حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب في الشرب

﴿بسم الله الرحمن الرحيم ( كتاب المساقاة ) أي هذا كتاب في بيان أحكام المساقاة ، ولم يقع لفظ كتاب المساقاة في كثير من النسخ . ووقع في بعض النسخ كتاب الشرب . ووقع لأبي ذر التسمية ثم قوله في الشرب ، ثم قوله تعالى : وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ وقوله ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ إلى قوله : فَلَوْلا تَشْكُرُونَ ووقع في بعض النسخ : باب في الشرب .

وقوله تعالى : وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ وقوله : ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ إلى قوله : فَلَوْلا تَشْكُرُونَ ووقع في شرح ابن بطال كتاب المياة خاصة ، وأثبت النسفي لفظ باب خاصة . أما المساقاة فهي المعاملة بلغة أهل المدنية ومفهومها اللغوي هو الشرعي وهي معاقدة دفع الأشجار والكروم إلى من يقوم بإصلاحهما على أن يكون له سهم معلوم من ثمرها ولأهل المدينة لغات يختصون بها كما قالوا للمساقاة معاملة وللمزارعة مخابرة ، وللإجارة بيع ، وللمضاربة مقارضة وللصلاة سجدة . ( فإن قلت ) : المفاعلة تكون بين اثنين وهنا ليس كذلك .

( قلت ) : هذا ليس بلازم ، وهذا كما في قوله : قاتله الله ، يعني : قتله الله وسافر فلان بمعنى سفر ، أو لأن العقد على السقي صدر من اثنين كما في المزارعة ، أو من باب التغليب ، وأما الشرب فبكسر الشين المعجمة النصيب والحظ من الماء ، يقال : كم شرب أرضك ، وفي المثل آخرها شربا أقلها شربا ، وأصله في سقي الماء ؛ لأن آخر الإبل يرد ، وقد نزف الحوض ، وقد سمع الكسائي عن العرب أقلها شربا على الوجوه الثلاثة ، يعني : الفتح والضم والكسر ، وسمعهم أيضا يقولون أعذب الله شربكم بالكسر ، أي : ماءكم . وقيل : الشرب أيضا وقت الشرب . وقال أبو عبيدة : الشرب بالفتح المصدر وبالضم والكسر ، يقال : شرب شربا وشربا وشربا وقرئ ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ بالوجوه الثلاثة .

وقول الله تعالى : وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ وقول الله بالجر عطفا على قوله : كتاب المساقاة أو على قوله : في الشرب ، أو على قوله : باب الشرب ، أو على قوله : باب المياه على اختلاف النسخ ، ، وفي بعض النسخ : قال الله عز وجل : وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ الآية . وقال قتادة : كل حي مخلوق من الماء . ( فإن قلت ) : قد رأينا مخلوقا من الماء غير حي .

( قلت ) : ليس في الآية لم يخلق من الماء إلا حي . وقيل : معناه أن كل حيوان أرضي لا يعيش إلا بالماء . وقال الربيع بن أنس : من الماء ، أي : من النطفة .

وقال ابن بطال : يدخل فيه الحيوان والجماد ؛ لأن الزرع والشجر لها موت إذا جفت ويبست ، وحياتها خضرتها ونضرتها . وقوله جل ذكره ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ٦٨ أَأَنْتُمْ أَنْـزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْـزِلُونَ ٦٩ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ وقول بالجر عطف على قوله الأول لما أنزل الله تعالى : ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ ثم خاطبهم بقوله : ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ إلى قوله : وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ وكل هذه الخطابات للمشركين الطبيعيين لما قالوا : نحن موجودون من نطفة حدثت بحرارة كامنة ، فرد الله عليهم بهذه الخطابات ومن جملتها قوله : ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أي : الماء العذب الصالح للشرب أَأَنْتُمْ أَنْـزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أي : السحاب . قوله : جَعَلْنَاهُ ، أي : الماء ، أُجَاجًا ، أي : ملحا شديد الملوحة زعافا مرا لا يقدرون على شربه .

قوله : فَلَوْلا تَشْكُرُونَ ، أي : فهلا تشكرون . الأجاج المر : المزن السحاب هذا تفسير البخاري ، وهو من كلام أبي عبيدة ؛ لأن الأجاج المر ، وأخرجه ابن أبي حاتم عن قتادة مثله ، وقد ذكرنا الآن أنه الشديد الملوحة . وقيل : شديد المرارة .

وقيل : المالح . وقيل : الحار ، حكاه ابن فارس ، وفي المنتهى : وقد أج يؤج أجوجا . قوله : المزن بضم الميم وسكون الزاي جمع مزنة ، وهي السحاب الأبيض ، وهو تفسير مجاهد وقتادة - رضي الله تعالى عنهما .

ووقع في رواية المستملي وحده منصبا قبل قوله المزن . ووقع بعد قوله السحاب فراتا عذبا في رواية المستملي وحده ، وفسر الثجاج بقوله منصبا ، وقد فسره ابن عباس ومجاهد وقتادة هكذا ، ويقال مطر ثجاج إذا انصب جدا ، والفرات أعذب العذوبة ، وهو منتزع من قوله تعالى : هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وروى ابن أبي حاتم عن السدي : العذب الفرات الحلو ، ومن عادة البخاري أنه إذا ترجم لباب في شيء يذكر فيه ما يناسبه من الألفاظ التي في القرآن ، ويفسرها تكثيرا للفوائد .

باب في الشرب . أي هذا باب في بيان أحكام الشرب ، وقد مر تفسير الشرب عن قريب . ومن رأى صدقة الماء وهبته ووصيته جائزة مقسوما كان أو غير مقسوم أي في بيان من رأى إلى آخره ، قال بعضهم : أراد البخاري بالترجمة الرد على من قال : إن الماء لا يملك .

( قلت ) : من أين يعلم أنه أراد بالترجمة الرد على من قال إن الماء لا يملك ، ويحتمل العكس ، وأيضا فقوله : إن الماء لا يملك ليس على الإطلاق ؛ لأن الماء على أقسام : قسم منه لا يملك أصلا وكل الناس فيه سواء في الشرب وسقي الدواب وكري النهر منه إلى أرضه ، وذلك كالأنهار العظام مثل النيل والفرات ونحوهما وقسم منه يملك ، وهو الماء الذي يدخل في قسمة أحد إذا قسمه الإمام بين قوم ، فالناس فيه شركاء في الشرب ، وسقي الدواب دون كري النهر ، وقسم منه يكون محرزا في الأواني كالجباب والدنان والجرار ونحوها ، وهذا مملوك لصاحبه بالإحراز ، وانقطع حق غيره عنه كما في الصيد المأخوذ حتى لو أتلفه رجل يضمن قيمته ، ولكن شبهة الشركة فيه باقية ، بقوله - صلى الله عليه وسلم - : المسلمون شركاء في الثلاث : الماء ، والكلأ ، والنار رواه ابن ماجه من حديث ابن عباس ، ورواه الطبراني من حديث عبد الله بن عمر ، ورواه أبو داود ، عن رجل من الصحابة ، وأحمد في مسنده ، وابن أبي شيبة في مصنفه ، والمراد : شركة إباحة لا شركة ملك ، فمن سبق إلى أخذ شيء منه في وعاء أو غيره ، وأحرزه ، فهو أحق به ، وهو ملكه دون سواه ، لكنه لا يمنع من يخاف على نفسه من العطش أو مركبه ، فإن منعه يقاتله بلا سلاح بخلاف الماء الثاني فإنه يقاتله فيه بالسلاح . قوله : من رأى صدقة الماء إلى آخره ، لم يبين المراد منه ، هل هو جائز أم لا ، وظاهر الكلام يحتمل الجواز ، وعدمه ، ولكن فيه تفصيل ، وهو أن الرجل إذا كان له شرب في الماء ، وأوصى أن يسقى منه أرض فلان يوما أو شهرا أو سنة أجيزت من الثلث ، فإن مات الموصى له بطلت الوصية بمنزلة ما إذا أوصى بخدمة عبده لإنسان ، فمات الموصى له بطلت الوصية ، وإذا أوصى ببيع الشرب وهبته أو صدقته ، فإن ذلك لا يصح للجهالة ، أو للغرر ، فإنه على خطر الوجود ؛ لأن الماء يجيء وينقطع ، وكذا لا يصح أن يكون مسمى في النكاح حتى يجب مهر المثل ، ولا بدل الصلح عن الدعوى ، ولا يباع الشرب في دين صاحبه بدون أرض بعد موته ، وكذا في حياته ولو باع الماء المحرز في إناء أو وهبه لشخص أو تصدق به ، فإنه يجوز ولو كان مشتركا بينه وبين آخر ، فلا يجوز قبل القسمة ، فافهم هذه الفوائد التي خلت عنها الشروح . وقال عثمان قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من يشتري بئر رومة ، فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين ، فاشتراها عثمان رضي الله عنه .

أي قال عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه ، وهذا التعليق سقط من رواية النسفي ، ووصله الترمذي : حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي ، قال : حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن زيد هو ابن أبي أنيسة ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : لما حصر عثمان أشرف عليهم فوق داره ، ثم قال : أذكركم بالله هل تعلمون أن حراء حين انتفض ، قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : اثبت حراء ، فليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد ، قالوا : نعم . قال : أذكركم بالله ، هل تعلمون أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال في جيش العسرة : من ينفق نفقة متقبلة والناس مجهدون معسرون ، فجهزت ذلك الجيش ، قالوا : نعم ، ثم قال : أذكركم بالله هل تعلمون أن بئر رومة لم يكن يشرب منها أحد إلا بثمن ، فابتعتها ، فجعلتها للغني والفقير وابن السبيل ، قالوا : اللهم نعم ، وأشياء عدها ، ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث أبي عبد الرحمن السلمي ، عن عثمان رضي الله تعالى عنه . قوله : بئر رومة بإضافة بئر إلى رومة ، بضم الراء وسكون الواو وبالميم ، ورومة علم على صاحب البئر ، وهو رومة الغفاري .

وقال ابن بطال : بئر رومة كانت ليهودي ، وكان يقفل عليها بقفل ويغيب ، فيأتي المسلمون ليشربوا منها ، فلا يجدونه حاضرا ، فيرجعون بغير ماء ، فشكا المسلمون ذلك ، فقال - صلى الله تعالى عليه وسلم - : من يشتريها ويمنحها للمسلمين ، ويكون نصيبه فيها كنصيب أحدهم ، فله الجنة ، فاشتراها عثمان ، وهي بئر معروفة بمدينة النبي عليه الصلاة والسلام ، اشتراها عثمان بخمسة وثلاثين ألف درهم ، فوقفها ، وزعم الكلبي أنه كان قبل أن يشتريها عثمان يشتري منها كل قربة بدرهم . قوله : فيكون دلوه فيها ، أي : دلو عثمان في البئر المذكور كدلاء كل المسلمين ، يعني : يوقفها ، ويكون حظه منها كحظ غيره من غير مزية ، وظاهره أن له الانتفاع إذا شرطه ، ولا شك أنه إذا جعلها للسقاة أن له الشرب وإن لم يشترط لدخوله في جملتهم . وفيه : جواز بيع الآبار .

وفيه : جواز الوقف على نفسه ولو وقف على الفقراء ، ثم صار فقيرا جاز أخذه منه .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث