باب من أحيا أرضا مواتا أي هذا باب في بيان حكم من أحيى أرضا مواتا بفتح الميم وتخفيف الواو ، وهو الأرض الخراب ، وعن الطحاوي هو ما ليس بملك لأحد ولا هو من مرافق البلد ، وكان خارج البلد سواء قرب منه أو بعد في ظاهر الرواية ، وعن أبي يوسف أرض الموات هي البقعة التي لو وقف رجل على أدناه من العامر ونادى بأعلى صوته لم يسمعه أقرب من في العامر إليه . وقال القزاز : الموات : الأرض التي لم تعمر ، شبهت العمارة بالحياة وتعطيلها بفقد الحياة ، وإحياء الموات : أن يعمد الشخص لأرض لا يعلم تقدم ملك عليها لأحد ، فيحييها بالسقي أو الزرع أو الغرس أو البناء ، فيصير بذلك ملكه سواء فيما قرب من العمران أم بعد ، وسواء أذن له الإمام بذلك أم لم يأذن عند الجمهور . وعند أبي حنيفة : لا بد من إذن الإمام مطلقا . وعند مالك : فيما قرب وضابط القرب ما بأهل العمران إليه حاجة من رعي ونحوه ، وعن قريب يأتي بسط الكلام فيه ، إن شاء الله تعالى . ورأى ذلك علي في أرض الخراب بالكوفة موات أي رأى الإحياء علي بن أبي طالب في أرض الخراب بالكوفة ، هكذا وقع في رواية الأكثرين . وفي رواية النسفي : في أرض الموات . وقال عمر : من أحيا أرضا ميتة فهي له هذا التعليق وصله مالك في الموطأ ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه مثله . وروى أبو عبيد بن سلام في كتاب الأموال بإسناده ، عن محمد بن عبد الله الثقفي ، قال : كتب عمر بن الخطاب أن من أحيى مواتا ، فهو أحق به ، وعن العباس بن يزيد أن عمر بن الخطاب قال : من أحيى أرضا مواتا ليس في يد مسلم ولا معاهد ، فهي له ، وعن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه قال : كان الناس يتحجرون على عهد عمر - رضي الله تعالى عنه ، فقال : من أحيى أرضا ، فهي له ، قال يحيى : كأنه لم يجعلها له بالتحجير حتى يحييها ، وفي لفظ : وذلك أن قوما كانوا يتحجرون أرضا ، ثم يدعونها ولا يحيونها ، وعن عمرو بن شعيب قال : أقطع رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - ناسا من مزينة أو جهينة أرضا ، فعطلوها ، فجاء قوم فأحيوها ، فقال عمر رضي الله عنه : لو كانت قطيعة مني أو من أبي بكر رضي الله عنه لرددتها ، ولكن من رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : وقال عند ذلك : من عطل أرضا ثلاث سنين لم يعمر ، فجاء غيره فعمرها ، فهي له ، وفي لفظ : حتى يمضي ثلاث سنين ، فأحياها غيره ، فهو أحق بها . قوله : ميتة قال شيخنا : هو بتشديد الياء ، وأصله ميوتة ، اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون ، فأبدلت الواو ياء ، وأدغمت الياء في الياء ، ولا يقال : هنا أرضا ميتة بالتخفيف ؛ لأنه لو خففت لحذف التأنيث كما قال الجوهري : إنه يستوي فيه المذكر والمؤنث ، قال الله تعالى : لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ولم يقل ميتة . 16 - ويروى عن عمر وابن عوف ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم . أي يروى عن عمرو بن عوف بن يزيد المزني الصحابي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله . وقال في غير حق مسلم ، وليس لعرق ظالم فيه حق أي قال عمرو بن عوف المذكور ، وأشار به إلى أنه زاده . وقال : من أحيى أرضا ميتة في غير حق مسلم ، فهي له ، وليس لعرق ظالم فيه حق ، ووصله الطبراني وابن عدي والبيهقي من رواية كثير بن عبد الله ، عن أبيه ، عن جده قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - من أحيى أرضا ميتة ، فهي له ، وليس لعرق ظالم حق . وفي رواية له : من أحيى مواتا من الأرض في غير حق مسلم ، فهو له ، وليس لعرق ظالم حق ، ورواه أيضا إسحاق بن راهويه قال : أخبرنا أبو عامر العقدي ، عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، حدثني أبي أن أباه حدثه أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : من أحيى أرضا مواتا من غير أن يكون فيها حق مسلم ، فهي له ، وليس لعرق ظالم حق ، وكثير هذا ضعيف ، وليس لجده عمرو بن عوف في البخاري غير هذا الحديث ، وهو غير عمرو بن عوف الأنصاري البدري الذي يأتي حديثه في الجزية وغيرها . وقال الكرماني عقيب قوله وقال أي عمرو ، وفي بعض الروايات عمر ، أي : ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وابن عوف ، أي : عبد الرحمن ، ثم قال : فإن قلت : فذكر عمر يكون تكرارا . ( قلت ) : فيه فوائد : الأولى أنه تعليق بصيغة القوة ، وهذا بصيغة التمريض ، وهو بدون الزيادة ، وهذا معها ، وهو غير مرفوع إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وهذا مرفوع انتهى . ( قلت ) : عمر هنا بدون الواو ، يعني : عمر بن الخطاب ، قالوا : إنه تصحيف ، فلما جعلوا عمر بدون الواو جعلوا الواو واو عطف ، وقالوا : وابن عوف ، وأرادوا به عبد الرحمن بن عوف ، وذكر الكرماني ما ذكره ، ثم ذكر فيه فوائد الأولى المذكورة ، فلا حاجة إليها ؛ لأن ما ذكره ليس بصحيح في الأصل ، ومع هذا هو قال في آخر كلامه : والصحيح هو الأول ، يعني : أنه عمرو بالواو ، وهو ابن عوف المزني ، لا أنه عمر بن الخطاب ، وعبد الرحمن بن عوف . قوله : وليس لعرق ظالم فيه حق روى لعرق بالتنوين وبالإضافة ، أي : من غرس في أرض غيره بدون إذنه ، فليس له في الإبقاء فيها حق ، فإن أضيف فالمراد بالظالم الغارس ، وسمي ظالما ؛ لأنه تصرف في ملك الغير بلا استحقاق ، وإن وصف به فالمغروس سمي به ؛ لأنه الظالم ، أو لأن الظلم وصل به على الإسناد المجازي . وقيل : معناه : لعرق ذي ظلم ، قال ابن حبيب : بلغني عن ربيعة أنه قال : العرق الظالم عرقان ، ظاهر وباطن ، فالباطن ما احتفره الرجل من الآبار ، والظاهر الغرس ، وعنه العروق أربعة : عرقان فوق الأرض وهما الغرس والنبات ، وعرقان في جوفها المياه والمعادن ، وفي المعرفة للبيهقي قال الشافعي : جماع العرق الظالم كل ما حفر أو غرس أو بني ظلما في حق امرئ بغير خروجه منه ، وفي كتاب الخراج لابن آدم عن الثوري وسئل عن العرق الظالم ، فقال : هو المنتزى . ( قلت ) : من انتزى على أرضي إذا أخذها ، وهو من باب الافتعال من النزو بالنون والزاي ، وهو الوثبة . وعند النسائي عن عروة بن الزبير هو الرجل يعمل الأرض الخربة وهي للناس ، وقد عجزوا عنها ، فتركوها حتى خربت .
المصدر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/395721
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة