كتاب المظالم والغضب
( بسم الله الرحمن الرحيم ) ( كتاب المظالم والغضب ) ( وقول الله تعالى : وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ رافعي رؤوسهم ، المقنع والمقمح واحد ) . وقول الله بالجر عطف على ما قبله ، ووقع في رواية أبي ذر من قوله : وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا إلى ، قوله : عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ وهي ست آيات في أواخر سورة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وفي رواية غيره وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا وساق الآية فقط ، قوله : وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا إن كان الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم فمعناه التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسبه غافلا كما في قوله تعالى : وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وإن كان الخطاب لغيره ممن يجوز أنه يحسبه غافلا لجهله بصفاته ، فلا يحتاج إلى تقدير شيء ، وقال الزمخشري : ويجوز أن يراد ولا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يعملون ، ولكن معاملة الرقيب عليهم المحاسب على النقير والقطمير ، قوله : إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ أي أبصارهم لا تقر في أماكنهم من هول ما ترى ، قوله : مُهْطِعِينَ يعني مسرعين إلى الداعي ، وقيل الإهطاع أن تقبل ببصرك على المرئي وتديم النظر إليه لا تطرف ، قوله : مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ أي رافعي رؤوسهم كذا فسره مجاهد ، و لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ أي لا يطرفون ، ولكن عيونهم مفتوحة ممدودة من غير تحريك الأجفان ، وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ أي خلاء ، وهو الذي لم تشغله الأجرام ، أي لا فوة في قلوبهم ولا جراءة ، ويقال للأحمق أيضا : قلبه هواء ، وعن ابن جريج هواء أي صفر من الخير ، خالية عنه ، قوله : " المقنع والمقمح واحد " كذا ذكره أبو عبيدة أي هذه الكلمة بالنون والعين وبالميم والحاء معناهما واحد ، وهو رفع الرأس ، وحكى ثعلب أن لفظة أقنع مشترك بين معنيين يقال : أقنع إذا رفع رأسه ، وأقنع إذا طأطأ ، ويحتمل الوجهين هنا ؛ أن يرفع رأسه ينظر ثم يطاطئه ذلا وخضوعا .
( وقال مجاهد : مُهْطِعِينَ أي مديمي النظر ، ويقال مسرعين ، لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ يعني جوفا لا عقول لهم ) . وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ قد ذكرنا أن في رواية أبي ذر سيق من قوله : وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا إلى قوله : عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ست آيات ، وفي رواية غيره آية واحدة فقط ، وهي الآية الأولى ، قوله : وَأَنْذِرِ النَّاسَ الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أمره بإنذار الناس وتخويفهم ، قوله : يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ وهو يوم القيامة ، وهو مفعول ثان لأنذر ، قوله : أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ يعني ردنا إلى الدنيا وأمهلنا إلى أجل وحد من الزمان قريب ، نتدارك ما فرطنا فيه من إجابة دعوتك واتباع رسلك ، قوله : أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ أي يقال لهم : أولم تكونوا حلفتم أنكم باقون في الدنيا لا تزالون بالموت والفناء حتى كفرتم بالبعث وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا من قبلكم وَتَبَيَّنَ لَكُمْ ظهر لكم ما فعلنا بهم من أنواع الزوال بموتهم وخراب مساكنهم ، والانتقام منهم بعضها بالمشاهدة ج١٢ / ص٢٨٥وبعضها بالإخبار وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ أي صفات ما فعلوا بالأمثال المضروبة لكل ظالم ، قوله : وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ يعني بالنبي صلى الله عليه وسلم حين هموا بقتله وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ أي عالم به لا يخفى عليه فيجازيهم ، قوله : وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ يعني وإن كان مكرهم ليبلغ في الكيد إلى إزالة الجبال ، فإن الله ينصر دينه ، والمراد بالجبال هنا الإسلام ، وقيل : جبال الأرض مبالغة ، والأول استعارة ثم طمئن قلب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ أي منيع ذُو انْتِقَامٍ من الكفار .