باب إذا وكل رجل رجلا فترك الوكيل شيئا فأجازه الموكل فهو جائز وإن أقرضه إلى أجل مسمى جاز
باب إذا وكل رجل رجلا ، فترك الوكيل شيئا ، فأجازه الموكل ، فهو جائز ، وإن أقرضه إلى أجل مسمى جاز . أي هذا باب يذكر فيه إذا وكل رجل رجلا ، فترك الوكيل شيئا مما وكل فيه ، فأجازه الموكل جاز . قوله : وإن أقرضه ، أي : وإن أقرض الوكيل شيئا مما وكل فيه جاز ، يعني : إذا أجازه الموكل .
وقال المهلب : مفهوم الترجمة أن الموكل إذا لم يجز ما فعله الوكيل مما لم يأذن له فيه ، فهو غير جائز . وقال عثمان بن الهيثم أبو عمرو : حدثنا عوف ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ، قال : وكلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحفظ زكاة رمضان ، فأتاني آت ، فجعل يحثو من الطعام ، فأخذته ، وقلت : والله لأرفعنك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة ، قال : فخليت عنه ، فأصبحت ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : يا أبا هريرة ، ما فعل أسيرك البارحة ؟ قال : قلت : يا رسول الله ، شكا حاجة شديدة وعيالا ، فرحمته ، فخليت سبيله ، قال : أما أنه قد كذبك وسيعود ، فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سيعود ، فرصدته ، فجاء يحثو من الطعام ، فأخذته ، فقلت : لأرفعنك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : دعني ، فإني محتاج وعلي عيال لا أعود ، فرحمته ، فخليت سبيله ، فأصبحت ، فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا أبا هريرة ، ما فعل أسيرك ؟ قلت : يا رسول الله ، شكا حاجة شديدة وعيالا ، فرحمته ، فخليت سبيله ، قال : أما أنه قد كذبك وسيعود ، فرصدته الثالثة ، فجاء يحثو من الطعام ، فأخذته ، فقلت : لأرفعنك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الله وهذا آخر ثلاث مرات ، إنك تزعم لا تعود ثم تعود ، قال : دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها . قلت : ما هو ؟ قال : إذا أويت إلى فراشك ، فاقرأ آية الكرسي ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ ، حتى تختم الآية ، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح ، فخليت سبيله ، فأصبحت ، فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما فعل أسيرك البارحة ؟ قلت : يا رسول الله ، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها ، فخليت سبيله ، قال : ما هي ؟ قلت : قال لي : إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾.
وقال لي : لن يزال عليك من الله حافظ ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح ، وكانوا أحرص شيء على الخير ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أما أنه قد صدقك ، وهو كذوب ، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة ؟ قال : لا ، قال : ذاك شيطان . مطابقته للترجمة من حيث إن أبا هريرة كان وكيلا لحفظ زكاة رمضان ، وهو صدقة الفطر ، وترك شيئا منها حيث سكت حين أخذ منها ذلك الآتي ، وهو الشيطان ، فلما أخبر النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - بذلك سكت عنه ، وهو إجازة منه . ( فإن قلت ) : من أين يستفاد جواز الإقراض إلى أجل مسمى ؟ ( قلت ) : قال الكرماني : حيث أمهله إلى الرفع إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأوجه منه ما قاله المهلب : إن الطعام كان مجموعا للصدقة ، فلما أخذ السارق وقال له دعني ، فإني محتاج وتركه ، فكأنه أسلفه ذلك الطعام إلى أجل ، وهو وقت قسمته وتفرقته على المساكين ؛ لأنهم كانوا يجمعونه قبل الفطر بثلاثة أيام للتفرقة ، فكأنه أسلفه إلى ذلك الأجل .
( ذكر رجاله ) وهم أربعة : الأول : عثمان بن الهيثم بفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف وفتح الثاء المثلثة ، وفي آخره ميم ، وكنيته أبو عمرو المؤذن البصري ، مات قريبا من سنة عشرين ومائتين ، وقد مر في آخر الحج . الثاني : عوف بالفاء الأعرابي ، وقد مر في الأيمان . الثالث : محمد بن سيرين .
الرابع : أبو هريرة . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه : أنه ذكره هكذا معلقا ، ولم يصرح فيه بالتحديث حتى زعم ابن العربي أنه منقطع ، وكذا ذكره في فضائل القرآن ، وفي صفة إبليس ، وأخرجه النسائي موصولا في اليوم والليلة عن إبراهيم بن يعقوب عن عثمان بن الهيثم به ، ووصله الإسماعيلي أيضا من حديث الحسن بن السكن ، وأبو نعيم من حديث هلال بن بشر عنه ، والترمذي نحوه من حديث أبي أيوب . وقال : حسن غريب ، وصححه قوم وضعفه آخرون .
وفيه : أن عثمان من مشايخه ومن أفراده . وقال في كتاب اللباس ، وفي الأيمان والنذور : حدثنا عثمان بن الهيثم أو محمد عنه . وفيه : التحديث بصيغة الجمع في موضع .
وفيه : العنعنة في موضعين . وفيه : القول في موضعين . ( ذكر معناه ) : قوله : يحفظ زكاة رمضان المراد به صدقة الفطر ، وقد ذكرناه .
قوله : آت أصله آتي ، فاعل إعلال قاض . قوله : يحثو قال الطيبي : أي ينثر الطعام في وعائه . ( قلت ) : يقال : حثا يحثو وحثى يحثي ، قال ابن الأعرابي : وأعلى اللغتين حثى يحثي ، وكله بمعنى الغرف .
وفي رواية أبي المتوكل عن أبي هريرة أنه كان على تمر الصدقة ، فوجد أثر كف كأنه قد أخذ منه ولابن الضريس من هذا الوجه ، فإذا التمر قد أخذ منه ملء كف . قوله : فأخذته ، وفي رواية أبي المتوكل زيادة وهي : أن أبا هريرة شكا ذلك إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أولا ، فقال له : إن أردت أن تأخذه ، فقل : سبحان من سخرك لمحمد قال : فقلتها فإذا أنا به قائم بين يدي ، فأخذته . قوله : والله لأرفعنك ، أي : لأذهبن بك أشكوك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليحكم عليك بقطع اليد ، يقال : رفعه إلى الحاكم : إذا أحضره للشكوى .
قوله : وعلي عيال ، أي : نفقة عيال ، كما في قوله تعالى : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ وقيل : علي بمعنى لي . وفي رواية أبي المتوكل ، فقال : إنما أخذته لأهل بيت فقراء من الجن . وفي رواية الإسماعيلي : ولا أعود .
قوله : أسيرك قال الداودي : قيل له أسير ؛ لأنه كان ربطه بسير ، وهو الحبل ، وهذا عادة العرب كانوا يربطون الأسير بالقد . وقال ابن التين : قول الداودي إن السير الحبل من الجلد لم يذكره غيره ، وإنما السير الجلد ، فلو كان مأخوذا مما ذكره لكان تصغيره سيير ، ولم تكن الهمزة فاء ، وفي الصحاح شده بالإسار ، وهو القد . قوله : قد كذبك ، أي : في قوله : إنه محتاج وسيعود إلى الأخذ .
قوله : فرصدته ، أي : رقبته . قوله : فجاء هكذا في الموضعين . وفي رواية المستملي والكشميهني ، وفي رواية غيرهما : فجعل ، قوله : دعني ، وفي رواية أبي المتوكل خل عني .
قوله : ينفعك الله بها . وفي رواية أبي المتوكل إذ قلتهن لم يقربك ذكر ولا أنثى من الجن . وفي رواية ابن الضريس من هذا الوجه : لا يقربك من الجن ذكر ولا أنثى صغير ولا كبير .
قوله : فقلت ما هو هكذا في رواية الكشميهني ، أي : الكلام أو النافع أو الشيء . وفي رواية غيره : ما هي ، وهذا ظاهر . وفي رواية أبي المتوكل : وما هؤلاء الكلمات .
قوله : إذا أويت من الثلاثي ، يقال : أوى إلى منزله : إذا أتى إليه ، وآويت غيري من المزيد . قوله : آية الكرسي ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾حتى تختم الآية . وفي رواية النسائي والإسماعيلي : ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾من أولها حتى تختمها .
وفي حديث معاذ بن جبل زيادة ، وهي خاتمة سورة البقرة . قوله : لن يزال . وفي رواية الكشميهني : لم يزل .
ووقع لهم عكس ذلك في فضائل القرآن . قوله : من الله ، أي : من جهة أمر الله وقدرته ، أو من بأس الله ونقمته ، كقوله تعالى : لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ قوله : ولا يقربك بفتح الراء وضم الباء الموحدة . قوله : وكانوا ، أي : الصحابة أحرص الناس على تعلم الخير ، قيل : هذا مدرج من كلام بعض رواته .
( قلت ) : هذا يحتمل ، والظاهر أنه غير مدرج ، ولكن فيه التفات ؛ لأن مقتضى الكلام أن يقال : وكنا أحرص شيء على الخير . قوله : وهو كذوب هذا تتميم في غاية الحسن ؛ لأنه لما أثبت الصدق له أوهم المدح ، فاستدركه بصيغة تفيد المبالغة في كذبه . وفي حديث معاذ بن جبل صدق الخبيث ، وهو كذوب .
وفي رواية أبي المتوكل : أوما علمت أنه كذلك . قوله : منذ ثلاث هكذا في رواية الكشميهني . وفي رواية غيره مذ ثلاث .
قوله : ذاك شيطان كذا وقع هنا بدون الألف واللام في رواية الجميع ، أي : شيطان من الشياطين . ووقع في فضائل القرآن : ذاك الشيطان ، بالألف واللام للعهد الذهني . وقد وقع مثل حديث أبي هريرة لمعاذ بن جبل ، وأبي بن كعب ، وأبي أيوب الأنصاري ، وأبي أسيد الأنصاري ، وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهم .
أما حديث معاذ بن جبل ، فقد رواه الطبراني عن شيخه يحيى بن عثمان بن صالح بإسناده إلى بريدة ، قال : بلغني أن معاذ بن جبل أخذ الشيطان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأتيته ، فقلت : بلغني أنك أخذت الشيطان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : نعم ، ضم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تمر الصدقة ، فجعلته في غرفة لي ، فكنت أجد فيه كل يوم نقصانا ، فشكوت ذلك إلى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ، فقال لي : هو عمل الشيطان ، فارصده ، قال : فرصدته ليلا ، فلما ذهب هوي من الليل أقبل على صورة الفيل ، فلما انتهى إلى الباب دخل من خلل الباب على غير صورته ، فدنا من التمر ، فجعل يلتقمه ، فشددت علي ثيابي ، فتوسطته ، فقلت : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، يا عدو الله ، وثبت إلى تمر الصدقة ، فأخذته ، وكانوا أحق به منك ، لأرفعنك إلى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ، فيفضحك ، فعاهدني أن لا يعود ، فغدوت إلى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ، فقال : ما فعل أسيرك ، فقلت : عاهدني أن لا يعود ، قال : إنه عائد ، فارصده ، فرصدته الليلة الثانية ، فصنع مثل ذلك ، وصنعت مثل ذلك ، وعاهدني أن لا يعود ، فخليت سبيله ، ثم غدوت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأخبره ، فإذا مناديه ينادي : أين معاذ ؟ فقال لي : يا معاذ ، ما فعل أسيرك ؟ قال : فأخبرته ، فقال لي : إنه عائد ، فارصده ، فرصدته الليلة الثالثة ، فصنع مثل ذلك ، وصنعت مثل ذلك ، فقال : يا عدو الله عاهدتني مرتين ، وهذه الثالثة ، لأرفعنك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فيفضحك ، فقال : إني شيطان ذو عيال ، وما أتيتك إلا من نصيبين ، ولو أصبت شيئا دونه ما أتيتك ، ولقد كنا في مدينتكم هذه حتى بعث صاحبكم ، فلما نزل عليه آيتان أنفرتانا منها ، فوقعنا بنصيبين ولا تقرآن في بيت إلا لم يلج فيه الشيطان ثلاثا ، فإن خليت سبيلي علمتكهما . ( قلت ) : نعم . قال : آية الكرسي وخاتمة سورة البقرة أمن الرسول إلى آخرها ، فخليت سبيله ، ثم غدوت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأخبره ، فإذا مناديه ينادي : أين معاذ بن جبل ؟ فلما دخلت عليه قال لي : ما فعل أسيرك ؟ قلت : عاهدني أن لا يعود وأخبرته بما قال ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : صدق الخبيث ، وهو كذوب ، قال : فكنت أقرؤهما عليه بعد ذلك ، فلا أجد فيه نقصانا .
وأما حديث أبي بن كعب رضي الله عنه ، فقد رواه أبو يعلى الموصلي : حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي ، حدثنا مبشر عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير عن عبدة بن أبي لبابة ، عن عبد الله بن أبي بن كعب ، أن أباه أخبره أنه كان له جرن فيه تمر ، فكان يتعاهده ، فوجده ينقص قال : فحرسه ذات ليلة ، فإذا هو بدابة شبه الغلام المحتلم ، قال : فسلمت ، فرد علي السلام ، قال : فقلت : أنت جني أم أنسي ؟ قال : جني ، قال : قلت : ناولني يدك ، قال : فناولني فإذا يده يد كلب وشعر كلب ، فقلت : هكذا خلق الجن ، قال : لقد علمت الجن ما فيهم أشد مني . قلت : فما حملك على ما صنعت ؟ قال : بلغني أنك رجل تحب الصدقة ، فأحببنا أن نصيب من طعامك ، قال : فقال له أبي : فما الذي يجيرنا منكم ، قال : هذه الآية آية الكرسي ، ثم غدا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : صدق الخبيث ورواه الحاكم في مستدركه ) . وقال : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ، ورواه ابن حبان في صحيحه ، والنسائي وغيرهم .
وأما حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه ، فرواه الترمذي في فضائل القرآن ، حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا أبو أحمد ، قال : حدثنا سفيان عن ابن أبي ليلى ، عن أخيه عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبي أيوب الأنصاري ، أنه كانت له سهوة فيها تمر ، فكانت تجيء ، فتأخذ منه الغول ، قال : فشكا ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : اذهب ، فإذا رأيتها ، فقل : بسم الله أجيبي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأخذها ، فحلفت أن لا تعود ، فأرسلها ، فجاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ما فعل أسيرك ؟ قال : حلفت أن لا تعود ، فقال : كذبت وهي معاودة للكذب ، قال : فأخذها مرة أخرى ، فحلفت أن لا تعود ، فأرسلها فجاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ما فعل أسيرك ؟ قال : حلفت أن لا تعود ، فقال : كذبت ، وهي معاودة للكذب ، فأخذها ، فقال : ما أنا بتاركك حتى أذهب بك إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ، فقالت : إني ذاكرة لك شيئا آية الكرسي ، اقرأها في بيتك ، فلا يقربك شيطان ولا غيره ، فجاء إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ، فقال : ما فعل أسيرك ؟ فأخبره بما قالت . قال : صدقت ، وهي كذوب ، وهذا حديث حسن غريب . وأما حديث أبو سعيد الأنصاري ، فرواه الطبراني من حديث مالك بن حمزة بن أبي أسيد ، عن أبيه ، عن جده أبي أسيد الساعدي الخزرجي ، وله بئر في المدينة ، يقال لها بئر بضاعة ، قد بصق فيها النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ، فهي ينشر بها ويتيمن بها ، قال : فقطع أبو أسيد تمر حائطه ، فجعلها في غرفة ، وكانت الغول تخالفه إلى مشربته ، فتسرق تمره وتفسده عليه ، فشكا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : إذا قال تلك الغول يا أبا أسيد ، فاستمع عليها ، فإذا سمعت اقتحامها ، فقل بسم الله أجيبي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت الغول : يا أبا أسيد اعفني أن تكلفني أن أذهب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأعطيك موثقا من الله أن لا أخالفك إلى بيتك ، ولا أسرق تمرك ، وأدلك على آية تقرؤها في بيتك ، فلا تخالف إلى أهلك وتقرؤها على إنائك ، ولا تكشف غطاءه ، فأعطاه الموثق الذي رضي به منها ، فقالت الآية التي أدلك عليها آية الكرسي ، ثم حكت استها تضرط ، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقص عليه القصة ، حيث ولت ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : صدقت وهي كذوب .
وأما حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه ، فرواه ابن أبي الدنيا . وفيه : أنه خرج إلى حائطه ، فسمع جلبة ، فقال : ما هذا ؟ قال : رجل من الجن أصابتنا السنة ، فأردت أن أصيب من ثماركم ، قال له : ما الذي يعيذنا منكم ؟ قال : آية الكرسي . قوله جرن بضمتين جمع جرين بفتح الجيم وكسر الراء ، وهو موضع تحفيف التمر .
قوله : سهوة بفتح السين المهملة وسكون الهاء وفتح الواو ، وهي الطاق في الحائط يوضع فيها الشيء . وقيل : هي الصفة . وقيل : المخدع بين البيتين .
وقيل : هي شبيه بالرف . وقيل : بيت صغير كالخزانة الصغيرة . قوله : الغول بضم الغين المعجمة ، وهو شيطان يأكل الناس .
وقيل : هو من يتلون من الجن . قوله : أبو أسيد بضم الهمزة وفتح السين واسمه مالك بن ربيعة . قوله : ينشر بها من النشرة وهي ضرب من الرقية والعلاج ، يعالج به من كان يظن أن به مسا من الجن ، سميت نشرة ؛ لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء ، أي : يكشف ويزال .
( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه أن السارق لا يقطع في مجاعة ، وأنه يجوز أن يعفى عنه قبل أن يبلغ الإمام . وفيه : أن الشيطان قد يعلم علما ينتفع به إذا صدق . وفيه : أن الكذوب قد يصدق مع الندرة .
وفيه : علامات النبوة لقوله : ما فعل أسيرك البارحة . وفيه : تفسير لقوله تعالى : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ يعني : الشياطين إن المراد بذلك ما هم عليه من خلقهم الروحانية ، فإذا استحضروا في صورة الأجسام المدركة بالعين جازت رؤيتهم كما شخص الشيطان لأبي هريرة في صورة سارق . وفيه : أن الجن يأكلون الطعام ، وهو موافق لقوله - صلى الله عليه وسلم - : سألوني الزاد .
وقال ابن التين : وفي شعر العرب أنهم لا يأكلون . وفيه : ظهور الجن وتكلمهم بكلام الإنس . وفيه : قبول عذر السارق .
وفيه : وعيد أبي هريرة برفعه إليه وخدعة الشيطان . وفيه : في الثالثة بلاغ في الإعذار . وفيه : فضل آية الكرسي .
وفيه : أن للشيطان نصيبا ممن ترك ذكر الله تعالى عند المنام . وفيه : أن من أقيم في حفظ شيء يسمى وكيلا . وفيه : أن الجن تسرق وتخدع .
وفيه : جواز جمع زكاة الفطر قبل ليلة الفطر وتوكيل البعض لحفظها وتفرقتها . وفيه : جواز تعلم العلم ممن لم يعمل بعلمه .