وهبت هذه له نفسها ، فلم تصر زوجته بذلك ، قاله الشافعي . الرابع والعشرون : قال ابن عبد البر : فيه دليل على أن الصداق إذا كان جارية ووطئها الزوج حد ؛ لأنه وطئ ملك غيره .

( قلت ) : هو قول مالك والشافعي ، وأحمد وإسحاق ، وعند أصحابنا : إذا أقر أنه زنى بجارية امرأته حد ، وإن قال : ظننت أنها تحل لي لا يحد .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث