باب هل تكسر الدنان التي فيها الخمر أو تخرق الزقاق
حدثنا علي بن عبد الله ، قال : حدثنا سفيان ، قال : حدثنا ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن أبي معمر ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : دخل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مكة ، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصبا ، فجعل يطعنها بعود في يده ، وجعل يقول : جاء الحق وزهق الباطل . الآية . مطابقته للترجمة في قوله : فجعل يطعنها بعود ، أي : يطعن النصب ، وهي التي نصبت للعبادة من دون الله ، وهو داخل في الترجمة في قوله : فإن كسر صنما أو صليبا .
ورجاله : علي بن عبد الله المعروف بابن المديني ، وسفيان هو ابن عيينة ، وابن أبي نجيح ، بفتح النون ، وكسر الجيم ، هو عبد الله بن يسار ضد اليمين ، ومجاهد بن جبر ، وأبو معمر ، بفتح الميمين عبد الله بن سخبرة الأزدي الكوفي . والحديث أخرجه البخاري أيضا في المغازي عن صدقة بن الفضل . وفي التفسير عن الحميدي ، وأخرجه مسلم في المغازي عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعمرو الناقد ، ومحمد بن يحيى ، الثلاثة عن ابن عيينة ، به .
وعن حسن الحلواني ، وعبد بن حميد ، كلاهما عن عبد الرزاق ، عن سفيان الثوري ، عن ابن أبي نجيح ، وأخرجه الترمذي في التفسير ، عن ابن أبي عمر ، به . وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن المثنى ، وعبيد الله بن سعيد فرقهما ، كلاهما عن ابن عيينة . ( ذكر معناه ) .
قوله : دخل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، يعني في غزوة الفتح ، وكانت في رمضان سنة ثمان . قوله : وحول الكعبة ، الواو فيه للحال . قوله : نصبا ، وقال ابن التين : ضبط في رواية أبي الحسن ، بضم النون والصاد ، فيكون على هذا جمع نصاب ، وهو صنم ، أو حجر ينصب ، وليس ببين كونه جمعا ؛ لأنه لا يأتي بعد ستين إلا مفردا ، تقول : عندي ستون ثوبا ، ونحو ذلك ، ولا تقول : أثوابا .
قال : وقد قيل : نصب ونصب بمعنى واحد ، فعلى هذا يكون جمعا لا مفردا . وقال ابن الأثير : النصب ، بضم الصاد وسكونها ، حجر كانوا ينصبونه في الجاهلية ، ويتخذونه صنما ويعبدونه ، والجمع أنصاب ، وقيل : هو حجر كانوا ينصبونه ، ويذبحون عليه فيحمر بالدم ، ويروى صنما موضع نصبا . قوله : فجعل يطعنها جعل من أفعال المقاربة ، وهي ثلاثة أنواع ، وهو من النوع الذي وضع على الشروع فيه ، أي : في الخبر ، وهو كثير .
ويطعنها ، بضم العين على المشهور ، ويجوز فتحها . قال الجوهري : طعنه بالرمح ، وطعن في السن يطعن بالضم طعنا ، وطعن فيه بالقول يطعن أيضا ، وطعن في المفازة يطعن ويطعن أيضا ذهب . قوله : في يده في محل الجر ؛ لأنه صفة لعود .
قوله : وجعل مثل جعل الأول . قوله : وَزَهَقَ ، أي : هلك ومات . يقال : زهقت نفسه تزهق زهوقا بالضم خرجت .
قال الجوهري : وَزَهَقَ الْبَاطِلُ أي : اضمحل ، والزهوق بالفتح ... . وروى البيهقي من حديث ابن عمر ، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لما دخل مكة ، وجد بها ثلاثمائة وستين صنما ، فأشار إلى كل صنم بعصا ، وقال : جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا وكان لا يشير إلى صنم إلا سقط من غير أن يمسه بعصاه . وروى أحمد من حديث جابر قال : كان في الكعبة صور فأمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن يمحوها ، فبل عمر ثوبا ومحاها به فدخلها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما فيها شيء ، انتهى .
وطعنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأصنام علامة أنها لا تدفع عن نفسها ، فكيف تكون آلهة . ( ذكر ما يستفاد منه ) قال الطبري : في حديث ابن مسعود جواز كسر آلات الباطل وما لا يصلح إلا في المعصية حتى تزول هيئتها ، وينتفع برصاضها . وقال ابن بطال : آلات اللهو كالطنابير ، والعيدان ، والصلبان .
والأنصاب تكسر حتى تغير عن هيئتها إلى خلافها ، ويقال : وكل ما لا معنى لها إلا التلهي بها عن ذكر الله تعالى ، والشغل بها عما يحبه الله إلى ما يسخطه يجب أن يغير عن هيئته المكروهة إلى خلافها من الهيئات التي يزول معها المعنى المكروه ، وذلك أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كسر الأصنام ، والجوهر الذي فيها ، ولا شك أنه يصلح إذا غير عن الهيئة المكروهة ، وينتفع به بعد الكسر ، وقد روي عن جماعة من السلف كسر آلات الملاهي . وروى سفيان عن منصور ، عن إبراهيم قال : كان أصحاب عبد الله يستقبلون الجواري معهن الدفوف فيخرقونها . وقال ابن المنذر في معنى الأصنام : القبور المتخذة من المدر ، والخشب ، وشبههما ، وكل ما يتخذه الناس فيما لا منفعة فيه إلا للتلهي المنهي عنه ، فلا يجوز بيع شيء منه إلا الأصنام التي تكون من الذهب ، والفضة ، والحديد ، والرصاص إذا غيرت مما هي عليه ، وصارت نقرا أو قطعا ، فيجوز بيعها والشراء بها .