باب تقويم الأشياء بين الشركاء بقيمة عدل
حدثنا بشر بن محمد ، قال : أخبرنا عبد الله ، قال : أخبرنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قال : من أعتق شقيصا من مملوكه فعليه خلاصه في ماله ، فإن لم يكن له مال قوم المملوك قيمة عدل ، ثم استسعى غير مشقوق عليه . مطابقته للترجمة في قوله : قوم المملوك قيمة عدل . ( ذكر رجاله ) ، وهم سبعة : الأول : بشر ، بكسر الباء الموحدة ، وسكون الشين المعجمة ، ابن محمد أبو محمد مر في الوحي .
الثاني : عبد الله بن المبارك . الثالث : سعيد بن أبي عروبة ، بفتح العين المهملة ، وضم الراء ، وبالباء الموحدة ، واسمه مهران اليشكري . الرابع : قتادة بن دعامة .
الخامس : النضر ، بفتح النون ، وسكون الضاد المعجمة ابن أنس بن مالك النجاري الأنصاري . السادس : بشير ، بفتح الباء الموحدة ، وكسر الشين المعجمة ابن نهيك ، بفتح النون ، وكسرها ، وبالكاف السلولي ، ويقال : السدوسي . السابع : أبو هريرة رضي الله تعالى عنه .
( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، وفيه الإخبار كذلك في موضعين ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وهو وشيخه مروزيان ، والبقية بصريون ، وقال الخطيب : رواه يزيد بن هارون ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن النضر بن أنس بلفظ : من أعتق نصيبا له من عبد ، ولم يكن له مال استسعى العبد في ثمن رقبته غير مشقوق عليه . هكذا رواه يزيد قصر عن بعض الألفاظ التي ذكرها عبد الله بن بكر ، عن ابن أبي عروبة ، وقد رواه سعيد بن المبارك ، ويزيد بن زريع ، ومحمد بن بشر العبدي ، ويحيى القطان ، ومحمد بن أبي عدي ، فأحسنوا سياقه ، واستوفوا ألفاظه ، وكذلك رواه أبان بن يزيد ، وجرير بن حازم ، وموسى ابن خلف ، عن قتادة . ، ورواه شعبة ، عن قتادة ، فلم يذكر استسعاء العبد ، وكذلك رواه روح بن عبادة ، ومعاذ بن هشام ، كلاهما عن هشام الدستوائي ، عن قتادة إلا أن معاذا لم يذكر في إسناده النضر ، إنما قال : عن قتادة ، عن بشير بن نهيك .
ورواه محمد بن كثير العبدي ، عن همام ، عن قتادة ، وروى أبو عبد الرحمن بن عبد الله بن يزيد المصري عن همام معنى ذلك ، إلا أنه زاد فيه ذكر الاستسعاء ، وجعله من قول قتادة ، وميزه من كلام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، فقال : وكان قتادة يقول : إن لم يكن له مال استسعى ، وفي لفظ عند الإسماعيلي أن رجلا أعتق شقصا من مملوكه فغرمه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بقية ثمنه . قال الإسماعيلي : إن كان الاستسعاء على ما يذهب إليه الكوفي منه فقد جمع بين حديثي ابن عمر ، وأبي هريرة ، وهما متدافعان ، وجعلهما صحيحين ، وهذا بعيد جدا ، والقول في ذلك أحد قولين : أحدهما : إن قوله : استسعى العبد ليس في الخبر المسند ، وإنما هو لقتادة ، فدرج في الخبر على ما رواه همام عن قتادة ، وإما أن يكون استسعاء العبد السيد يستسعيه في قومه غير مشقوق عليه أن العتق لم يكمل فيه ، فإنه لم يبين في الخبر من يستسعيه ، وتبين أن العتق لم ينفذ فيه فصار سيده هو الذي يستسعيه . ( قلت ) : أبو هريرة روى هذا الحديث ، كما رواه ابن عمر ، وزاد عليه شيئا بين به كيف حكم ما بقي من العبد بعد نصيب المعتق ، كما هو مشروح فيه ، فكان هذا الحديث فيه ما في حديث ابن عمر ، وفيه وجوب السعاية على العبد إذا كان معتقه معسرا ، وسنزيد فيه عن قريب إن شاء الله تعالى .
( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) رواه البخاري أيضا في العتق ، عن مسدد ، وعن أحمد بن أبي رجاء ، وفي الشركة أيضا عن أبي النعمان ، وأخرجه مسلم في العتق ، وفي النذور ، عن محمد بن موسى ، ومحمد بن بشار ، وفي النذور أيضا عن عبيد الله بن معاذ ، وفي العتق أيضا عن علي بن خشرم ، وفي النذور أيضا عن إسحاق بن إبراهيم وعلي بن خشرم ، وفيهما أيضا عن عمرو الناقد ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، وفي العتق أيضا عن هارون بن عبد الله ، وأخرجه أبو داود في العتق ، عن مسلم بن إبراهيم ، وعن محمد بن المثنى ، وعن محمد بن كثير ، وعن أحمد بن علي ، وعن محمد بن المثنى ، عن معاذ ، ولم يذكر النضر بن أنس في إسناده ، وعن نصر بن علي ، وعن علي بن عبد الله ، وعن محمد بن بشار . وفي حديث أبان وابن أبي عروبة ذكر الاستسعاء ، وأخرجه الترمذي في الأحكام عن علي بن خشرم به ، وعن محمد بن بشار ، وفيه ذكر الاستسعاء ، قال : ورواه شعبة عن قتادة ، ولم يذكر فيه أمر السعاية . وأخرجه النسائي في العتق ، عن محمد بن المثنى ، وعن محمد بن بشار ، وعن هناد ، وعن نصر بن علي ، وعن المؤمل بن هشام ، وعن محمد بن عبد الله .
وفيه ذكر السعاية ، وعن محمد بن المثنى ، ومحمد بن إسماعيل ، ولم يذكر النضر بن أنس في إسناده ، ولا قصة الاستسعاء ، وأخرجه ابن ماجه في الأحكام ، عن أبي بكر بن أبي شيبة به . ( ذكر بيان ما في حديثي أبي هريرة وابن عمر المذكورين ) قد ذكرنا عن قريب أن في حديث أبي هريرة زيادة ، وهي وجوب السعاية على العبد إذا كان المعتق معسرا . فإن قلت : قال الخطابي : قوله : استسعى غير مشقوق عليه لا يثبته أهل النقل مسندا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، ويزعمون أنه من قول قتادة ، وقد تأوله بعض الناس ، فقال : معنى السعاية أن يستسعى العبد لسيده ، أي : يستخدم ، وكذلك معنى قوله : غير مشقوق عليه ، أي : لا يحمل فوق ما يلزمه من الخدمة إلا بقدر ما فيه من الرق ، ولا يطالب بأكثر منه ، وأيضا لم يذكر ابن أبي عروبة بالسعاية في روايته عن قتادة ، وفيه اضطراب ، فدل على أنه ليس من متن الحديث عنده ، وإنما هو من كلام قتادة ، ويدل على صحة ذلك حديث ابن عمر ، وقال أبو عمر بن عبد البر : روى أبو هريرة هذا الحديث على خلاف ما رواه ابن عمر ، واختلف في حديثه ، وهو حديث يدور على قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة .
واختلف أصحاب قتادة عليه في الاستسعاء ، وهو الموضع المخالف لحديث ابن عمر من رواية مالك وغيره ، واتفق شعبة وهمام على ترك ذكر السعاية في هذا الحديث ، والقول قولهم في قتادة عند جميع أهل العلم بالحديث إذا خالفهم في قتادة غيرهم ، وأصحاب قتادة الذين هم حجة ، فيه هؤلاء الثلاثة فإن اتفق هؤلاء الثلاثة لم يعرج على من خالفهم في قتادة ، وإن اختلفوا نظر ، فإن اتفق منهم اثنان ، وانفرد واحد فالقول قول الاثنين لا سيما إذا كان أحدهما شعبة ، وليس أحد بالجملة في قتادة مثل شعبة ؛ لأنه كان يوقفه على الإسناد والسماع ، وقد اتفق شعبة وهشام في هذا الحديث على سقوط ذكر الاستسعاء فيه ، وتابعهما همام ، وفي هذا تقوية لحديث ابن عمر ، وهو حديث مدني صحيح لا يقاس به غيره ، وهو أولى ما قيل به في هذا الباب . وقال البيهقي : ضعف الشافعي السعاية بوجوه . منها أن شعبة وهشاما روياه ، عن قتادة ، وليس فيه استسعاء ، وهما أحفظ ، ومنها أنه سمع بعض أهل العلم يقول : لو كان حديث سعيد منفردا لا يخالفه غيره ما كان ثابتا .
( قلت ) : تابع ابن أبي عروبة على روايته ، عن قتادة يحيى بن أبي صبيح ، رواه الحميدي ، عن سفيان بن عيينة ، عن ابن أبي عروبة ، ويحيى بن صبيح ، عن قتادة على ما رواه الطحاوي ، عن محمد بن النعمان ، عن الحميدي ، وهو شيخ البخاري ، عن سفيان بن عيينة شيخ الشافعي ، عن سعيد بن أبي عروبة ، ويحيى بن صبيح ، بفتح الصاد الخراساني المقري ، كلاهما عن قتادة كذلك ، وقد ذكر البيهقي أيضا في سننه أن الحجاج ، وأبان ، وموسى بن خلف ، وجرير بن حازم ، رووه عن قتادة كذلك ، يعني ذكروا فيه الاستسعاء ، وإذا سكت شعبة ، وهشام عن الاستسعاء لم يكن ذلك حجة على ابن أبي عروبة ؛ لأنه ثقة قد زاد عليهما شيئا ، فالقول قوله ، كيف وقد وافقه على ذلك جماعة ، وقال ابن حزم : هذا خبر في غاية الصحة فلا يجوز الخروج عن الزيادة التي فيه ، وقد رواه عنه يزيد بن هارون ، وعيسى بن يونس ، وجماعة كثيرة ذكرهم صاحب ( التمهيد ) ، ولم يختلفوا عليه في أمر السعاية ، منهم عبدة بن سليمان ، وهو أثبت الناس سماعا من ابن أبي عروبة . وقال صاحب ( الاستذكار ) ، وممن رواه عنه كذلك روح بن عبادة ، ويزيد بن زريع ، وعلي بن مسهر ، ويحيى بن سعيد ، ومحمد بن بكر ، ويحيى بن أبي عدي ، ولو كان هذا الحديث غير ثابت ، كما زعمه الشافعي لما أخرجه الشيخان في صحيحيهما . وقال شارح ( العمدة ) : الذين لم يقولوا بالاستسعاء تعللوا في تضعيفه بتعللات على البعد ، ولا يمكنهم الوفاء بمثلها في المواضع التي يحتاجون إلى الاستدلال فيها بأحاديث يرد عليهم فيها مثل تلك التعللات .
( ذكر معناه ) . قوله : شقيصا ، بفتح الشين المعجمة ، وكسر القاف بمعنى الشقص ، وهو النصيب ، وقد ذكرنا أنهما لغتان بمعنى واحد كالنصيف والنصف . قوله : فعليه خلاصه ، أي : فعليه أداء قيمة الباقي من ماله ليتخلص من الرق .
قوله : قيمة عدل قد مضى تفسيره . قوله : غير مشقوق ، أي : غير مكلف عليه في الاكتساب ، حاصله يكلف العبد بالاستسعاء قدر نصيب الشريك الآخر بلا تشديد فإذا دفعه إليه عتق ، ومعنى هذا الحديث مثل معنى حديث ابن عمر ، غير أن فيه زيادة هي الاستسعاء ، وثبت هذا عند الشيخين والترمذي أيضا ، وروى ابن عدي في ( الكامل ) من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قال : من أعتق شقصان من رقيق كان عليه أن يعتق نفسه ، فإن لم يكن له مال يستسعى العبد ، والله أعلم .