حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب هل تكسر الدنان التي فيها الخمر أو تخرق الزقاق

حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد ، عن يزيد بن أبي عبيد ، عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ رأى نيرانا توقد يوم خيبر ، قال : على ما توقد هذه النيران ؟ قالوا : على الحمر الإنسية . قال : اكسروها ، وأهرقوها . قالوا : ألا نهريقها ونغسلها ؟ قال : اغسلوا .

مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : اكسروها ، أي : القدور ، يدل عليه السياق فلا يكون إضمارا قبل الذكر ، وكسر القدور هنا في الحكم مثل كسر الدنان التي فيها الخمر . ورجاله ثلاثة قد ذكروا غير مرة ، وهو من تاسع ثلاثيات البخاري ، وأخرجه البخاري أيضا في المغازي عن القعنبي ، وفي الأدب عن قتيبة ، وفي الذبائح عن مكي بن إبراهيم ، وفي الدعوات عن مسدد عن يحيى ، وأخرجه مسلم في المغازي ، وفي الذبائح عن قتيبة ، ومحمد بن عباد ، وفي الذبائح عن إسحاق بن إبراهيم ، وأخرجه ابن ماجه في الذبائح عن يعقوب بن حميد . ( ذكر معناه ) .

قوله : يوم خيبر ، يعني في غزوة خيبر ، وكانت سنة سبع ، ومن خيبر إلى المدينة أربع مراحل . قوله : اكسروها ، أي : القدور ، وقد مر الآن الكلام فيه . قوله : على الحمر الإنسية ، الحمر بضمتين جمع حمار ، وأراد بالإنسية الحمر الأهلية .

قوله : وأهريقوها ، بسكون الهمزة ، وجاز حذف الهمزة أو الهاء ، والياء . ونهريقها ، بفتح الهاء ، وسكونها ، وبسكون الهاء ، وحذف الياء . قال الجوهري : هرق الماء يهريقه ، بفتح الهاء هراقة ، أي : صبه ، وفي لغة أخرى : أهرق الماء يهرقه إهراقا ، وفيه لغة أخرى : أهراق يهريق إهراقا ، قالوا : قوله : ألا نهرقها ، بكلمة ألا التي للاستفهام عن النفي ، ويروى : لا نهريقها ، بالنفي ، لا يقال : إن فيه مخالفة لأمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ؛ لأنهم فهموا بالقرائن أن الأمر ليس للإيجاب .

قوله : قال اغسلوها ، أي : قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جوابهم : لا نهرقها ، ونغسلها . اغسلوها ، إنما رجع صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أمره بالشيئين ، وهما الأمر بالكسر ، والأمر بالإهراق إلى قوله : اغسلوها ، وهو مجرد الأمر بالغسل ؛ لأنه يحتمل أن اجتهاده قد تغير ، أو أوحي إليه بذلك ، واليوم لا يجوز فيه الكسر ؛ لأن الحكم بالغسل نسخ التخيير ، كما أنه نسخ الجزم بالكسر . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه دليل على نجاسة لحم الحمر الأهلية ؛ لأن فيه الأمر بإراقته ، وهذا أبلغ في التحريم ، وقد كانت لحوم الحمر تؤكل قبل ذلك ، واختلف العلماء الذين ذهبوا إلى إباحة لحوم الحمر الأهلية في معنى النهي الوارد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، عن أكلها لأي علة كان هذا النهي ، فقال نافع ، وعبد الملك بن جريج ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وبعض المالكية : علة النهي لأجل الإبقاء على الظهر ليس على وجه التحريم ، واحتجوا في ذلك بما روي عن ابن عباس أنه قال : ما نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يوم خيبر عن أكل لحوم الحمر الأهلية إلا من أجل أنها ظهر .

رواه الطحاوي بإسناد صحيح عن ابن عباس من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى . ورواه ابن أبي شيبة موقوفا على عبد الرحمن ، ولم يذكر ابن عباس ، وفي الصحيحين عن ابن عباس قال : لا أدري أنهى عنه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ من أجل أنه كان حمولة الناس ، فكره أن يذهب حمولتهم ، أو حرمه في يوم خيبر ، وهذا يبين أن ابن عباس علم بالنهي ، لكنه حمله على التنزيه توفيقا بين الآية وعمومها ، وبين أحاديث النهي . وقال سعيد بن جبير : وبعض المالكية إنما منعت الصحابة يوم خيبر من أكل لحوم الحمر الأهلية ؛ لأنها كانت جوالة تأكل القذرات ، فكان نهيه صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ لهذه العلة لا لأجل التحريم .

وقال آخرون : علة النهي كانت لاحتياجهم إليها ، واحتجوا في ذلك بما رواه الطحاوي من حديث عبد الله بن عمر : نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، عن أكل الحمار الأهلي يوم خيبر ، وكانوا قد احتاجوا إليها . وقال آخرون : علة النهي أنها أقيتت قبل القسمة ، فمنع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ من أكلها قبل أن تقسم . وقال أبو عمر بن عبد البر : وفي إذن رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في أكل الخيل ، وإباحته لذلك يوم خيبر دليل على أن نهيه عن أكل لحوم الحمر يومئذ عبادة لغير علة ؛ لأنه معلوم أن الخيل أرفع من الحمير ، وأن الخوف على الخيل ، وعلى قيامها فوق الخوف على الحمير ، وأن الحاجة في الغزو وغيره إلى الخيل أعظم ، وبهذا يتبين أن أكل لحوم الحمر لم يكن لحاجة وضرورة إلى الظهر والحمل ، وإنما كانت عبادة وشريعة ، والذين ذهبوا إلى إباحة أكل لحوم الحمر الأهلية ، وهم : عاصم بن عمر بن قتادة ، وعبيد بن الحسن ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وبعض المالكية احتجوا بحديث غالب بن أبجر قال : يا رسول الله ، إنه لم يبق من مالي شيء أستطيع أن أطعم منه أهلي غير حمر لي ، أو حمرات لي .

قال : فأطعم أهلك من سمين مالك ، وإنما قذرت لكم جوال القرية . رواه الطحاوي ، وأبو داود ، وأبو يعلى ، والطبراني . وأجيب عنه بأن هذا الحديث مختلف في إسناده ففي طريق ، عن ابن معقل ، عن رجلين من مزينة ، أحدهما عن الآخر عبد الله بن عمرو بن لويم ، بضم اللام ، وفتح الواو ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره ميم ، والآخر غالب بن أبجر .

وقال مسعر : أري غالبا الذي سأل النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وسَلَّمَ . وفي طريق عبد الرحمن بن معقل ، وفي طريق عبد الله بن معقل ، وفي طريق عبد الرحمن بن بشر ، وفي طريق عبد الله بن بشر عوض عبد الرحمن ، وهذا اختلاف شديد ، فلا يقاوم الأحاديث الصحيحة التي وردت بتحريم لحوم الحمر الأهلية . وقال ابن حزم : هذا الحديث بطرقه باطل ؛ لأنها كلها من طريق عبد الرحمن بن بشر ، وهو مجهول ، والآخر من طريق عبد الله بن عمرو بن لويم ، وهو مجهول ، أو من طريق شريك وهو ضعيف ، ثم عن ابن الحسن ، ولا يدرى من هو ، أو من طريق سلمى بنت النضر الخضرية ، ولا يدرى من هي .

وقال البيهقي : هذا حديث معلول ثم طول في بيانه . قال أبو عبد الله : كان ابن أبي أويس يقول : الحمر الإنسية بنصب الألف ، والنون . أبو عبد الله هو البخاري نفسه ، يحكي عن شيخه إسماعيل بن أبي أويس ، واسمه عبد الله الأصبحي المدني ابن أخت مالك بن أنس ، فإنه كان يقول : الحمر الإنسية نسبة إلى الأنس بالفتح ضد الوحشة .

وقال ابن الأثير : والمشهور فيها كسر الهمزة ، منسوبة إلى الإنس ، وهم بنو آدم ، الواحد إنسي . وفي كتاب أبي موسى ما يدل على أن الهمزة مضمومة ؛ فإنه قال : هي التي تألف البيوت ، والإنس ضد الوحشة ، والمشهور في ضد الوحشة الأنس بالضم ، وقد جاء فيه بالكسر قليلا . قال : ورواه بعضهم بفتح الهمزة ، والنون وليس بشيء .

قال ابن الأثير : إن أراد أن الفتح غير معروف في الرواية ، فيجوز وإن أراد أنه ليس بمعروف في اللغة فلا ، فإنه مصدر أنست به آنس ، أنسا وأنسة . وقال بعضهم : وتعبيره عن الهمزة بالألف . وعن الفتح بالنصب جائز عند المتقدمين ، وإن كان الاصطلاح أخيرا قد استقر على خلافه فلا تبادر إلى إنكاره ، انتهى .

( قلت ) : هذا ليس بمصطلح عند النحاة المتقدمين والمتأخرين ، إنهم يعبرون عن الهمزة بالألف ، وعن الفتح بالنصب ، فمن ادعى خلاف ذلك فعليه البيان ، فالهمزة ذات حركة ، والألف مادة هوائية فلا تقبل الحركة ، والفتح من ألقاب البناء ، والنصب من ألقاب الإعراب ، وهذا مما لا يخفى على أحد .

ورد في أحاديث16 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث