باب الغرفة والعلية المشرفة وغير المشرفة في السطوح وغيرها
حدثنا يحيى بن بكير ، قال : حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور ، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : لم أزل حريصا على أن أسأل عمر رضي الله عنه عن المرأتين من أزواج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ اللتين قال الله لهما : إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ، فحججت معه فعدل وعدلت معه بالإداوة ، فتبرز حتى جاء فسكبت على يديه من الإداوة فتوضأ ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، من المرأتان من أزواج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ اللتان قال لهما : إن تتوبا إلى الله ؟ فقال : واعجبى لك يا ابن عباس ؛ عائشة وحفصة ، ثم استقبل عمر الحديث يسوقه ، فقال : إني كنت وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد ، وهي من عوالي المدينة ، وكنا نتناوب النزول على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، فينزل هو يوما ، وأنزل يوما ، فإذا نزلت جئته من خبر ذلك اليوم من الأمر وغيره ، وإذا نزل فعل مثله ، وكنا معشر قريش نغلب النساء ، فلما قدمنا على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم ، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار ، فصحت على امرأتي فراجعتني ، فأنكرت أن تراجعني ، فقالت : ولم تنكر أن أراجعك ؟ فوالله إن أزواج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ليراجعنه ، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل ، فأفزعني فقلت : خابت من فعل منهن بعظيم ، ثم جمعت علي ثيابي فدخلت على حفصة فقلت : أي حفصة ، أتغاضب إحداكن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ اليوم حتى الليل ؟ فقالت : نعم ، فقلت : خابت وخسرت ، أفتأمن أن يغضب الله لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم فتهلكين ، لا تستكثري على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، ولا تراجعيه في شيء ، ولا تهجريه ، واسأليني ما بدا لك ، ولا يغرنك أن كانت جارتك هي أوضأ منك ، وأحب إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، يريد عائشة ، وكنا تحدثنا أن غسان تنعل النعال لغزونا ، فنزل صاحبي يوم نوبته فرجع عشاء فضرب بابي ضربا شديدا ، وقال : أنائم هو ؟ ففزعت فخرجت إليه ، وقال : حدث أمر عظيم . ( قلت ) : ما هو ؟ أجاءت غسان ؟ قال : لا ، بل أعظم منه وأطول ؛ طلق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ نساءه . قال : قد خابت حفصة وخسرت ، كنت أظن أن هذا يوشك أن يكون ، فجمعت علي ثيابي فصليت صلاة الفجر مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، فدخل مشربة له فاعتزل فيها ، فدخلت على حفصة فإذا هي تبكي .
قلت : ما يبكيك ؟ أولم أكن حذرتك ؟ أطلقكن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ؟ قالت : لا أدري هو ذا في المشربة ، فخرجت فجئت المنبر فإذا حوله رهط يبكي بعضهم ، فجلست معهم قليلا ثم غلبني ما أجد ، فجئت المشربة التي هو فيها ، فقلت لغلام له أسود : استأذن لعمر ، فدخل فكلم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثم خرج ، فقال : ذكرتك له فصمت فانصرفت حتى جلست مع الرهط الذين عند المنبر ، ثم غلبني ما أجد ، فجئت فذكر مثله فجلست مع الرهط الذين عند المنبر ، ثم غلبني ما أجد فجئت الغلام فقلت : استأذن لعمر فذكر مثله ، فلما وليت منصرفا ، فإذا الغلام يدعوني ، قال : أذن لك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، فدخلت عليه فإذا هو مضطجع على رمال حصير ليس بينه وبينه فراش ، قد أثر الرمال بجنبه متكئ على وسادة من أدم حشوها ليف ، فسلمت عليه ثم قلت وأنا قائم : طلقت نساءك ؟ فرفع بصره إلي ، فقال : لا ، ثم قلت وأنا قائم : أستأنس يا رسول الله ، لو رأيتني وكنا معشر قريش نغلب النساء ، فلما قدمنا على قوم تغلبهم نساؤهم فذكره ، فتبسم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، ثم قلت : لو رأيتني ، ودخلت على حفصة فقلت : لا يغرنك أن كانت جارتك هي أوضأ منك ، وأحب إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يريد عائشة - فتبسم أخرى ، فجلست حين رأيته تبسم ، ثم رفعت بصري في بيته ، فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر غير أهبة ثلاثة ، فقلت : ادع الله فليوسع على أمتك ؛ فإن فارس والروم وسع عليهم ، وأعطوا الدنيا ، وهم لا يعبدون الله ، وكان متكئا ، فقال : أوفي شك أنت يا ابن الخطاب ؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا ، فقلت : يا رسول الله ، استغفر لي ، فاعتزل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة ، وكان قد قال : ما أنا بداخل عليهن شهرا من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله ، فلما مضت تسع وعشرون دخل على عائشة ، فبدأ بها ، فقالت له عائشة : إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا ، وإنا أصبحنا لتسع وعشرين ليلة أعدها عدا ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : الشهر تسع وعشرون ، وكان ذلك الشهر تسع وعشرون ، قالت عائشة : فأنزلت آية التخيير ، فبدأ بي أول امرأة ، فقال : إني ذاكر لك أمرا ، ولا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك ، قالت : قد أعلم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقك ، ثم قال : إن الله قال : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إلى قوله : عَظِيمًا قلت : أفي هذا أستأمر أبوي ؛ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ، ثم خير نساءه فقلن مثل ما قالت عائشة . مطابقته للترجمة في قوله : فدخل مشربة له ؛ لأن المشربة هي الغرفة ، قاله ابن الأثير وغيره ، وقد ذكرها في الترجمة باسمها الآخر ، وهي الغرفة ، وهي بفتح الميم ، وضم الراء ، وفتحها ، والمشربة بفتح الميم ، وفتح الراء ، الموضع الذي يشرب منه كالمشرعة ، والمشربة ، بكسر الميم آلة الشرب . وعقيل ، بضم العين ، وعبيد الله بن عبد الله بتصغير الابن وتكبير الأب ، وأبو ثور بالثاء المثلثة المفتوحة .
وقال الحافظ الدمياطي : قال الخطيب في ( تكملته ) : لا أعلم روى عن عبيد الله هذا إلا الزهري ، ولا أعلمه حدث عن غير ابن عباس . ( قلت ) : خرج أبو داود وابن ماجه حديث محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور ، عن ابن عباس في طواف النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وسَلَّمَ عام الفتح على البعير ، وقد مضى بعض هذا الحديث في كتاب العلم في باب التناوب في العلم ، عن أبي اليمان ، عن شعيب ، عن الزهري ، وذكرنا هناك تعدد موضعه ومن أخرجه غيره . ( ذكر معناه ) .
قوله : فعدل ، أي : عن الطريق . قوله : بالإداوة ، بكسر الهمزة ، وهي إناء صغير من جلد يتخذ للماء كالسطيحة ونحوها ، ويجمع على أداوى . قوله : فتبرز أصله خرج إلى الفضاء لقضاء الحاجة .
قوله : واعجبى لك ، بالألف في آخره ، ويروى : واعجبا بالتنوين ، نحو : يا رجلا ، كأنه يندب على التعجب ، وهو إما تعجب من جهله بذلك ، وهو كان مشهورا بينهم بعلم التفسير ، وإما من حرصه على سؤاله عما ما لا يتنبه له إلا الحريص على العلم من تفسير ما لا حكم فيه من القرآن . وقال ابن مالك : وا في واعجبا اسم فعل إذا نون عجبا بمعنى أعجب ، ومثله : وي ، وجيء بعده بقوله : عجبا توكيدا ، وإذا لم ينون فالأصل فيه : واعجبي فأبدلت الياء ألفا ، وفيه شاهد على استعمال وا في غير الندبة ، كما هو رأي المبرد ، وقال في ( الكشاف ) قاله تعجبا ، كأنه كره ما سأله عنه . قوله : عائشة وحفصة ، أي : المرأتان اللتان قال الله تعالى : إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ الآية ، هما عائشة وحفصة .
قوله : يسوقه ، جملة حالية . قوله : وجار لي من الأنصار ، جار مرفوع ؛ لأنه عطف على الضمير الذي في كنت على مذهب الكوفيين ، وفي روايته في باب التناوب في كتاب العلم : كنت أنا وجار لي ، هذا على مذهب البصريين ؛ لأن عندهم لا يصح العطف بدون إظهار أنا حتى لا يلزم عطف الاسم على الفعل ، والكوفيون لا يشترطون ذلك ، وكلمة من في من الأنصار بيانية ، والمراد من هذا الجار هو عتبان بن مالك بن عمرو العجلاني الأنصاري الخزرجي . قوله : في بني أمية بن زيد ، في محل الجر على الوصفية ، أي : الكائنين في بني أمية بن زيد ، أو المستقرين .
قوله : وهي راجعة إلى أمكنة بني أمية . قوله : من عوالي المدينة ، وهي القرى بقرب المدينة . وقال ابن الأثير : العوالي أماكن بأعلى أراضي المدينة ، والنسبة إليها علوي على غير قياس ، وأدناها من المدينة على أربعة أميال ، وأبعدها من جهة نجد ثمانية .
قوله : فينزل يوما ، الفاء فيه تفسيرية ، تفسر التناوب المذكور . قوله : من الأمر ، أي : الوحي إذ اللام للمعهود عندهم ، أو الأوامر الشرعية . قوله : وغيره ، أي : وغير الأمر من أخبار الدنيا .
قوله : معشر قريش ، أي : جمع قريش . قوله : إذا هم كلمة إذا للمفاجأة ، والمعنى : فلما قدمنا على الأنصار فاجأناهم تغلبهم نساؤهم ، وليست لهم شدة وطأة عليهن . قوله : فطفق نساؤنا ، بكسر الفاء ، وفتحها ، ومعنى طفق في الفعل أخذ فيه ، وهو من أفعال المقاربة ، قال الله تعالى : وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ أي : أخذا في ذلك .
قوله : فراجعتني ، أي : ردت علي الجواب . قوله : حتى الليل ، أي : إلى الليل . قوله : بعظيم ، أي : بأمر عظيم .
قوله : ثم جمعت علي ثيابي ، أي : لبستها . قوله : أي حفصة ، أي : يا حفصة . قوله : ما بدا لك ، أي : ما كان لك من الضرورات .
قوله : أن كانت جارتك ، أي : بأن كانت ، فأن مصدرية ، أي : ولا يغرنك كون جارتك أضوأ منك ، أي : أزهر وأحسن ، ويروى : أوضأ من الوضاءة ، أي : من أجمل وأنظف . والمراد من الجارة الضرة ، والمراد بها عائشة رضي الله تعالى عنها ، وفسر ذلك بقوله : يريد عائشة . قوله : غسان ، على وزن فعال ، بالتشديد اسم ماء من جهة الشام نزل عليه قوم من الأزد ، فنسبوا إليه منهم بنو جفنة رهط الملوك ، ويقال هو اسم قبيلة .
قوله : تنعل ، بضم التاء المثناة من فوق ، وسكون النون من إنعال الدواب ، وأصله تنعل الدواب النعال ؛ لأنه يتعدى إلى المفعولين ، فحذف أحدهما ، وإنما قلنا ذلك ؛ لأن النعال لا تنعل ، ويروى تنعل البغال جمع بغل بالباء الموحدة ، والغين المعجمة . قوله : عشاء نصب على الظرفية ، أي : في عشاء . قوله : فضرب بابي فيه حذف ، وهو عطف عليه ، أي : فسمع اعتزال الرسول صلى الله عليه وسلم عن زوجاته فرجع إلى العوالي ، فجاء إلى بابي فضرب ، والفاء فيه تسمى بالفاء الفصيحة ؛ لأنها تفصح عن المقدر .
قوله : أنائم هو ؟ الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار . قوله : ففزعت ، أي : فخفت ، القائل هو عمر ، الفاء فيه للتعليل ، أي : لأجل الضرب الشديد فزعت . قوله : يوشك أن يكون ، أي : يقرب كونه ، وهو من أفعال المقاربة ، يقال : أوشك يوشك إيشاكا فهو موشك ، وقد وشك وشكا ووشاكة .
قوله : مشربة له ، قد ذكرنا أن المشربة هي الغرفة الصغيرة ، وكذا قال ابن فارس ، وقال ابن قتيبة : هي كالصفة بين يدي الغرفة . وقال الداودي : هي الغرفة الصغيرة ، وقال ابن بطال : المشربة الخزانة التي يكون فيها طعامه وشرابه ، وقيل لها : مشربة فيما أرى ؛ لأنهم كانوا يخزنون فيها شرابهم ، كما قيل للمكان الذي تطلع عليه الشمس ويشرق فيه صاحبه : مشرقة . قوله : لغلام له أسود ، قيل اسمه رباح ، بفتح الراء ، وتخفيف الباء الموحدة ، وبالحاء المهملة .
قوله : منصرفا ، نصب على الحال . قوله : فإذا الغلام ، كلمة إذا للمفاجأة . قوله : على رمال حصير بالإضافة .
وقال الكرماني : الرمال ، بضم الراء ، وخفة الميم ، المرمول ، أي : المنسوج . قال أبو عبيد : رملت ، وأرملت ، أي : نسجت ، وقال الخطابي : رمال الحصير ضلوعه المتداخلة بمنزلة الخيوط في الثوب المنسوج ، وقال ابن الأثير : الرمال ما رمل ، أي : نسج ، يقال : رمل الحصير وأرمله فهو مرمول ومرمل ، ورملته شدد للتكثير ، ويقال : الرمال جمع رمل بمعنى مرمول كخلق الله بمعنى مخلوق ، والمراد أنه كأن السرير قد نسج وجهه بالسعف ، ولم يكن على السرير وطاء سوى الحصير . قوله : متكئ خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو متكئ .
قوله : على وسادة ، بكسر الواو ، وهي المخدة . قوله : من أدم بفتحتين ، وهو اسم لجمع أديم ، وهو الجلد المدبوغ المصلح بالدباغ . قوله : طلقت نساءك ، همزة الاستفهام فيه مقدرة ، أي : أطلقت .
قوله : أستأنس ، أي : أتبصر هل يعود رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى الرضا ، أو هل أقول قولا أطيب به وقته ، وأزيل منه غضبه . قوله : غير أهبة بالفتحات جمع إهاب على غير القياس ، والإهاب الجلد الذي لم يدبغ ، والقياس أن يجمع الإهاب على أهب بضمتين . قوله : فليوسع ، هذه الفاء عطف على محذوف ؛ لأنه لا يصلح أن يكون جوابا للأمر ؛ لأن مقتضى الظاهر أن يقال :ادع الله أن يوسع ، وتقدير الكلام هكذا ، وقوله : فليوسع عطف عليه للتأكيد .
قوله : أفي شك يعني هل أنت في شك ، والمشكوك هو المذكور بعده ، وهو تعجيل الطيبات . قوله : استغفر لي ، طلب الاستغفار إنما كان عن جراءته على مثل هذا الكلام في حضرة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، وعن استعظامه التجملات الدنياوية . قوله : فاعتزل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، ابتداء كلام من عمر رضي الله تعالى عنه بعد فراغه من كلامه الأول فلذلك عطفه بالفاء .
قوله : من أجل ذلك الحديث ، أي : اعتزاله إنما كان من أجل إفشاء ذلك الحديث ، وهو ما روي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ خلا بمارية في يوم عائشة ، وعلمت بذلك حفصة ، فقال لها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : اكتمي علي ، وقد حرمت مارية على نفسي ، ففشت حفصة إلى عائشة ، فغضبت عائشة حتى حلف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنه لا يقربهن شهرا ، وهو معنى قوله : ما أنا بداخل عليهن شهرا . قوله : من شدة موجدته ، أي : من شدة غضبه ، والموجدة مصدر ميمي من وجد يجد وجدا وموجدة . قوله : حين عاتبه الله تعالى ، ويروى : حتى عاتبه الله ، وهذه هي الأظهر ، وعاتبه الله تعالى بقوله : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ قوله : لتسع وعشرين ليلة ، باللام في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره بتسع بالباء الموحدة .
قوله : الشهر تسع وعشرون ، أي : الشهر الذي آليت به تسع وعشرون ، وأشار به إلى أنه كان ناقصا يوما . قوله : وكان ذلك الشهر تسع وعشرون ، ويروى : تسعا وعشرين ، وجه الرواية الأولى أن كان فيها تامة ، فلا يحتاج إلى خبر ، وتسع بالرفع يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف ، أي : وجد ذلك الشهر ، وهو تسع وعشرون ، ويجوز أن يكون بدلا من الشهر ، وفي الرواية الثانية أن كان ناقصة ، وتسعا وعشرين خبرها . قوله : فأنزلت آية التخيير ، وهي قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا إلى قوله : أَجْرًا عَظِيمًا اختلف العلماء هل خيرهن في الطلاق ، أو بين الدنيا والآخرة ، وهل اختيارها صريح أو كناية ، وهل هو فرقة أم لا ، وهل هو بالمجلس أو بالعرف ، وقال القرطبي : اختلف العلماء في كيفية تخيير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أزواجه على قولين : الأول : خيرهن بإذن الله تعالى في البقاء على الزوجية أو الطلاق فاخترن البقاء .
الثاني : خيرهن بين الدنيا فيفارقهن وبين الآخرة فيمسكهن ، ولم يخيرهن في الطلاق ، ذكره الحسن وقتادة ، ومن الصحابة علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ، فيما رواه أحمد بن حنبل عنه أنه قال : لم يخير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ نساءه إلا بين الدنيا والآخرة ، وقالت عائشة : خيرهن بين الطلاق والمقام معه ، وبه قال مجاهد ، والشعبي ، ومقاتل . واختلفوا في سببه ، فقيل : لأن الله خيره بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة ، فاختار الآخرة على الدنيا ، فلما اختار ذلك أمر الله بتخيير نسائه ليكن على مثل حاله ، وقيل : لأنهن تغايرن عليه فآلى منهن شهرا ، وقيل : لأنهن اجتمعن يوما فقلن : نريد ما يريد النساء من الحلي حتى قال بعضهن : لو كنا عند غير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، إذن لكان لنا شأن ، وثياب ، وحلي ، وقيل : لأن الله تعالى صان خلوة نبيه صلى الله عليه وسلم فخيرهن على أن لا يتزوجن بعده ، فلما أجبن إلى ذلك أمسكهن ، وقيل : لأن كل واحدة طلبت منه شيئا ، وكان غير مستطيع ، فطلبت أم سلمة معلما ، وميمونة حلة يمانية ، وزينب ثوبا مخططا ، وهو البرد اليماني ، وأم حبيبة ثوبا سحوليا ، وحفصة ثوبا من ثياب مصر ، وجويرية معجرا ، وسودة قطيفة خيبرية ، إلا عائشة فلم تطلب منه شيئا ، وكانت تحته صلى الله عليه وسلم تسع نسوة ، خمس من قريش : عائشة ، وحفصة بنت عمر ، وأم حبيبة بنت أبي سفيان ، وسودة بنت زمعة ، وأم سلمة بنت أبي الحارث الهلالية . وأربع من غير قريش : صفية بنت حيي الخيبرية ، وميمونة بنت الحارث ، وزينب بنت جحش الأسدية ، وجويرية بنت الحارث المصطلقية .
قوله : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ قال المفسرون : كان أزواج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ سألنه شيئا من عرض الدنيا ، وآذينه بزيادة النفقة ، والغيرة ، فغم ذلك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فهجرهن وآلى أن لا يقربهن شهرا ، ولم يخرج إلى أصحابه في الصلاة ، فقالوا : ما شأنه ؟ قال عمر رضي الله عنه : إن شئتم لأعلمن لكم ما شأنه ، فأتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فجرى منه ما ذكر في حديث الباب ، وذكروا أيضا أن عمر رضي الله عنه تتبع نساء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، فجعل يكلمهن لكل واحدة بكلام ، فقالت أم سلمة : يا ابن الخطاب ، أوما بقي لك إلا أن تدخل بين رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبين نسائه ، من يسأل المرأة إلا زوجها ، فأنزل الله تعالى هذه الآية بالتخيير ، فبدأ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بعائشة ، وكانت أحبهن إليه فخيرها ، وقرأ عليها القرآن فاختارت الله ، ورسوله ، والدار الآخرة ، فرئي الفرح في وجه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، وتتابعتها بقية النسوة ، واخترن اختيارها ، وقال قتادة : فلما اخترن الله ورسوله شكر لهن الله على ذلك ، وقصره عليهن ، فقال : لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ قوله : فَتَعَالَيْنَ أصل تعال أن يقول من في المكان المرتفع لمن في المكان المستوطئ ، ثم كثر حتى استقر استعماله في الأمكنة كلها ، ومعنى تعالين : أقبلن ، ولم يرد نهوضهن إليه بأنفسهن . قوله : وَأُسَرِّحْكُنَّ يعني الطلاق سراحا جميلا من غير إضرار طلاقا بالسنة ، وقرئ بالرفع على الاستئناف . قوله : وَالدَّارَ الآخِرَةَ يعني الجنة .
قوله : مِنْكُنَّ يعني اللاتي آثرن الآخرة . أَجْرًا عَظِيمًا وهو الجنة . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه أن المحدث قد يأتي بالحديث على وجهه ، ولا يختصر ؛ لأنه قد كان يكتفي حين سأله ابن عباس عن المرأتين بما كان يخبره منه أنهما عائشة وحفصة ، وفيه موعظة الرجل ابنته ، وإصلاح خلقها لزوجها .
وفيه الحزن والبكاء لأمور رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وما يكرهه ، والاهتمام بما يهمه . وفيه الاستئذان والحجابة للناس كلهم كان مع المستأذن عيال أو لم يكن . وفيه الانصراف بغير صرف من المستأذن عليه .
ومن هذا الحديث قال بعض العلماء : إن السكوت يحكم به كما حكم عمر رضي الله تعالى عنه بسكوت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عن صرفه إياه . وفيه التكرير بالاستئذان . وفيه أن للسلطان أن يأذن أو يسكت أو يصرف ، وفيه تقلله صلى الله عليه وسلم من الدنيا وصبره على مضض ذلك ، وكانت له عنه مندوحة ، وفيه أنه يسأل السلطان عن فعله إذا كان ذلك مما يهم أهل طاعته .
وفيه قوله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله تعالى عنه : لا ردا لما أخبر به الأنصاري من طلاق نسائه ، ولم يخبر عمر بما أخبره به الأنصاري رضي الله تعالى عنه ، ولا شكاه لعلمه أنه لم يقصد الإخبار بخلاف القصة ، وإنما هو وهم جرى عليه . وفيه الجلوس بين يدي السلطان ، وإن لم يأمر به إذا استؤنس منه إلى انبساط خلق . وفيه أن أحدا لا يجوز أن يسخط حاله ، ولا ما قسم الله له ، ولا سابق قضائه ؛ لأنه يخاف عليه ضعف يقينه .
وفيه أن التقلل من الدنيا لرفع طيباته إلى دار البقاء خير حال ممن يعجلها في الدنيا الفانية ، والعجل لها أقرب إلى السفه . وفيه الاستغفار من السخط ، وقلة الرضا . وفيه سؤال من الشارع الاستغفار ، ولذلك يجب أن يسأل أهل الفضل والخير الدعاء ، والاستغفار .
وفيه أن المرأة تعاقب على إفشاء سر زوجها ، وعلى التحيل عليه بالأذى بالتوبيخ لها بالقول كما وبخ الله تعالى أزواج نبيه صلى الله عليه وسلم على تظاهرهما ، وإفشاء سره ، وعاتبهن بالإيلاء والاعتزال والهجران ، كما قال تعالى : وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وفيه أن الشهر يكون تسعة وعشرين يوما ، وفيه أن المرأة الرشيدة لا بأس أن تشاور أبويها ، أو ذوي الرأي من أهلها في أمر نفسها التي هي أحق بها من وليها ، وهي في المال أولى بالمشاورة لا على أن المشاورة لازمة لها إذا كانت رشيدة كعائشة رضي الله تعالى عنها . وفيه دليل لجواز ذكر العمل الصالح ، وهي في قول عبد الله بن عباس ، فحججت معه ، أي : مع عمر . وفيه الاستعانة في الوضوء إذ هو الظاهر من قوله : فتوضأ .
وقال ابن التين : ويحتمل الاستنجاء ، وذلك أن يصب الماء في يده اليمنى ثم يرسله حيث شاء ، وفيه رد الخطاب إلى الجمع بعد الإفراد ، وذلك في قوله : أفتأمن ، أي : إحداكن ، ثم قال : فتهلكن على رواية تهلكن ، بضم الكاف ، وبالنون المشددة ، قاله الداودي ، وفيه أن ضحكه صلى الله عليه وسلم التبسم إكراما لمن يضحك إليه . وقال جرير : ما رآني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ منذ أسلمت إلا تبسم . وفيه التخيير ، وقد استعمل السلف الاختيار بعده ، فعند الشافعي أن المرأة إذا اختارت نفسها فواحدة ، وهو قول عائشة ، وعمر بن عبد العزيز ، وذكر علي أنها إذا اختارت نفسها فثلاث ، وقال طاوس : نفس الاختيار لا يكون طلاقا حتى يوقعه .
وقال الداودي : إن واحدة من نسائه صلى الله عليه وسلم اختارت نفسها فبقيت إلى زمن عمر رضي الله تعالى عنه ، وكانت تأتي بالحطب بالمدينة فتبيعه ، وأنها أرادت النكاح فمنعها عمر فقالت : إن كنت من أمهات المؤمنين اضرب علي الحجاب ، فقال لها ولا كرامة ، وقيل : إنها رعت غنما ، والذي في ( الصحاح ) أنهن اخترن الله ، ورسوله ، والدار الآخرة . وقال الإمام الرازي الجصاص الحنفي : اختلف السلف فيمن خير امرأته ، فقال علي : إن اختارت زوجها فواحدة رجعية ، وإن اختارت نفسها فواحدة بائنة ، وعنه : إن اختارت زوجها فلا شيء ، وإن اختارت نفسها فواحدة بائنة ، وقال زيد بن ثابت في أمرك بيدك : إن اختارت نفسها فواحدة رجعية . وقال أبو حنيفة ، وصاحباه ، وزفر في الخيار بائنة ، اختارت زوجها فلا شيء ، وإن اختارت نفسها فواحدة بائنة إذا أراد الزوج الطلاق ، ولا يكون ثلاثا ، وإن نوى ، وقال ابن أبي ليلى ، والثوري ، والأوزاعي : إن اختارت زوجها فلا شيء ، وإن اختارت نفسها فواحدة ، وقال مالك في الخيار : إنه ثلاث إذا اختارت نفسها ، وإن طلقت نفسها بواحدة لم يقع شيء ، وقال النووي : مذهب مالك ، والشافعي ، وأبي حنيفة ، وأحمد ، وجماهير العلماء أن من خير زوجته فاختارت لم يكن ذلك طلاقا ، ولا يقع به فرقة ، وروي عن علي ، وزيد بن ثابت ، والحسن ، والليث أن نفس التخيير يقع به طلقة بائنة ، سواء اختارت زوجها أم لا ، وحكاه الخطابي وغيره عن مذهب مالك .
قال القاضي : لا يصح هذا عن مالك . وفيه جواز اليمين شهرا أن لا يدخل على امرأته ، ولا يكون بذلك موليا ؛ لأنه ليس من الإيلاء المعروف في اصطلاح الفقهاء ، ولا له حكمه ، وأصل الإيلاء في اللغة الحلف على الشيء ، يقال : منه آلى يؤلي إيلاء ، وتألى تأليا ، وايتلى ايتلاء ، وصار في عرف الفقهاء مختصا بالحلف عن الامتناع من وطء الزوجة ، ولا خلاف في هذا إلا ما حكي عن ابن سيرين ، أنه قال : الإيلاء الشرعي محمول على ما يتعلق بالزوجة من ترك جماع ، أو كلام ، أو إنفاق ، وسيجيء مزيد الكلام في مسائل الإيلاء المصطلح عليه في بابه إن شاء الله تعالى . وفيه جواز دق الباب وضربه ، وفيه جواز دخول الآباء على البنات بغير إذن أزواجهن ، والتفتيش عن الأحوال سيما عما يتعلق بالمزاوجة .
وفيه السؤال قائما . وفيه التناوب في العلم والاشتغال به . وفيه الحرص على طلب العلم .
وفيه قبول خبر الواحد ، والعمل بمراسيل الصحابة ، وفيه أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كان يخبر بعضهم بعضا بما يسمع من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، ويقولون : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، ويجعلون ذلك كالمسند ، إذ ليس في الصحابة من يكذب ، ولا غير ثقة . وفيه أن شدة الوطأة على النساء غير واجبة ؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سار بسيرة الأنصار فيهن ، وفيه فضل عائشة رضي الله تعالى عنها .