باب هل تكسر الدنان التي فيها الخمر أو تخرق الزقاق فإن كسر صنما أو صليبا أو طنبورا أو ما لا ينتفع بخشبه أي هذا باب يذكر فيه : هل تكسر الدنان التي فيها الخمر ، والدنان بكسر الدال جمع الدن ، بفتح الدال ، وتشديد النون . قال الكرماني : وهو الخب . ( قلت ) : هذا تفسير الشيء بما هو أخفى منه . وقال الجوهري : والخب الخابية ، فارسي معرب . ( قلت ) : هو في اللغة الفارسية خم ، بضم الخاء المعجمة ، وتشديد الميم ، فعرب وقيل : حب ، بضم الحاء المهملة ، وتشديد الباء الموحدة . وفي دستور اللغة في باب الحاء المضمومة : الحب : خم ودستي . قوله : التي فيها الخمر ، جملة في محل الرفع ؛ لأنها صفة الدنان ، وجواب هل محذوف ، وإنما لم يذكره ؛ لأن فيه خلافا وتفصيلا ، بيانه أن قوله : هل تكسر الدنان التي فيها الخمر أعم من أن يكون لمسلم، أو لذمي ، أو لحربي ، فإن كان الدن لمسلم ، ففيه الخلاف ، فعند أبي يوسف وأحمد في رواية : لا يضمن ، ويستدل لهما في ذلك بما رواه الترمذي : حدثنا حميد بن مسعدة ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، قال : سمعت ليثا ، يحدث عن يحيى بن عباد ، عن أنس ، عن أبي طلحة ، أنه قال : يا نبي الله : إني اشتريت خمرا لأيتام في حجري ؟ قال : أهرق الخمر ، وكسر الدنان . ثم قال الترمذي : روى الثوري هذا الحديث ، عن السدي ، عن يحيى بن عباد ، عن أنس ، أن أبا طلحة كان عنده ، وهذا أصح من حديث الليث ، وقال : محمد بن الحسن يضمن . وبه قال أحمد في رواية ؛ لأن الإراقة بدون الكسر ممكنة . وأجيب عن الحديث بأنه ضعيف ضعفه ابن العربي ، وقال : لا يصح لا من حديث أبي طلحة ، ولا من حديث أنس أيضا لتفرد السدي به ، وفيه الليث بن أبي سليم . وفيه مقال ، وقال شيخنا ما قاله ابن العربي مردود ، فالسدي هو الكبير ، واسمه إسماعيل بن عبد الرحمن ، وثقه يحيى بن سعيد القطان ، وأحمد ، والنسائي ، وابن عدي ، واحتج به مسلم . ( قلت ) : قول الترمذي هذا أصح من حديث الليث ، يدل على أن حديث الليث أيضا صحيح ، ولكن حديث السدي أصح ، والظاهر أنه لم يصرح بصحته لأجل الليث ، واسم أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري ، وقال جمهور العلماء منهم الشافعي : إن الأمر بكسر الدنان محمول على الندب ، وقيل : لأنها لا تعود تصلح لغيره لغلبة رائحة الخمر ، وطعمها ، والظاهر أنه أراد بذلك الزجر . قال شيخنا رحمه الله تعالى : يحتمل أنهم لو سألوه أن يبقوها ويغسلوها لرخص لهم . وإن كان الدن لذمي فعندنا يضمن بلا خلاف بين أصحابنا ؛ لأنه مال متقوم في حقهم ، وعند الشافعي ، وأحمد : لا يضمن ؛ لأنه غير متقوم في حق المسلم ، فكذا في حق الذمي ، وإن كان الدن لحربي فلا يضمن بلا خلاف إلا إذا كان مستأمنا . قوله : أو تخرق ، بالخاء المعجمة ، على صيغة المجهول عطف على قوله : هل تكسر الدنان ، والزقاق بكسر الزاي جمع زق جمع الكثرة ، وجمع القلة أزقاق ، وفيه أيضا الخلاف المذكور ، فإن كان شق زق الخمر لمسلم يضمن عند محمد وأحمد في رواية . وعند أبي يوسف لا يضمن ؛ لأنه من جملة الأمر بالمعروف ، وقال مالك : زق الخمر لا يطهره الماء ؛ لأن الخمر غاص في داخله ، وقال غيره : يطهره ، ويبنى على هذا الضمان ، وعدمه ، والفتوى على قول أبي يوسف خصوصا في هذا الزمان ، وقد روى أحمد من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : أخذ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ شفرة ، وخرج إلى السوق ، وبها زقاق خمر جلبت من الشام ، فشق بها ما كان من تلك الزقاق . قوله : فإن كسر صنما . وفي بعض النسخ : وإن كسر ، بالواو . وفي بعضها : وإذا كسر ، وعلى تقدير جواب الشرط محذوف تقديره هل يجوز ذلك أم لا ، أو هل يضمن أم لا ، وإنما لم يصرح بذكر الجواب لمكان الخلاف فيه أيضا ، فقال أصحابنا : إذا أتلف على نصراني صليبا فإنه يضمن قيمته صليبا ، يعني حال كونه صليبا لا حال كونه صالحا لغيره ؛ لأن النصراني مقر على ذلك ، فصار كالخمر التي هم مقرون عليها ، وقال أحمد : لا يضمن ، وقال الشافعي : إن كان بعد الكسر يصلح لنفع مباح لا يضمن ، وإلا لزمه ما بين قيمته قبل الكسر ، وقيمته بعده ؛ لأنه أتلف ما له قيمة . وقال ابن الأثير : الصنم ما يتخذ إلها من دون الله ، وقيل : ما كان له جسم ، أو صورة ، وإن لم يكن له جسم ولا صورة فهو وثن . وقال في باب الواو : الوثن كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض ، أو من الخشب والحجارة ، كصورة الآدمي يعمل ، وينصب ، ويعبد ، والصنم الصورة بلا جثة ، ومنهم من لم يفرق بينهما ، وأطلقهما على المعنيين ، وقد يطلق الوثن على غير الصورة . قوله : أو طنبور ، بضم الطاء ، وقد يفتح ، والضم أشهر ، وهو آلة مشهورة من آلات الملاهي ، وهو فارسي معرب . قوله : أو ما لا ينتفع بخشبه . قال الكرماني : يعني : أو كسر شيئا لا يجوز الانتفاع بخشبه قبل الكسر كآلات الملاهي المتخذة من الخشب ، فهو تعميم بعد تخصيص ، ويحتمل أن يكون أو بمعنى إلى أن ، يعني فإن كسر طنبورا إلى حد لا ينتفع بخشبه ، ولا ينتفع بعد الكسر ، أو عطف على مقدر ، وهو كسرا ينتفع بخشبه ، أي : كسر كسرا ينتفع بخشبه ، ولا ينتفع بعد الكسر ، انتهى . وقال بعضهم : ولا يخفى تكلف هذا الأخير ، وبعد الذي قبله ، انتهى . قلت : الكرماني جعل لكلمة أو هنا ثلاثة معان . منها أن يكون للعطف على ما قبله ، فيكون من باب عطف العام على الخاص . ومنها أن يكون بمعنى إلى أن ، كما في قولك : لألزمنك أو تقضيني حقي ، وينتصب المضارع بعدها ، وهو كثير في كلام العرب ولا بعد فيه . ومنها أن يكون معطوفا على شيء مقدر ، وهذا أيضا باب واسع فلا تكلف فيه ، وإنما يكون التكلف في موضع يؤتى بالكلام بالجر الثقيل . والكلام في هذا الفصل أيضا على الخلاف ، والتفصيل ، فقال أصحابنا : من كسر لمسلم طنبورا ، أو بربطا ، أو طبلا ، أو مزمارا ، أو دفا ، فهو ضامن ، وبيع هذه الأشياء جائز عند أبي حنيفة . وقال أبو يوسف ، ومحمد ، والشافعي ، ومالك ، وأحمد : لا يضمن ، ولا يجوز بيعها . وقال أصحاب الشافعي عنه بالتفصيل : إن كان بعد الكسر يصلح لنفع مباح يضمن ، وإلا فلا . وعن بعض أصحابنا الاختلاف في الدف والطبل الذي يضرب للهو ، وأما طبل الغزاة ، والدف الذي يباح ضربه في العرس فيضمن بالاتفاق ، وفي ( الذخيرة ) للحنفية قال أبو الليث : ضرب الدف في العرس مختلف فيه ، فقيل : يكره ، وقيل : لا . وأما الدف الذي يضرب في زماننا مع الصنجات ، والجلاجلات فمكروه بلا خلاف . وأتي شريح في طنبور كسر فلم يقض فيه بشيء . شريح هو ابن الحارث الكندي أدرك النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، ولم يلقه استقضاه عمر بن الخطاب على الكوفة ، وأقره علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ، وأقام على القضاء بها ستين سنة ، وقضى بالبصرة سنة ، ومات سنة ثمان وسبعين ، وكان له عشرون ومائة سنة . قوله : وأتي شريح في طنبور ، يعني أتى إليه اثنان ، ادعى أحدهما على الآخر أنه كسر طنبوره فلم يقض فيه بشيء ، أي : لم يحكم فيه بغرامة ، وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة من طريق أبي حصين ، بفتح الحاء بلفظ : أن رجلا كسر طنبور رجل ، فرفعه إلى شريح فلم يضمنه شيئا ، وذكره وكيع بن الجراح ، عن سفيان ، عن أبي حصين ، بفتح الحاء أن رجلا كسر طنبور رجل ، فحاجه إلى شريح فلم يضمنه شيئا . وهذا يوضح أن جواب الترجمة عدم الضمان . وقال ابن التين : قضى شريح في الطنبور الصحيح يكسر بأن يدفع لمالكه فينتفع به . وقال المهلب : وما كسر من آلات الباطل ، وكان فيها بعد كسرها منفعة ، فصاحبها أولى بها مكسورة ، إلا أن يرى الإمام حرقها بالنار على معنى التشديد والعقوبة ، على وجه الاجتهاد ، كما أحرق عمر رضي الله تعالى عنه دار على بيع الخمر ، وقد هم الشارع بتحريق دور من يتخلف عن صلاة الجماعة ، وهذا أصل في العقوبة في المال إذا رأى ذلك قيل : هذا كان في الصدر الأول ، ثم نسخ . 50 - حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد ، عن يزيد بن أبي عبيد ، عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ رأى نيرانا توقد يوم خيبر ، قال : على ما توقد هذه النيران ؟ قالوا : على الحمر الإنسية . قال : اكسروها ، وأهرقوها . قالوا : ألا نهريقها ونغسلها ؟ قال : اغسلوا . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : اكسروها ، أي : القدور ، يدل عليه السياق فلا يكون إضمارا قبل الذكر ، وكسر القدور هنا في الحكم مثل كسر الدنان التي فيها الخمر . ورجاله ثلاثة قد ذكروا غير مرة ، وهو من تاسع ثلاثيات البخاري ، وأخرجه البخاري أيضا في المغازي عن القعنبي ، وفي الأدب عن قتيبة ، وفي الذبائح عن مكي بن إبراهيم ، وفي الدعوات عن مسدد عن يحيى ، وأخرجه مسلم في المغازي ، وفي الذبائح عن قتيبة ، ومحمد بن عباد ، وفي الذبائح عن إسحاق بن إبراهيم ، وأخرجه ابن ماجه في الذبائح عن يعقوب بن حميد . ( ذكر معناه ) . قوله : يوم خيبر ، يعني في غزوة خيبر ، وكانت سنة سبع ، ومن خيبر إلى المدينة أربع مراحل . قوله : اكسروها ، أي : القدور ، وقد مر الآن الكلام فيه . قوله : على الحمر الإنسية ، الحمر بضمتين جمع حمار ، وأراد بالإنسية الحمر الأهلية . قوله : وأهريقوها ، بسكون الهمزة ، وجاز حذف الهمزة أو الهاء ، والياء . ونهريقها ، بفتح الهاء ، وسكونها ، وبسكون الهاء ، وحذف الياء . قال الجوهري : هرق الماء يهريقه ، بفتح الهاء هراقة ، أي : صبه ، وفي لغة أخرى : أهرق الماء يهرقه إهراقا ، وفيه لغة أخرى : أهراق يهريق إهراقا ، قالوا : قوله : ألا نهرقها ، بكلمة ألا التي للاستفهام عن النفي ، ويروى : لا نهريقها ، بالنفي ، لا يقال : إن فيه مخالفة لأمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ؛ لأنهم فهموا بالقرائن أن الأمر ليس للإيجاب . قوله : قال اغسلوها ، أي : قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جوابهم : لا نهرقها ، ونغسلها . اغسلوها ، إنما رجع صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أمره بالشيئين ، وهما الأمر بالكسر ، والأمر بالإهراق إلى قوله : اغسلوها ، وهو مجرد الأمر بالغسل ؛ لأنه يحتمل أن اجتهاده قد تغير ، أو أوحي إليه بذلك ، واليوم لا يجوز فيه الكسر ؛ لأن الحكم بالغسل نسخ التخيير ، كما أنه نسخ الجزم بالكسر . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه دليل على نجاسة لحم الحمر الأهلية ؛ لأن فيه الأمر بإراقته ، وهذا أبلغ في التحريم ، وقد كانت لحوم الحمر تؤكل قبل ذلك ، واختلف العلماء الذين ذهبوا إلى إباحة لحوم الحمر الأهلية في معنى النهي الوارد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، عن أكلها لأي علة كان هذا النهي ، فقال نافع ، وعبد الملك بن جريج ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وبعض المالكية : علة النهي لأجل الإبقاء على الظهر ليس على وجه التحريم ، واحتجوا في ذلك بما روي عن ابن عباس أنه قال : ما نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يوم خيبر عن أكل لحوم الحمر الأهلية إلا من أجل أنها ظهر . رواه الطحاوي بإسناد صحيح عن ابن عباس من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى . ورواه ابن أبي شيبة موقوفا على عبد الرحمن ، ولم يذكر ابن عباس ، وفي الصحيحين عن ابن عباس قال : لا أدري أنهى عنه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ من أجل أنه كان حمولة الناس ، فكره أن يذهب حمولتهم ، أو حرمه في يوم خيبر ، وهذا يبين أن ابن عباس علم بالنهي ، لكنه حمله على التنزيه توفيقا بين الآية وعمومها ، وبين أحاديث النهي . وقال سعيد بن جبير : وبعض المالكية إنما منعت الصحابة يوم خيبر من أكل لحوم الحمر الأهلية ؛ لأنها كانت جوالة تأكل القذرات ، فكان نهيه صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ لهذه العلة لا لأجل التحريم . وقال آخرون : علة النهي كانت لاحتياجهم إليها ، واحتجوا في ذلك بما رواه الطحاوي من حديث عبد الله بن عمر : نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، عن أكل الحمار الأهلي يوم خيبر ، وكانوا قد احتاجوا إليها . وقال آخرون : علة النهي أنها أقيتت قبل القسمة ، فمنع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ من أكلها قبل أن تقسم . وقال أبو عمر بن عبد البر : وفي إذن رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في أكل الخيل ، وإباحته لذلك يوم خيبر دليل على أن نهيه عن أكل لحوم الحمر يومئذ عبادة لغير علة ؛ لأنه معلوم أن الخيل أرفع من الحمير ، وأن الخوف على الخيل ، وعلى قيامها فوق الخوف على الحمير ، وأن الحاجة في الغزو وغيره إلى الخيل أعظم ، وبهذا يتبين أن أكل لحوم الحمر لم يكن لحاجة وضرورة إلى الظهر والحمل ، وإنما كانت عبادة وشريعة ، والذين ذهبوا إلى إباحة أكل لحوم الحمر الأهلية ، وهم : عاصم بن عمر بن قتادة ، وعبيد بن الحسن ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وبعض المالكية احتجوا بحديث غالب بن أبجر قال : يا رسول الله ، إنه لم يبق من مالي شيء أستطيع أن أطعم منه أهلي غير حمر لي ، أو حمرات لي . قال : فأطعم أهلك من سمين مالك ، وإنما قذرت لكم جوال القرية . رواه الطحاوي ، وأبو داود ، وأبو يعلى ، والطبراني . وأجيب عنه بأن هذا الحديث مختلف في إسناده ففي طريق ، عن ابن معقل ، عن رجلين من مزينة ، أحدهما عن الآخر عبد الله بن عمرو بن لويم ، بضم اللام ، وفتح الواو ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره ميم ، والآخر غالب بن أبجر . وقال مسعر : أري غالبا الذي سأل النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وسَلَّمَ . وفي طريق عبد الرحمن بن معقل ، وفي طريق عبد الله بن معقل ، وفي طريق عبد الرحمن بن بشر ، وفي طريق عبد الله بن بشر عوض عبد الرحمن ، وهذا اختلاف شديد ، فلا يقاوم الأحاديث الصحيحة التي وردت بتحريم لحوم الحمر الأهلية . وقال ابن حزم : هذا الحديث بطرقه باطل ؛ لأنها كلها من طريق عبد الرحمن بن بشر ، وهو مجهول ، والآخر من طريق عبد الله بن عمرو بن لويم ، وهو مجهول ، أو من طريق شريك وهو ضعيف ، ثم عن ابن الحسن ، ولا يدرى من هو ، أو من طريق سلمى بنت النضر الخضرية ، ولا يدرى من هي . وقال البيهقي : هذا حديث معلول ثم طول في بيانه . قال أبو عبد الله : كان ابن أبي أويس يقول : الحمر الإنسية بنصب الألف ، والنون . أبو عبد الله هو البخاري نفسه ، يحكي عن شيخه إسماعيل بن أبي أويس ، واسمه عبد الله الأصبحي المدني ابن أخت مالك بن أنس ، فإنه كان يقول : الحمر الإنسية نسبة إلى الأنس بالفتح ضد الوحشة . وقال ابن الأثير : والمشهور فيها كسر الهمزة ، منسوبة إلى الإنس ، وهم بنو آدم ، الواحد إنسي . وفي كتاب أبي موسى ما يدل على أن الهمزة مضمومة ؛ فإنه قال : هي التي تألف البيوت ، والإنس ضد الوحشة ، والمشهور في ضد الوحشة الأنس بالضم ، وقد جاء فيه بالكسر قليلا . قال : ورواه بعضهم بفتح الهمزة ، والنون وليس بشيء . قال ابن الأثير : إن أراد أن الفتح غير معروف في الرواية ، فيجوز وإن أراد أنه ليس بمعروف في اللغة فلا ، فإنه مصدر أنست به آنس ، أنسا وأنسة . وقال بعضهم : وتعبيره عن الهمزة بالألف . وعن الفتح بالنصب جائز عند المتقدمين ، وإن كان الاصطلاح أخيرا قد استقر على خلافه فلا تبادر إلى إنكاره ، انتهى . ( قلت ) : هذا ليس بمصطلح عند النحاة المتقدمين والمتأخرين ، إنهم يعبرون عن الهمزة بالألف ، وعن الفتح بالنصب ، فمن ادعى خلاف ذلك فعليه البيان ، فالهمزة ذات حركة ، والألف مادة هوائية فلا تقبل الحركة ، والفتح من ألقاب البناء ، والنصب من ألقاب الإعراب ، وهذا مما لا يخفى على أحد .
المصدر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/395975
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة