باب من كانت له مظلمة عند الرجل فحللها له هل يبين مظلمته
( باب من كانت له مظلمة عند الرجل فحللها له هل يبين مظلمته ؟ ) 22 - حدثنا آدم بن أبي إياس ، قال : حدثنا ابن أبي ذئب قال : حدثنا سعيد المقبري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته ، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه . مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث ، فإنه أعم من أن يبين قدر ما يتحلل به أو لا يبين ، وهذا يقوي قول من قال بصحة الإبراء المجهول ، ورجاله قد ذكروا غير مرة وابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن رضي الله تعالى عنه ، والحديث من أفراده .
( ذكر معناه ) قوله : " من كانت له " قال بعضهم : اللام فيه بمعنى " على " أي من كانت عليه مظلمة لأخيه قلت : ج١٢ / ص٢٩٤لا يحتاج إلى ذلك بل اللام هنا بمعنى عند ، كقولهم كتبته لخمس خلون ، والدليل عليه ما رواه البخاري عن مالك ، عن المقبري في الرقاق بلفظ من كانت عنده مظلمة لأخيه ، والأحاديث يفسر بعضها بعضا ، قوله : " مظلمة " قال ابن مالك : مظلمة بفتح اللام وكسرها ، والكسر أشهر ، وقد روي بالضم أيضا ، وفي التوضيح قال القزاز : بضم اللام وكسرها ، وفي أدب الكاتب لابن قتيبة بفتح اللام ، ونقل ابن التين عن ابن قتيبة فتح اللام وكسرها ، قال : وضبط عن الصحاح ضمها ، وهو خطأ ، قوله : " من عرضه " بكسر العين ، وعرض الرجل موضع المدح والذم منه ، سواء كان في نفسه أو في سلفه أو من يلزمه أمره ، وقيل هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه ويحامي عنه أن ينتقص أو يثلب . وقال ابن قتيبة : عرض الرجل نفسه وبدنه لا غير ، قوله : " أو شيء " أي من الأشياء ، وهو من عطف العام على الخاص ، فيدخل فيه المال بأصنافه والجراحات حتى اللطمة ونحوها ، وفي رواية الترمذي من عرض أو مال ، قوله : " فليتحلله " قال الخطابي : معناه يستوهبه ويقطع دعواه عنه ؛ لأن ما حرم الله من الغيبة لا يمكن تحليله ، وجاء رجل إلى ابن سيرين فقال : اجعلني في حل فقد اغتبتك فقال : إني لا أحل ما حرم الله تعالى ، ولكن ما كان من قبلنا فأنت في حل ، ويقال : معنى فليتحلله إذا سأله أن يجعله في حل ، يقال : تحللته واستحللته ، قوله : " اليوم " نصب على الظرف ، أراد به في الدنيا ، قوله : " قبل أن لا يكون دينار ولا درهم " يعني يوم القيامة ، قوله : " إن كان له عمل صالح " إلى آخره معنى أخذ الحسنات والسيئات أن يجعل ثوابها لصاحب المظلمة ، ويجعل على الظالم عقوبة سيئاته . قال الكرماني : ( فإن قلت ) : ما التوفيق بينه وبين قوله تعالى : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ( قلت ) : لا تعارض بينهما ؛ لأنه إنما يعاقب بسبب فعله وظلمه ، ولم يعاقب بغير جناية منه ؛ لأنه لما توجهت عليه حقوق للغرماء دفعت إليهم حسناته ، ولما لم يبق منها بقية قوبل على حسب ما اقتضاه عدل الله تعالى في عباده ، فأخذوها من سيئاته فعوقب بها انتهى .
( قلت ) : فيه ما فيه يعلم بالتأمل . ( ذكر ما يستفاد منه ) قام الإجماع على أنه إذا بين مظلمته عليه فأبراه فهو نافذ ، واختلفوا فيمن بينهما ملابسة أو معاملة ثم حلل بعضهما بعضا من كل ما جرى بينهما من ذلك ، فقال قوم : إن ذلك براءة له في الدنيا والآخرة ، وإن لم يبين مقداره . وقال آخرون : إنما تصح البراءة إذا بين له وعرف ماله عنده أو قارب ذلك بما لا مشاحة في ذكره ، وهذا الحديث حجة لهذا ؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم : " أخذ منه بقدر مظلمته " يدل أنه يجب أن يكون معلوم القدر مشارا إليه ، وكان ابن المسيب لا يحلل أحدا ، وكان ابن يسار يحلل من العرض والمال ، وقال مالك : أما المال فنعم ، وأما من العرض فـ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وقال الداودي أحسب مالكا أراد إن أصاب من عرض رجل لم يجز لوارثه أن يحلله .
وقال ابن التين : وأراه خلافا لقول مالك ؛ لأنه قال : إن مات ولا وفاء عنده ، فالأفضل أن يحلله ، وأما من ظلم أو اغتاب فلا ، وذكر الآية ، وكان بعضهم يحلل من عرضه ، ويتأول الحسنة بعشر أمثالها ، وكان القاسم يحلل من ظلمه ، وقال الخطابي : إذا اغتاب رجل رجلا فإن كان بلغ القول منه ذلك فلا بد أن يستحله ، وإن لم يبلغه استغفر الله ولا يخبره ، وأما التحلل في المال فإنما يصح ذلك في أمر معلوم ، وقال بعض أهل العلم : إنما يصح ذلك في المنافع التي هي أعراض مثل أن يكون قد غصبه دارا فسكنها ، أو دابة فركبها ، أو ثوبا فلبسه ، أو يكون أعيانا فتلفت ، فإذا تحلل منها صح التحلل ، فإن كانت الدار قائمة والدراهم في يده حاصلة لم يصح التحلل منها إلا أن يهب أعيانها منه ، فتكون هبة مستأنفة . ( قال أبو عبد الله : قال إسماعيل بن أبي أويس : إنما سمي المقبري ؛ لأنه كان نزل ناحية المقابر ) . أبو عبد الله هو البخاري ، وإسماعيل بن أبي أويس من شيوخه ، واسم أبي أويس عبد الله الأصبحي المدني ابن أخت مالك بن أنس ، قوله : " إنما سمي " أي سعيد المذكور في سند الحديث المقبري لنزوله ناحية المقابر بالمدينة النبوية ، وقوله : " قال أبو عبد الله " إلى آخره إنما يثبت في رواية الكشميهني وحده .
( قال أبو عبد الله : وسعيد المقبري هو مولى بني ليث ، وهو سعيد بن أبي سعيد ، واسم أبي سعيد كيسان ) . هذا أيضا في رواية الكشميهني وحده ، وأبو عبد الله هو البخاري ، وكان اسم أبي سعيد كيسان ، كان مكاتبا لامرأة من أهل المدينة من بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة ، وكيسان روى عن : عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وأبي هريرة ، وأبي سعيد ج١٢ / ص٢٩٥الخدري ، وروى عنه ابنه سعيد وآخرون ، وقال محمد بن عمر : كان ثقة كثير الحديث ، توفي سنة مائة في خلافة عمر بن عبد العزيز ، وقال الحربي : جعله عمر رضي الله تعالى عنه على حفر القبور فسمي المقبري ، وأما ابنه سعيد فروى عن : أبي هريرة ، وأنس بن مالك ، وجابر بن عبد الله ، وعبد الله بن عمر ، ومعاوية بن أبي سفيان ، وأبي سعيد الخدري ، وعائشة ، وأم سلمة ، وآخرين ، وقال علي بن المديني ، ومحمد بن سعد ، وأبو زرعة والنسائي وآخرون : ثقة . وكذا قال ابن خراش وزاد : جليل ، أثبت الناس فيه الليث .
وقال محمد بن سعد : مات سنة ثلاث وعشرين ومائة بالمدينة ، روى له الجماعة وآخرون .