باب الوكالة في الوقف ونفقته وأن يطعم صديقا له ويأكل بالمعروف
حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا سفيان ، عن عمرو قال في صدقة عمر رضي الله عنه : ليس على الولي جناح أن يأكل ويؤكل صديقا غير متأثل ، فكان ابن عمر هو يلي صدقة عمر ، يهدي للناس من أهل مكة كان ينزل عليهم . مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأن الترجمة تتضمن أربعة أشياء ، والحديث يشملها ، وسفيان هو ابن عيينة المكي ، وعمرو هو ابن دينار المكي . قوله قال في صدقة عمر إلى آخره ، قال الكرماني رحمه الله : صدقة بالتنوين ، وعمر فاعل هذا على سبيل الإرسال ، إذ هو لم يدرك عمر رضي الله تعالى عنه ، وفي بعضها صدقة عمر بالإضافة ، وفي بعضها عمرو بالواو ، فالقائل به هو ابن دينار ، أي : قال ابن دينار في الوقف العمري ذلك .
وقال بعضهم في صدقة عمر ، أي : في روايته لها عن ابن عمر ، كما جزم بذلك المزي في الأطراف . ( قلت ) : لم يذكر المزي هذا في الأطراف أصلا ، وإنما قال بعد العلامة بحرف الخاء المعجمة حديث عمرو بن دينار إلى آخره ما ذكره البخاري ، ثم قال : موقوف ، والصواب المحقق ما قاله الكرماني ، والتقدير : الذي قدره هذا القائل خلاف الأصل ، ولا ثمة داع يدعوه إلى ذلك . وقوله : ويوضحه رواية الإسماعيلي من طريق ابن أبي عمر عن سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عمر لا يستلزم ما ذكره من التقدير المذكور بالتعسف .
قوله : ليس على الولي ، أي : الذي يتولى أمر الوقف . قوله : جناح ، أي : إثم . قوله : أن يأكل ، أي : بأن يأكل منه .
قوله : أو يؤكل بضم الياء وكسر الكاف ، وهو من الثلاثي المزيد فيه . قوله : صديقا نصب على أنه مفعول يؤكل . قوله : له ، أي : للولي ، وهو جملة في محل النصب ، لأنها صفة لقوله صديقا .
قوله : غير متأثل نصب على الحال من باب التفعل بالتشديد ، أي : غير جامع ، يقال : مال مؤثل ومجد مؤثل ، أي : مجموع ذو أصل واثلة الشيء أصله ، فالمتأثل من يجمع مالا ويجعله أصلا . قوله : مالا منصوب به . قوله : فكان ، أي : ابن عمر إلى آخره ، فأشار إليه المزي أنه موقوف .
وقال بعضهم : هو موصول بالإسناد المذكور . ( قلت ) : قد ذكرنا أن الكرماني صرح بأنه مرسل ، فكيف يكون المعطوف على المرسل موصولا . قوله : يهدي بضم الياء من الإهداء .
قوله : للناس ويروى لناس بدون الألف واللام . قوله : كان ، أي : ابن عمر ينزل عليهم ، أي : على الناس ، وهذه الجملة حال ، بتقدير قد كما في قوله : أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ أي : قد حصرت . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه جواز أكل الولي على الوقف وإيكاله غيره بالمعروف ، وقد أخذ هذا من قوله تعالى : وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ وهذا في مال اليتيم ، وفي مال الوقف أهون من ذلك .
وقال المهلب : هذا مباح عند الحاجة ، وهذا سنة الوقف أن يأكل منه الولي ويؤكل ؛ لأن الحبس لهذا حبس . وقال ابن التين : فيه أن الناس في أوقافهم على شروطهم ، وأهداه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان على وجهين : أحدهما للشرط الذي في الوقف أن يؤكل صديقا له ، والآخر أنه كان ينزل على الذين يهدى إليهم مكافأة عن طعامهم ، فكأنه هو أكله . وفيه : الاستضافة ومكافأة الضيف ، وسيأتي الكلام في هذا الباب مستقصى في كتاب الوقف إن شاء الله تعالى .