كتاب الخصومات
حدثنا موسى ، قال : حدثنا همام ، عن قتادة ، عن أنس رضي الله عنه أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين ، قيل : من فعل هذا بك ؟ أفلان ؟ أفلان ؟ حتى سمي اليهودي ، فأومت برأسها فأخذ اليهودي فاعترف ، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فرض رأسه بين حجرين . مطابقته للترجمة من حيث إنه يشتمل على خصومة بين يهودي وجارية من الأنصار ، وموسى هو ابن إسماعيل المذكور وهمام على وزن فعال بالتشديد ابن يحيى بن دينار البصري . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الوصايا عن حسان بن أبي عباد ، وفي الديات عن حجاج بن منهال وعن إسحاق عن ابن حبان ، وأخرجه مسلم في الحدود عن هدبة بن خالد ، وأخرجه أبو داود في الديات عن علي بن محمد عن محمد بن كثير ، وأخرجه الترمذي فيه والنسائي في القود جميعا عن علي بن حجر ، وأخرجه ابن ماجه في الديات عن علي بن محمد عن وكيع .
( ذكر معناه ) قوله رض بتشديد الضاد المعجمة أي دق ، يقال : رضضت الشيء رضا فهو رضيض ومرضوض ، وقال ابن الأثير : الرض الدق الجريش ، قوله رأس جارية كانت هذه الجارية من الأنصار كما صرح به في رواية أبي داود ، واختلفت ألفاظ هذا الحديث فهاهنا رض رأس جارية بين حجرين وفي رواية للبخاري على ما سيأتي أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها فقتلها بين حجرين ، وفي رواية للطحاوي : عدا يهودي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جارية فأخذ أوضاحا كانت عليها ورضخ رأسها ، وفي رواية لمسلم : فرضخ رأسها بين حجرين ، وفي رواية لأبي داود : أن يهوديا قتل جارية من الأنصار على حلي لها ثم ألقاها في قليب ، رضخ رأسها بالحجارة فأخذ ، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم ، فأمر به أن يرجم حتى يموت فرجم حتى مات ، وفي رواية الترمذي : خرجت جارية عليها أوضاح فأخذها يهودي فرضخ رأسها وأخذ ما عليها من حلي ، قال : فأدركت وبها رمق ، فأتي بها النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : من قتلك ؟ الحديث . قلت : الاختلاف في الألفاظ لا في المعاني ، فإن الرضخ والرض والرجم كله عبارة هاهنا عن الضرب بالحجارة ، والأوضاح جمع وضح بالضاد المعجمة والحاء المهملة وهو نوع من الحلي يعمل من الفضة سميت بها لبياضها ، والرضخ بالضاد والخاء المعجمتين وهو الدق والكسر هنا ويجيء بمعنى الشدخ أيضا وبمعنى العطية ، قوله : أفلان أفلان ؟ الهمزة فيهما للاستفهام على سبيل الاستخبار ، قوله فأومت كذا ذكره ابن التين ، ثم قال : صوابه فأومأت وثلاثيه ومأ ، وفي المطالع : يقال منه ومأ وأومأ ، وفي الصحاح : أومأت إليه أشرت ، ولا تقل : أوميت وومأت إليه إماء ووماء لغة ، وهذا معتل الفاء مهموز اللام . ( ذكر ما يستفاد منه ) احتج به عمر بن عبد العزيز وقتادة والحسن ، وابن سيرين ومالك والشافعي ، وأحمد وأبو ثور وإسحاق ، وابن المنذر وجماعة من الظاهرية على أن القاتل يقتل بما قتل به ، وقال ابن حزم : قال مالك : إن قتله بحجر أو بعصا أو بالنار أو بالتفريق قتل بمثل ذلك يكرر عليه أبدا حتى يموت ، وقال الشافعي : إن ضربه بحجر أو بعصا حتى مات ضرب بحجر أو بعصا أبدا حتى يموت ، فإن حبسه بلا طعام ولا شراب حتى مات حبس مثل المدة حتى يموت فإن لم يمت قتل بالسيف ، وهكذا إن غرقه وهكذا إن ألقاه من مهواة عالية فإن قطع يديه ورجليه فمات قطعت يدا القاتل ورجلاه فإن مات وإلا قتل بالسيف ، وقال أبو محمد : إن لم يمت ترك كما هو حتى يموت لا يطعم ولا يسقى ، وكذلك إن قتله جوعا أو عطشا عطش أو جوع حتى يموت ولا تراعى المدة أصلا ، وقال ابن شبرمة : إن غمسه في الماء حتى مات غمس حتى يموت ، وقال عامر الشعبي وإبراهيم النخعي ، والحسن البصري وسفيان الثوري ، وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله : لا يقتل القاتل في جميع الصور إلا بالسيف ، واحتجوا في ذلك بما رواه أبو داود الطيالسي ، عن قيس ، عن جابر الجعفي ، عن أبي عازب ، عن النعمان بن بشير ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا قود إلا بحديدة .
ورواه الطحاوي ، حدثنا ابن مرزوق ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا سفيان الثوري ، عن جابر ، عن أبي عازب ، عن النعمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا قود إلا بالسيف ، وأخرجه الدارقطني : حدثنا محمد بن سليمان النعماني ، حدثنا الحسن بن عبد الرحمن الجرجرائي ، حدثنا موسى بن داود ، عن مبارك ، عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : لا قود إلا بالسيف ، قيل للحسن : عمن ؟ قال : سمعت النعمان بن بشير يذكر ذلك ، وقيل : عن مبارك بن فضالة ، عن الحسن ، عن أبي بكرة مرفوعا . رواه الوليد بن صالح عنه ، وأخرجه ابن أبي شيبة مرسلا ، حدثنا عيسى بن يونس ، عن أشعث وعمرو بن عبيد ، عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا قود إلا بالسيف . وجه الاستدلال به أن معناه لا قصاص حاصل إلا بالسيف ، وقد علم أن النكرة في موضع النفي تعم ، ويكون المعنى لا فرد من أفراد القود إلا وهو مستوفى بالسيف ، وقيل : النفي والاستثناء ، وهو طريق من طرق القصر وتحقيق القصر فيه أنه لما قيل : لا قود ، توجه النفي إلى ذات القود ، فانتفى القود المنكر الشامل لكل واحد من أفراد القود ، ولما قيل : إلا بالسيف جاء القصر وفيه إثبات ذلك القود المنفي بالسيف ، وإنما قلنا : توجه النفي إلى ذات القود ؛ لأن القود معنى من المعاني وليس له قيام إلا بالذات ، والذات لا يتوجه إليه النفي ، ولهذا نقول : المنفي في قولنا إنما زيد قائم هو اتصاف زيد بالقيام لا ذات زيد لأن أنفس الذوات أي الأجسام يمتنع نفيها كما بين ذلك في الطبيعيات .
فإن قلت : قال البيهقي : هذا حديث لم يثبت له إسناد ، وجابر الجعفي مطعون فيه ، قلت : الجعفي وإن طعن فيه فقد قال وكيع : مهما تشككتم فيه فلا تشكوا في أن جابرا ثقة ، وقال شعبة : صدوق في الحديث ، وقال الثوري لشعبة : لئن تكلمت في جابر لتكلمت فيك ، وقال الذهبي في الكاشف : إن ابن حبان أخرج له في صحيحه وقد تابع الثوري أيضا قيس بن الربيع كما ذكرنا في رواية الطيالسي ، وقال عفان : كان قيس ثقة وثقه الثوري وشعبة ، وقال أبو داود الطيالسي : هو ثقة حسن الحديث ، ثم إنا ولئن سلمنا ما قاله البيهقي فقد وجدنا شاهدا لحديث النعمان المذكور وهو ما رواه ابن ماجه : حدثنا إبراهيم بن المستمر ، حدثنا الحر بن مالك العنبري ، حدثنا مبارك بن فضالة ، عن الحسن ، عن أبي بكرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا قود إلا بالسيف . وسنده جيد ، وابن المستمر صدوق ، كذا قال النسائي والحر : قال ابن أبي حاتم في كتابه : سألت أبي عنه ، فقال : صدوق ، والمبارك وإن تكلم فيه فقد أخرج له البخاري في المبايعات في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : يخوف الله عباده بالكسوف ، وأخرج له ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه ووثقه ، وقال عفان : كان ثقة ووثقه ابن معين مرة وضعفه أخرى ، وكان يحيى القطان يحسن الثناء عليه ، وروي أيضا نحوه عن أبي هريرة ، أخرجه البيهقي من سننه من حديث ابن مصفى : حدثنا بقية ، حدثنا سليمان ، عن الزهري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا قود إلا بالسيف ، ثم قال البيهقي : ورواه بقية بن الوليد عن أبي معاذ هو سليمان بن أرقم ، عن الزهري هكذا ، وعن أبي معاذ ، عن عبد الكريم بن أبي المخارق ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا قود إلا بسلاح ، ورواه معلى بن هلال عن أبي إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا قود إلا بحديدة ، وروى أيضا عن أبي سعيد الخدري أخرجه الدارقطني ، عن عبد الصمد بن علي ، عن الفضل بن عباس ، عن يحيى بن غيلان ، عن عبد الله بن بزيع ، عن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان ، عن جابر ، عن أبي عازب ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : القود بالسيف والخطأ على العاقلة ، وهذا الحديث كما رأيت قد روي عن النعمان بن بشير ، وأبي بكرة ، وأبي هريرة ، وعبد الله بن مسعود ، وعلي بن أبي طالب ، وأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهم . ولا شك أن بعضها يشهد لبعض وأقل أحواله أن يكون حسنا ، فإذا كان حسنا صح الاحتجاج به .
وأجابوا عن حديث الباب بأنه صلى الله عليه وسلم رأى أن ذلك القاتل يجب قتله لله تعالى إذا كان إنما قتل على مال ، قد بين ذلك في الحديث الذي فيه الأوضاح كما يجب دم قاطع الطريق لله تعالى ، فكأن له أن يقتله كيف شاء بسيف أو بغيره ، وأيضا روي في هذا الحديث فيما رواه مسلم وأبو داود أنه صلى الله عليه وسلم أمر به أن يرجم حتى يموت فرجم حتى مات ، وقد مر عن قريب فدل ذلك أن قتل القاتل لا يتعين أن يكون بما قتل به ، وجواب آخر أن ذلك كان حين كانت المثلة مباحة كما فعل صلى الله عليه وسلم بالعرنيين ثم نسخت بعد ذلك ونهى عنها صلى الله عليه وسلم . وفيه إيماء تلك الجارية ، واختلف العلماء في إشارة المريض ، فذهب الليث ومالك والشافعي إلى أنه إذا ثبتت إشارته على ما يعرف من حضره جازت وصيته ، وقال أبو حنيفة والأوزاعي والثوري : إذا سئل المريض عن الشيء فأومأ برأسه أو بيده فليس بشيء حتى يتكلم ، قال أبو حنيفة : وإنما تجوز إشارة الأخرس أو من لحقته سكتة لا يتكلم ، وأما من اعتقل لسانه ولم يوم به ذلك فلا تجوز إشارته ، وقال صاحب التوضيح : قلت : الحديث حجة عليه ، قلت : لو أدرك ما ذكرناه آنفا لما اجترأ بإبراز هذا الكلام فلا يكثر مثل هذا على قاصر الفهم وفائت الإدراك ، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكتف بإشارة الجارية في قتل اليهودي وإنما قتله باعترافه ، وقال الإسماعيلي : من أطاق الإبانة عن نفسه لم تكن إشارته فيما له أو عليه واقعة موقع الكلام لكن تقع موقع الدلالة على ما يراد لا فيما يؤدي إلى الحكم على إنسان بإشارة غيره ، ولو كان كذلك لقبلت شهادة الشاهدين بالإشارة والإيماء ، وقال بعض الشافعية : في هذا الحديث حجة على أبي حنيفة حيث لم يوجب القصاص فيمن قتل بمثقل عمدا ، وإنما يجب عنده دية مغلظة ، والحديث حجة عليه وخالفه غيره من الأئمة : مالك والشافعي وأحمد وجماهير العلماء ، والجواب عن هذا أن عادة ذلك اليهودي كانت قتل الصغار بذلك الطريق فكان ساعيا في الأرض بالفساد ، فقتل سياسة واعترضوا بأنه لو قتل لسعيه في الأرض بالفساد لما قتل مماثلة برض رأسه بين الحجرين ، ورد بأن قتله مماثلة كان قبل تحريم المثلة فلما حرمت نسخت فكان القتل بعد ذلك بالسيف ، وفيه بيان أن الرجل يقتل بالمرأة وهو مجمع عليه عند من يعتد بإجماعه ، وفيه خلاف شاذ ، وفيه قتل الكافر بالمسلم والله أعلم .