حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه

حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، قال : حدثني إبراهيم بن سعد ، عن صالح ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني عروة بن الزبير ، أن زينب بنت أم سلمة ، أخبرته أن أمها أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أخبرتها عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، أنه سمع خصومة بباب حجرته ، فخرج إليهم ، فقال : إنما أنا بشر ، وإنه يأتيني الخصم ، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض ، فأحسب أنه صدق فأقضي له بذلك ، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار ، فليأخذها ، أو فليتركها . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : فإنما هي قطعة من النار . ( ذكر رجاله ) ، وهم سبعة : الأول : عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى الأويسي .

الثاني : إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف . الثالث : صالح بن كيسان مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز . الرابع : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري .

الخامس : عروة بن الزبير بن العوام . السادس : زينب بنت أم سلمة ، وهي بنت أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد ، وكان اسمها برة ، فسماها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ زينب ، سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عند البخاري . السابع : أمها أم سلمة ، واسمها هند بنت أبي أمية .

ذكر لطائف إسناده ، فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه الإخبار بصيغة الإفراد في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وفيه أن رواته كلهم مدنيون ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن التابعي ، وهم صالح على قول من قال : رأى عبد الله بن عمر ، والزهري ، وعروة ، وفيه رواية الصحابية عن الصحابية رضي الله تعالى عنهم . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الأحكام ، عن أبي اليمان ، وفي الشهادات والأحكام أيضا ، عن القعنبي ، عن مالك ، وفي ترك الحيل عن محمد بن كثير ، وأخرجه مسلم في القضاء ، عن يحيى بن يحيى ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعن أبي كريب ، وعن عمرو الناقد ، وعن حرملة بن يحيى ، وعن عبد بن حميد ، وأخرجه أبو داود في الأحكام مختصرا ، عن هارون بن إسحاق ، ولم يذكره المزي في ( الأطراف ) فكأنه غفل عنه . ( ذكر معناه ) .

قوله : إنما أنا بشر ، أي : لا أعلم الغيب ، وبواطن الأمور ، كما هو مقتضى الحالة البشرية ، وأنه إنما يحكم بالظاهر ، والله يتولى السرائر ، ولو شاء الله لأطلعه على باطن الأمور حتى يحكم باليقين لكن أمر الله أمته بالاقتداء به ، فأجرى أحكامه على الظاهر لتطيب نفوسهم للانقياد . قوله : أبلغ من بعض ، أي : أفصح ببيان حجته ، وقال الزجاج : بلغ الرجل يبلغ بلاغة ، وهو بليغ إذا كان يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه ، وقال غيره : البلاغة إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ ، وقيل : الإيجاز مع الإفهام والتصرف من غير إضمار ، وذكر ابن رشيق في ( العمدة ) ، ومن خطه فيما قيل البلاغة قليل يفهم ، وكثير لا يسأم ، وقال آخر : البلاغة إجاعة اللفظ ، وإشباع المعنى ، وقال آخر : البليغ أسهلهم لفظا ، وأحسنهم بديهة ، وقال خلف الأحمر البلاغة : لمحة دالة ، وقال الخليل : البلاغة كلمة تكشف عن البغية ، وقيل : الإيجاز من غير عجز ، والإطناب من غير خطأ ، وقيل : البلاغة معرفة الوصل والفصل ، وقيل : أن يدل أول الكلام على آخره ، وآخره على أوله ، وفي حديث أبي هريرة رواه ابن أبي شيبة : ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، فمن قطعت له من حق أخيه قطعة ، فإنما أقطع له قطعة من النار ، واللحن بالتحريك . قال الخطابي الفطنة ، وقد لحن بالكسر يلحن لحنا بسكون الحاء الخطأ في الإعراب .

قوله : فأحسب بالنصب عطف على قوله : أن يكون أبلغ ، وأدخل أن تشبيها للعل بعسى . قوله : فمن قضيت ، أي : حكمت له بحق مسلم إنما ذكر مسلما تغليبا أو اهتماما بحاله ، أو نظرا إلى لفظ بعضكم ، فإنه خطاب للمؤمنين . قوله : قطعة من النار ، أي : هو حرام مآله النار .

قوله : فليأخذها ، أمر تهديد لا تخيير كقوله تعالى : فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ وكقوله : اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه دلالة على الحكم بالظاهر تشريفا للأمة ، وهو كقوله : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، وقوله في حديث المتلاعنين : لولا الأيمان لكان لي ولها شأن ، وقال القرطبي : وقد روي في هذا : إنما أحكم بما أسمع ، و إنما للحصر ، فكأنه قال : لا أحكم إلا بما أسمع ، وقد اختلف في هذا ، فقال مالك في المشهور عنه : إن الحاكم لا يحكم بعلمه في شيء ، وبه قال أحمد ، وإسحاق ، وأبو عبيد ، والشعبي ، وروي عن شريح ، وذهبت طائفة إلى أنه يقضي بعلمه في كل شيء من الأموال والحدود ، وبه قال أبو ثور ، وهو أحد قولي الشافعي . وذهبت طائفة إلى التفريق ، فمنهم من قال : يقضي بعلمه بما سمعه في مجلس قضائه خاصة لا قبله ، ولا في غيره إذا لم يحضر مجلسه بينة في الأموال بعلمه خاصة ، وهو قول الأوزاعي ، وجماعة من أصحاب مالك ، وحكوه عنه أيضا ، ومنهم من قال : يحكم بما سمعه في مجلس قضائه وفي غيره لا قبل قضائه ، ولا في غير مصره في الأموال خاصة ، سواء سمع ذلك في مجلس قضائه ، أو في غيره لا قبل ولايته أو بعدها ، وبه قال أبو يوسف ، ومحمد ، وهو أحد قولي الشافعي ، قال : وذهب بعض أصحابنا إلى أنه يقضي بعلمه في الأموال ، والقذف خاصة ، ولم يشترط مجلس القضاء ، واتفقوا على أنه يحكم بعلمه في الجرح والتعديل ؛ لأن ذلك ضروري في حقه ، وقال المهلب : دل الحديث على أن القوي على البيان البليغ في تأدية الحجة يبلغ بالباطل ما يقضي له على خصمه ، وليس ذلك مما يحل له ما حرم الله عليه ، وهو معنى قوله تعالى : وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ وفيه دلالة أن البينة مسموعة بعد اليمين ، وهو الذي فهمه البخاري ، وبوب له بعد باب من أقام البينة بعد اليمين ، وفيه دلالة على حكمه صلى الله تعالى عليه وسلم بالاجتهاد . قال عياض : وهو قول المحققين ، قاله الخطابي ، وفيه دليل على أنه ليس كل مجتهد مصيبا ، وأن إثم الخطأ مرفوع عنه إذا اجتهد ، وفيه العمل بالظن ، قال : فأحسب أنه صدق ، وهو أمر لم يختلف فيه في حق الحاكم ، وقال الطحاوي : ذهب قوم إلى أن كل ما يقضي به الحاكم من تمليك مال ، وإزالة ملك ، أو إثبات نكاح ، أو طلاق ، أو ما أشبه ذلك على ما حكم ، وإن كان في الباطن على خلاف ما شهد به الشاهدان ، وعلى خلاف ما حكم بشهادتهما على الحكم الظاهر لم يكن قضاء القاضي موجبا شيئا من تمليك ، ولا تحليل ، ولا تحريم ، وممن قال ذلك أبو يوسف ، وخالفهم آخرون فقالوا : ما كان ذلك من تمليك مال فهو على حكم الباطن ، وما كان من ذلك من قضاء بطلاق أو نكاح بشهود ظاهرهم العدالة ، وباطنهم الجرحة فحكم الحاكم بشهادتهم على ظاهرهم فإنه ينفذ ظاهرا ، وباطنا ، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث