حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره

حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قال : لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبه في جداره . ثم يقول أبو هريرة : ما لي أراكم عنها معرضين ؟ والله لأرمين بها بين أكتافكم . مطابقته للترجمة من حيث إنهما سواء ، ورجاله قد ذكروا غير مرة ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز .

والحديث أخرجه مسلم في البيوع ، عن يحيى بن يحيى ، وعن زهير بن حرب ، وعن أبي الطاهر ، وحرملة بن يحيى ، وعن عبد بن حميد . وأخرجه أبو داود في القضاء ، عن مسدد ، ومحمد بن أحمد بن أبي خلف . وأخرجه الترمذي في الأحكام ، عن سعيد بن عبد الرحمن ، وأخرجه ابن ماجه ، عن هشام بن عمار ، ومحمد بن الصباح .

( ذكر معناه ) . قوله : عن مالك ، عن ابن شهاب كذا في ( الموطأ ) ، وقال خالد بن مخلد ، عن مالك ، عن أبي الزناد بدل ابن شهاب ، وقال بشر بن عمر ، عن مالك ، عن الزهري ، عن أبي سلمة بدل الأعرج ، ووافقه هشام بن يوسف ، عن مالك ، ومعمر ، عن الزهري . ورواه الدارقطني في ( الغرائب ) ، وقال المحفوظ عن مالك : الأول : وقال في ( العلل ) رواه هشام الدستوائي ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب بدل الأعرج ، وكذا قال عقيل ، عن الزهري ، وقال ابن أبي حفصة ، عن الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن بدل الأعرج ، والمحفوظ عن الزهري ، عن الأعرج .

وبذلك جزم ابن عبد البر أيضا ، ثم أشار إلى أنه يحتمل أن يكون عند الزهري عن الجميع . قوله : لا يمنع بالجزم على أن كلمة لا ناهية ، وفي رواية أبي ذر بالرفع على أن لا نافية خبر بمعنى النهي ، وفي رواية أحمد : لا يمنعن بزيادة نون التأكيد ، وفي رواية ابن ماجه : لا ضرر ولا ضرار ، وللرجل أن يضع خشبة في حائط جاره . قوله : أن يغرز ، أي : بأن يغرز ، وكلمة أن مصدرية ، أي : بغرز خشبة في جدار جاره .

قوله : ثم يقول أبو هريرة ، وفي رواية أبي داود ، عن ابن عيينة ، عن الزهري ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : إذا استأذن أحدكم أخاه أن يغرز خشبة في جداره فلا يمنعه فنكسوا ، فقال أبو هريرة : ما لي أراكم قد أعرضتم لألقينها بين أكتافكم . وفي رواية أحمد : فلما حدثهم أبو هريرة بذلك طأطئوا رءوسهم . قوله : عنها ، أي : عن هذه المقالة ، أو عن هذه السنة .

قوله : لأرمين بها ، وفي رواية : لأرمينها ، وفي رواية أبي داود : لألقينها ، كما مرت الآن . قوله : بين أكتافكم . قال ابن عبد البر : رويناه في ( الموطأ ) بالتاء المثناة ، وبالنون ، يعني بالوجهين : بأكتافكم جمع كتف بالتاء ، وبأكنافكم بالنون جمع كنف ، وهو الجانب .

قال الخطابي : معناه : إن لم تقبلوا هذا الحكم ، وتعملوا به راضين لأجعلنها ، أي : الخشبة على رقابكم كارهين ، وأراد بذلك المبالغة ، ووقع ذلك من أبي هريرة حين كان يلي إمرة المدينة لمروان ، ووقع في رواية عند ابن عبد البر من وجه آخر : لأرمين بها بين أعينكم ، وإن كرهتم . ( ذكر ما يستفاد منه ) اختلف العلماء في معنى هذا الحديث ، فقال قوم : معناه الندب إلى بر الجار ، وليس على الوجوب ، وبه قال أبو حنيفة ، ومالك ، وروى ابن عبد الحكم ، عن مالك قال : ليس يقضي على رجل أن يغرز خشبة في جدار جاره ، وإنما نرى أن ذلك كان من رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وسَلَّمَ على الوصاءة بالجار . قال : وأكثر علماء السلف أن ذلك على الندب ، وحملوه على معنى قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها .

وقد مر في حديث أبي داود : إذا استأذن أحدكم أخاه ، وقيد بعضهم الوجوب بالاستئذان ، وقال قوم : هو واجب إذا لم يكن في ذلك مضرة على صاحب الجدار ، وبه قال الشافعي ، وأحمد ، وداود ، وأبو ثور ، وجماعة من أصحاب الحديث ، وهو مذهب عمر بن الخطاب ، وروى الشافعي عن مالك بسند صحيح أن الضحاك بن خليفة سأل محمد بن مسلمة أن يسوق خليجا له فيمر به في أرض محمد بن مسلمة ، فامتنع ، فكلمه عمر رضي الله تعالى عنه في ذلك فأبى ، فقال : والله ليمرن به ولو على بطنك فحمل عمر الأمر على ظاهره ، وعداه إلى كل ما يحتاج الجار إلى الانتفاع به من دار جاره وأرضه ، وقال بعضهم : وقد قوى الشافعي في القديم القول بالوجوب بأن عمر رضي الله تعالى عنه قضى به ، ولم يخالفه أحد من أهل عصره ، وكان اتفاقا منهم على ذلك . انتهى . ( قلت ) : هذا مجرد دعوى يحتاج إلى إقامة دليل ، وعن الشافعي في الجديد قولان : أشهرهما اشتراط إذن المالك ، فإن امتنع لم يجبر ، وهو قول أصحابنا ، وحملوا الأمر فيما جاء من الحديث على الندب ، والنهي على التنزيه جمعا بينه وبين الأحاديث الدالة على تحريم مال المسلم إلا برضاه ، وهو كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم : ما زال جبريل عليه الصلاة والسلام يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ، وكقوله : ما آمن من بات شبعان وجاره طاو .

وقيل : إن الهاء في جداره يرجع إلى الغارز ؛ لأن الجدار إذا كان بين اثنين ، وهو لأحدهما فأراد صاحبه أن يضع عليه الجذوع ويبني ربما منعه جاره لئلا يشرف عليه فأخبر الشارع أنه لا يمنعه ذلك . وقال ابن التين : عورض هذا بأنه إحداث قول ثالث في معنى الخبر ، وذلك ممنوع عند أكثر الأصوليين ، ولا يسلم له والله أعلم .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث