حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب إذا باع الوكيل شيئا فاسدا فبيعه مردود

حدثنا إسحاق قال : حدثنا يحيى بن صالح قال : حدثنا معاوية هو ابن سلام ، عن يحيى قال : سمعت عقبة بن عبد الغافر أنه سمع أبا سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال : جاء بلال إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بتمر برني ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : من أين هذا ؟ قال بلال : كان عندنا تمر رديء ، فبعت منه صاعين بصاع لنطعم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك : أوه أوه عين الربا ، عين الربا ، لا تفعل ، ولكن إذا أردت أن تشتري ، فبع التمر ببيع آخر ، ثم اشتره . مطابقته للترجمة تفهم من قوله : عين الربا لا تفعل ؛ لأن من المعلوم أن بيع الربا مما يجب رده . وقال بعضهم : ليس فيه تصريح بالرد ، بل فيه إشعار به ، ولعله أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه ، فعند مسلم من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد في نحو هذه القصة ، فقال : هذا الربا ، فردوه انتهى .

( قلت ) : الذي يعلم بالرد من الحديث فوق العلم بتصريح الرد ؛ لأن فيه الرد بمرة واحدة ، والمفهوم من متن الحديث بمرات الأولى . قوله : أوه أوه بالتكرار ، والثاني قوله : عين الربا والثالثة . قوله : لا تفعل والرابعة قوله : ولكن إلى آخره .

( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : إسحاق اختلف فيه ، فقال أبو نعيم : هو إسحاق بن راهويه . وقال أبو علي الجياني : إسحاق هذا لم ينسبه أحد من شيوخنا ، فيما بلغني ، قال : ويشبه أن يكون إسحاق بن منصور ، فقد روى مسلم عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن صالح هذا الحديث . وقال بعضهم : وجزم أبو علي الجياني بأنه ابن منصور .

( قلت ) : من أين هذا الجزم من أبي علي الجياني ، بل قوله يدل على أنه متردد فيه ، لقوله ويشبه أن يكون إسحاق بن منصور ولا يلزم من إخراج مسلم عن إسحاق بن منصور ، عن يحيى بن صالح هذا الحديث أن يكون رواية البخاري أيضا كذلك . الثاني : يحيى بن صالح أبو زكريا الوحاظي ، ووحاظ بطن من حمير . الثالث : معاوية بن سلام بتشديد اللام أبو سلام .

الرابع : يحيى بن أبي كثير ، وقد تكرر ذكره . الخامس : عقبة بضم العين وسكون القاف ابن عبد الغافر العوذي بفتح العين المهملة وسكون الواو وبالذال المعجمة قتل في الجماجم سنة ثلاث وثمانين . السادس : أبو سعيد الخدري واسمه سعد بن مالك رضي الله تعالى عنه .

( ذكر لطائف إسناده ) : فيه : التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع . وفيه : العنعنة في موضع . وفيه : السماع في موضعين .

وفيه : القول في موضعين . وفيه : أن شيخه إن كان ابن راهويه ، فهو مروزي سكن نيسابور ، وإن كان ابن منصور ، فهو أيضا مروزي انتقل بآخرة إلى نيسابور ، ويحيى بن صالح حمصي ومعاوية بن سلام الحبشي الأسود ويحيى بن أبي كثير يمامي طائي . وفيه : أن شيخه ذكر غير منسوب .

والحديث أخرجه مسلم في البيوع عن إسحاق بن منصور عن يحيى ، وأخرجه النسائي فيه عن هشام بن عمار . ( ذكر معناه ) : قوله : برني بفتح الموحدة وسكون الراء وكسر النون بعدها ياء مشددة ، وهو ضرب من التمر أصفر مدور ، وهو أجود التمور ، قاله صاحب المحكم . قال بعضهم : قيل له ذلك ؛ لأن كل تمرة تشبه البرنية .

( قلت ) : كلامه يشعر أن الياء فيه للنسبة ، وليست الياء فيه للنسبة ، فكأنه موضوع هكذا مثل كرسي ونحوه . قوله : كان عندنا هكذا رواية الكشميهني . وفي رواية غيره : كان عندي .

قوله : رديء قال بعضهم : رديء بالهمزة على وزن عظيم . ( قلت ) : نعم هو مهموز اللام من ردئ الشيء يردأ رداءة ، فهو رديء ، أي : فاسد ، وأردأته ، أي : أفسدته ، ولكن لما كثر استعماله حسن فيه التخفيف بأن قلبت الهمزة ياء لانكسار ما قبلها ، وأدغمت الياء في الياء ، فصارت ردي بتشديد الياء . قوله : لنطعم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أي : لأجل أن نطعم ، واللام فيه مكسورة والنون مضمومة من الإطعام ، ولفظ النبي منصوب به هذا في رواية أبي ذر .

وفي رواية غيره : ليطعم بفتح الياء آخر الحروف وفتح العين من طعم يطعم ، ولفظ النبي مرفوع به . قوله : عند ذلك ، أي : عند قول بلال . قوله : أوه مرتين بفتح الهمزة ، وتشديد الواو وسكون الهاء ، وهي كلمة تقال عند الشكاية والحزن .

وقال ابن قرقول بالقصر والتشديد وسكون الهاء ، وكذا رويناه . وقيل : بمد الهمزة . وقال الجوهري : وقد يقال بالمد لتطويل الصوت بالشكاية .

وقيل : بسكون الواو وكسر الهاء ومن العرب من يمد الهمزة ويجعل بعدها واوين آووه وكله بمعنى التحزن . وقال ابن التين : إنما تأوه ليكون أبلغ في الزجر ، وقاله إما للتألم من هذا الفعل ، وإما من سوء الفهم . قوله : عين الربا بالتكرار أيضا ، أي : هذا البيع نفس الربا حقيقة .

ووقع في مسلم مرة واحدة . قوله : ولكن إذا أردت أن تشتري ، أي : أن تشتري التمر الجيد . قوله : فبع التمر ، أي : فبع التمر الرديء ببيع آخر ، أي : ببيع شيء آخر بأن تبيعه بحنطة أو شعير مثلا .

قوله : ثم اشتره ، أي : ثم اشتر التمر الجيد ، ويروى : ثم اشتر به ، أي : بثمن الرديء ، فعلى هذه الرواية مفعول اشتر محذوف تقديره : ثم اشتر الجيد بثمن الرديء ، ويدل على ما قلناه ما قد روي عن بلال في هذا الخبر : انطلق فرده على صاحبه وخذ تمرك وبعه بحنطة أو شعير ، ثم اشتر به من هذا التمر ، ثم جئني به . رواه الطبري من طريق سعيد بن المسيب عن بلال . وفي رواية مسلم ولكن إذا أردت أن تشتري التمر ، فبعه ببيع آخر ، ثم اشتره ، أي : إذا أردت أن تشتري التمر الجيد ، فبع التمر الرديء ببيع آخر ، ثم اشتر الجيد ، وبين التركيبين مغايرة ظاهرا ، ولكن في الحقيقة يرجعان إلى معنى واحد ، وهو أن لا يشتري الجيد بضعف الرديء ، بل إذا أراد أن يشتري الجيد يبيع ذلك الرديء بشيء ويأخذ ثمنه ، ثم يشتري به التمر الجيد حتى لا يقع الربا فيه ؛ لأن الله تعالى قال في كتابه الكريم : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إلى قوله : فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ وقد أمر الله برد عقد الربا ورد رأس المال ، ولا خلاف أيضا أن من باع بيعا فاسدا أن بيعه مردود .

واستفيد من حديث الباب حرمة الربا وعظم أمره ، وقد تقدم البحث فيه في باب ما إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه ، وهو في كتاب البيوع .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث