باب لا تحتلب ماشية أحد بغير إذن
( باب لا تحتلب ماشية أحد بغير إذن ) 7 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يحلبن أحد ماشية امرئ بغير إذنه ، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته ، فينتقل طعامه ، فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم ، فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ورجاله قد ذكروا غير مرة ، والحديث أخرجه مسلم في القضاء ، وأبو داود في الجهاد جميعا بالإسناد الذي رواه البخاري .
( ذكر معناه ) قوله : " عن نافع " في موطأ محمد بن الحسن ، أخبرنا نافع ، وفي رواية أبي قطن في الموطآت للدارقطني قلت لمالك : أحدثك نافع ؟ قوله : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " وفي رواية يزيد بن الهاد ، عن مالك عند الدارقطني أيضا أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، قوله : " لا يحلبن " بضم اللام وبالنون الثقيلة ، كذا في البخاري وأكثر الموطآت ، وفي رواية ابن الهاد : " لا يحتلبن " من الاحتلاب من باب الافتعال ، قوله : " ماشية امرئ " وفي رواية ابن الهاد وجماعة من رواة الموطأ " ماشية رجل " وفي بعض شروح الموطأ بلفظ : " ماشية أخيه " وكل واحد منهما ليس بقيد ؛ لأنه لا اختصاص له بالرجال ولا بالمسلمين ؛ لأنهم سواء في هذا الحكم ، قيل فرق بين المسلم والذمي ، فلا يحتاج إلى الإذن في الذمي ؛ لأن الصحابة شرطوا على أهل الذمة من الضيافة للمسلمين ، وصح ذلك عن عمر رضي الله تعالى عنه ، وذكر ابن وهب عن مالك في المسافر ينزل بالذمي قال : لا يأخذ منه شيئا إلا بإذنه ، قيل له فالضيافة التي جعلت عليهم ، قال : كانوا يومئذ يخفف عنهم بسببها ، وأما ج١٢ / ص٢٧٨الآن فلا ، وقال بعضهم : نسخ الإذن وحملوه على أنه كان قبل فرض الزكاة ، قالوا : وكانت الضيافة واجبة حينئذ ، ثم نسخ ذلك بفرض الزكاة ، وذكر الطحاوي كذلك أيضا ، قوله : " مشربته " بضم الراء وفتحها هي الموضع المصون لما يخزن كالغرفة . وقال الكرماني : هي الغرفة المرتفعة عن الأرض ، وفيها خزانة المتاع انتهى . والمشربة بفتح الراء خاصة ، مكان الشرب والمشربة بكسر الراء إناء الشرب ، قوله : " خزانته " بكسر الخاء المعجمة الموضع أو الوعاء الذي يخزن فيه الشيء مما يراد حفظه ، وفي رواية أيوب عند أحمد فيكسر بابها ، قوله : " فينتقل " بالنون والقاف من الانتقال ، وهو التحويل من مكان إلى مكان ، وهكذا هو في أكثر الموطآت عن مالك ، وحكى ابن عبد البر عن بعضهم فينتثل بنون ثم تاء مثناة من فوق ثم ثاء مثلثة من الانتثال من النثل ، وهو النثر مرة واحدة بسرعة ، ويقال : نثل ما في كنانته إذا صبها ونثرها ، وهكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق روح بن عبادة ، ومسلم من رواية أيوب وموسى بن عقبة وغيرهما عن نافع ، ورواه عن الليث ، عن نافع بالقاف ، وهو عند ابن ماجه من هذا الوجه بالمثلثة ، وقوله : " تؤتى " وقوله : " فتكسر " وقوله : " فينتقل " كلها على بناء المجهول ، قوله : " تخزن " بضم الزاي على بناء الفاعل ، وضروع مواشيهم كلام إضافي مرفوع ؛ لأنه فاعل تخزن ، وقوله : " أطعماتهم " بالنصب مفعوله ، وهي جمع أطعمة ، والأطعمة جمع طعام ، والمراد به هنا اللبن ، والضروع جمع ضرع ، وهو لكل ذات خف وظلف كالثدي للمرأة ، وفي رواية الكشميهني تحرز ضروع مواشيهم بضم التاء وسكون الحاء المهملة وكسر الراء ، وفي آخره زاي ، والمعنى أنه صلى الله تعالى عليه وسلم شبه اللبن في الضرع بالطعام المخزون المحفوظ في الخزانة في أنه لا يحل أخذه بغير إذن ، ولا فرق بين اللبن وغيره .
( ذكر ما يستفاد منه ) قال أبو عمر يحمل هذا الحديث على ما لا تطيب به النفس ، لقوله صلى الله عليه وسلم : لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه ، وقال صلى الله عليه وسلم : إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ، وإنما خص اللبن بالذكر لتساهل الناس في تناوله ، ولا فرق بين اللبن والتمر وغيرهما في ذلك ، وقال القرطبي : ذهب الجمهور إلى أنه لا يحل شيء من لبن الماشية ولا من التمر ، إلا إذا علم طيب نفس صاحبه ، وذهب بعضهم إلى أن ذلك يحل ، وإن لم يعلم حال صاحبه ؛ لأن ذلك حق جعله الشارع له يؤيده
ما رواه أبو داود من حديث الحسن عن سمرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه ، فإن أذن له وإلا فليحلب ويشرب ، وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثا ، فإن أجاب فليستأذنه ، فإن أذن له وإلا فليحلب ويشرب ولا يحمل ، ورواه الترمذي أيضا ، وقال : حديث سمرة حديث حسن غريب صحيح ، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم ، وبه يقول أحمد وإسحاق ، وقال علي بن المديني : سماع الحسن من سمرة صحيح ، وقد تكلم بعض أهل الحديث في رواية الحسن عن سمرة ، وقالوا : إنما يحدث عن صحيفة سمرة، واستدلوا أيضا
بحديث أبي سعيد ، رواه ابن ماجه بإسناد صحيح من رواية أبي نضرة عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أتيت على راع فناده ثلاث مرات ، فإن أجابك وإلا فاشرب من غير أن تفسد ، وإذا أتيت على حائط بستان فناده ثلاث مرات ، فإن أجابك وإلا فكل من غير أن تفسد، وبما
رواه الترمذي أيضا من حديث يحيى بن سليم ، عن عبد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن التمر المعلق فقال : من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه ، وقال : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم. وروي أيضا من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن التمر المعلق إلى آخره نحوه ، والخبنة بضم الخاء المعجمة وسكون الباء الموحدة بعدها نون قال الجوهري : هو ما تحمله في حضنك . وقال ابن الأثير : الخبنة معطف الإزار وطرف الثوب ، أي لا يأخذ منه في طرف ثوبه ، يقال : أخبن الرجل إذا خبأ شيئا في خبنة ثوبه أو سراويله ، والمراد من التمر المعلق هو التمر على النخل قبل أن يقطع ، وليس المراد ما كانوا يعلقونه في المسجد من الأقناء في أيام التمرة ، فإن ذلك مسبل مأذون فيه ، واستدلوا أيضا بقضية الهجرة ، وشرب أبي بكر ، والنبي صلى الله عليه وسلم من غنم الراعي ، وقال جمهور العلماء وفقهاء الأمصار منهم الأئمة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأصحابهم : لا يجوز لأحد أن يأكل من بستان أحد ، ولا يشرب من لبن غنمه إلا بإذن صاحبه ، اللهم إلا إذا كان مضطرا ، فحينئذ يجوز له ذلك قدر دفع الحاجة .
والجواب عن الأحاديث ج١٢ / ص٢٧٩المذكورة من وجوه : الأول : أن التمسك بالقاعدة المعلومة أولى قاله القرطبي . والثاني : أن حديث النهي أصح . والثالث : أن ذلك محمول على ما إذا علم طيب نفوس أرباب الأموال بالعادة أو بغيرها .
والرابع : أن ذلك محمول على أوقات الضرورات كما كان في أول الإسلام ، وأجاب الطحاوي بأن هذه الأحاديث كانت في حال وجوب الضيافة حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بها ، وأوجبها للمسافرين على من حلوا به ، فلما نسخ وجوب ذلك ، وارتفع حكمه ارتفع أيضا حكم الأحاديث المذكورة . وقال القرطبي : وشرب أبي بكر رضي الله تعالى عنه حين الهجرة من غنم الراعي ، وإعطائه للشارع كان إدلالا على صاحب الغنم لمعرفته إياه ، وأنه كان يعلم أنه أذن للراعي أن يسقي من مر به ، أو أنه كان عرفه أنه أباح بذلك ، أو أنه مال حربي لا أمان له ، وقال ابن أبي صفرة : حديث الهجرة في زمن المكارمة ، وهذا في زمن التشاح ؛ لما علم صلى الله عليه وسلم من تغير الأحوال بعده ، وقال الداودي : إنما شرب الشارع والصديق لأنهما ابنا سبيل ، ولهما شرب ذلك إذا احتاجا ، وفي الحديث استعمال القياس لتشبيه النبي صلى الله عليه وسلم اللبن في الضرع بالطعام المخزون ، وهذا هو قياس الأشياء على نظائرها وأشباهها . وفيه إباحة خزن الطعام واحتكاره خلافا لغلاة المتزهدة حيث يقولون : لا يجوز الادخار مطلقا ، وفيه أن اللبن يسمى طعاما فيحنث به من حلف لا يتناول طعاما إلا أن يكون له نية تخرج اللبن ، وقال ابن عمر فيه ما يدل على أن من حلب من ضرع شاة أو بقرة أو ناقة بعد أن يكون في حرزها ما يبلغ قيمته ما يجب فيه القطع : إن عليه القطع إلا على قول من لا يرى القطع في الأطعمة الرطبة من الفواكه .
وفيه بيع الشاة اللبون بالطعام لقوله : " فإنما يخزن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم " فجعل اللبن طعاما . وقد اختلف الفقهاء في بيع الشاة اللبون باللبن وسائر الطعام نقدا أو إلى أجل ؛ فذهب مالك وأصحابه إلى أنه لا بأس ببيع الشاة اللبون باللبن يدا بيد ، ما لم يكن في ضرعها لبن ، فإن كان في ضرعها لبن لم يجز يدا بيد باللبن من أجل المزابنة ، فإن كانت الشاة غير لبون جاز في ذلك الأجل وغير الأجل . وقال الشافعي ، وأبو حنيفة وأصحابه : لا يجوز بيع الشاة اللبون بالطعام إلى أجل ، ولا يجوز عند الشافعي بيع شاة في ضرعها لبن بشيء من اللبن يدا بيد ولا إلى أجل ، وفيه ذكر الحكم بعلته وإعادته بعد ذكر العلة تأكيدا وتقريرا ، وفيه أن القياس لا يشترط في صحته مساواة الفرع للأصل بكل اعتبار ، بل ربما كانت للأصل مزية لا يضر سقوطها في الفرع إذا تشاركا في أصل الصفة ؛ لأن الضرع لا يساوي الخزانة في الخزن لما أن الصر لا يساوي القفل فيه ، ومع ذلك فقد ألحق الشارع الضرع المصرور بالحكم بالخزانة المقفلة في تحريم تناول كل منهما بغير إذن صاحبه ، وفيه ضرب الأمثال للتقريب للأفهام ، وتمثيل ما يخفى بما هو واضح منه .