حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب النهبى بغير إذن صاحبه

حدثنا سعيد بن عفير ، قال : حدثني الليث ، قال : حدثنا عقيل ، عن ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن ، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن . مطابقته للترجمة في قوله : ولا ينتهب نهبة.. . إلى آخره .

قيل : لا مطابقة هنا ؛ لأن الترجمة مقيدة بغير الإذن ، والحديث مطلق ، وأجيب بأن الحديث أيضا مقيد بعدم الإذن ، وذلك لأن رفع البصر إليه لا يكون عادة إلا عند عدم الإذن ، وهذا هو فائدة ذكر الرفع ، وهذا الجواب من الكرماني أخذه بعضهم ، ولم ينسبه إليه ، وأيضا قال الكرماني : فإن قلت : النهب لا يتصور إلا بغير إذن صاحبه فما فائدة التقييد به في الترجمة . ( قلت ) : المراد الإذن الإجمالي حتى يخرج منه انتهاب مشاع الهبة ونحوه من الموائد . وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضا في الحدود ، عن يحيى بن بكير ، عن الليث ، عن عقيل ، عن الزهري ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن.. .

إلى آخره ، وأخرجه مسلم في الإيمان ، عن عبد الملك بن شعيب ، عن الليث ، عن أبيه ، عن جده بإسناده نحوه . وأخرجه النسائي في الأشربة ، وفي الرجم ، عن عيسى بن حماد ، عن الليث ، به . وأخرجه ابن ماجه في الفتن ، عن عيسى بن حماد ، عن الليث.. .

إلى آخره نحوه . وفي الباب عن أبي داود من حديث ابن جريج ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : من انتهب نهبة فليس منا . وعند ابن حبان من حديث الحسن ، عن عمران بن حصين ، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قال مثله .

وعند الترمذي عن أنس ، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : من انتهب نهبة فليس منا . وقال : حديث حسن صحيح ، وعند أحمد ، عن زيد بن خالد قال : نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عن النهبة . وعند ابن حبان ، عن ثعلبة ، عن الحكم قال : انتهبنا غنما للعدو ، فنصبنا قدورنا فمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بالقدور فأمر بها فكفئت ثم قال : إن النهبة لا تحل .

وروى ابن أبي شيبة من حديث عاصم بن كليب ، عن أبيه ، أخبرني رجل من الصحابة قال : كنا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في غزاة فأصابتنا مجاعة ، وأصبنا غنما فانتهبناها قبل أن يقسم فينا ، فأتانا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ متوكئا على قوس ، فأكفأ قدورنا بقوسه ، وقال : ليست النهبة بأحل من الميتة . قوله : لا يزني الزاني حين يزني ، أي : لا يزني الشخص الذي يزني . قوله : حين يزني نصب على الظرف .

قوله : وهو مؤمن ، جملة اسمية وقعت حالا ، قيل : معناه : والحال أنه مستكمل شرائع الإيمان ، وقيل : يزول منه الثناء بالإيمان لا نفس الإيمان . وقيل : يزول إيمانه إذا استمر على ذلك الفعل . وقيل : إذا فعله مستحلا يزول عنه الإيمان فيكفر .

وقال ابن التين : قال البخاري : ينزع منه نور الإيمان . قوله : ولا يشرب ، فاعله محذوف . قال ابن مالك : فيه حذف الفاعل ، أي : لا يشرب الشارب ، وروي : لا يشرب الخمر ، بكسر الباء على معنى النهي ، يعني إذا كان مؤمنا فلا يفعل .

قوله : ولا يسرق ، الكلام فيه مثل الكلام في لا يزني . قوله : إليه ، أي : إلى المنتهب ، يدل عليه قوله : ولا ينتهب . قوله : فيها ، أي : في النهبة .

قوله : أبصارهم بالنصب ؛ لأنه مفعول يرفع الناس . قوله : حين ينتهبها ، نصب على الظرف ، أي : وقت انتهابها . قوله : وهو مؤمن ، جملة حالية ، وروى ابن أبي شيبة بإسناده ، عن ابن أبي أوفى ، يرفعه : ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع المسلمون إليها رءوسهم وهو مؤمن .

وروى مسلم من حديث يونس عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة ، وسعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قال : لا يزني الزاني.. . الحديث . وفيه قال ابن شهاب : فأخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن ، أن أبا بكر كان يحدثهم هؤلاء ، عن أبي هريرة ثم يقول : وكان أبو هريرة يلحق معهن ، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن .

ثم روى من حديث عقيل بن خالد قال : قال ابن شهاب : وأخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، عن أبي هريرة قال : إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قال : لا يزني الزاني . واقتصر الحديث يذكر مع ذكر النهبة ، ولم يقل : ذات شرف ، ثم قال : وقال ابن هشام : حدثني سعيد بن المسيب ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بمثل حديث أبي بكر هذا : إلا النهبة . قوله : وكان أبو هريرة يلحق .

بضم الياء من الإلحاق . قوله : معهن ، أي : مع قوله : لا يزني ، وقوله : ولا يشرب ، وقوله : ولا يسرق . قوله : ولا ينتهب ، في محل المفعولية لقوله : ويلحق ، على سبيل الحكاية .

وقال النووي : ظاهر هذا أنه من كلام أبي هريرة موقوف عليه ، ولكن جاء في رواية أخرى تدل على أنه من كلام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، وجمع الشيخ أبو عمرو بن الصلاح بما يؤول إليه ملخص كلامه أن معنى قول أبي هريرة : يلحق معهن ، ولا ينتهب.. . إلى آخره ، يعني يلحقها رواية عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، لا من عند نفسه ، واختصاص أبي بكر بهذا لكونه بلغه أن غيره لا يرويها . قوله : ذات شرف في الأصول المشهورة المتداولة بالشين المعجمة المفتوحة ، ومعناه : ذات قدر عظيم ، وقيل : ذات استشراف ليستشرف الناس لها ناظرين إليها رافعين أبصارهم ، وقال القاضي عياض : ورواه إبراهيم الجويني بالسين المهملة ، وقال الشيخ أبو عمرو : وكذا قيده بعضهم في كتاب مسلم ، وقال : معناه أيضا ذات قدر عظيم ، فإن قلت : يعارض هذا الحديث حديث أبي ذر من قال : لا إله إلا الله دخل الجنة ، وإن زنى ، وإن سرق .

والأحاديث التي نظائره مع قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ مع إجماع أهل الحق على أن الزاني ، والسارق ، والقاتل ، وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك . ( قلت ) : هذا الذي دعاهم إلى أن قالوا : هذه الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ، يراد نفي كماله كما يقال : لا علم إلا بما نفع ، ولا مال إلا الإبل ، ولا عيش إلا عيش الآخرة ، ثم إن مثل هذا التأويل ظاهر شائع في اللغة يستعمل كثيرا ، وبهذا يحصل الجمع بينه ، وبين ما ذكر من الحديث ، والآية وتأوله بعض العلماء على من فعل ذلك مستحلا مع علمه بورود الشرع بتحريمه . وعن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مثله إلا النهبة .

سعيد هو ابن المسيب ، وأبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف ، وأشار بهذا إلى أن سعيدا ، وأبا سلمة رويا هذا الحديث المذكور مثل ما ذكر إلا النهبة ، يعني لم يذكرا حكم الانتهاب بل ذكر الزنا ، والسرقة ، والشرب فقط . وقد ذكرنا آنفا عن مسلم أنه أخرج في حديثه . وقال ابن شهاب : حدثني سعيد بن المسيب ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بمثل حديث أبي بكر هذا إلا النهبة .

وذكر مسلم أيضا من طريق الأوزاعي أن الزهري روى عن ابن المسيب ، وابن سلمة ، وأبي بكر بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.. . الحديث ، وفيه : وذكر النهبة ، ولم يقل : ذات شرف . قال الفربري : وجدت بخط أبي جعفر ، قال أبو عبد الله : تفسيره أن ينزع منه يريد الإيمان .

الفربري هو أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الراوي عن البخاري ، وأبو جعفر هو ابن أبي حاتم وراق البخاري ، وأبو عبد الله هو البخاري نفسه . قوله : تفسيره ، أي : تفسير قوله : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن . أن ينزع منه نور الإيمان ، والإيمان هو التصديق بالجنان والإقرار باللسان ، ونوره الأعمال الصالحة ، والاجتناب عن المعاصي ، فإذا زنى ، أو شرب الخمر ، أو سرق ، يذهب نوره ، ويبقى صاحبه في الظلمة والإشارة فيه إلى أنه لا يخرج عن الإيمان .

قيل : إن في هذا الحديث تنبيها على جميع أنواع المعاصي والتحذير منها ، فنبه بالزنا على جميع الشهوات ، وبالخمر على جميع ما يصد عن الله تعالى ، ويوجب الغفلة عن حقوقه ، وبالسرقة على الرغبة في الدنيا ، والحرص على الحرام ، وبالنهبة على الاستخفاف بعباد الله تعالى ، وترك توقيرهم ، والحياء منهم ، وجمع الدنيا من غير وجهها ، والله تعالى أعلم .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث