حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه

حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثني زكرياء ، قال : سمعت عامرا ، يقول : سمعت النعمان بن بشير رضي الله عنهما ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قال : مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها ، وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم ، فقالوا : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ، ولم نؤذ من فوقنا ، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا . مطابقته للترجمة في قوله : استهموا على سفينة ، وأبو نعيم ، بضم النون الفضل بن دكين الأحول الكوفي ، وزكرياء هو ابن زائدة الهمداني الكوفي الأعمى ، وعامر هو الشعبي ، والنعمان بن بشير ، بفتح الباء الموحدة الأنصاري مر في كتاب الإيمان . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الشهادات ، عن عمر بن حفص بن غياث ، عن أبيه ، عن الأعمش ، عن الشعبي ، به .

وأخرجه الترمذي في الفتن ، عن أحمد بن منيع ، عن أبي معاوية ، عن الأعمش ، به . وقال : حسن صحيح . قوله : مثل القائم على حدود الله تعالى ، أي : المستقيم على ما منع الله تعالى من مجاوزتها ، ويقال : القائم بأمر الله معناه : الآمر بالمعروف ، والناهي عن المنكر .

وقال الزجاج : أصل الحد في اللغة المنع ، ومنه حد الدار ، وهو ما يمنع غيرها من الدخول فيها ، والحداد الحاجب والبواب ، ولفظ الترمذي : مثل القائم على حدود الله تعالى ، والمدهن فيها ، أي : الغاش فيها ، ذكره ابن فارس ، وقيل : هو كالمصانعة ، ومنه قوله تعالى : ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ وقيل : المدهن المتلين لمن لا ينبغي التلين له . قوله : والواقع فيها ، أي : في الحدود ، أي : التارك للمعروف المرتكب للمنكر . قوله : استهموا ، أي : اتخذ كل واحد منهم سهما ، أي : نصيبا من السفينة بالقرعة .

قوله : على من فوقهم ، أي : على الذين فوقهم . قوله : ولم نؤذ ، من الأذى ، وهو الضرر . قوله : من فوقنا ، أي : الذين سكنوا فوقنا .

قوله : فإن يتركوهم وما أرادوا ، أي : فإن يترك الذين سكنوا فوقهم إرادة الذين سكنوا تحتهم من الخرق ، والواو بمعنى مع ، وكلمة ما مصدرية . قوله : هلكوا جواب الشرط ، وهو قوله : فإن . قوله : هلكوا جميعا ، أي : كلهم الذين سكنوا فوق ، والذين سكنوا أسفل ؛ لأن بخرق السفينة تغرق السفينة ، ويهلك أهلها .

قوله : وإن أخذوا على أيديهم ، أي : وإن منعوهم من الخرق نجوا ، أي : الآخذون ، ونجوا جميعا ، يعني جميع من في السفينة ، ولو لم يذكر . قوله : ونجوا جميعا لكانت النجاة اختصت بالآخذين فقط ، وليس كذلك بل كلهم نجوا لعدم الخرق ، وهكذا إذا أقيمت الحدود وأمر بالمعروف ، ونهي عن المنكر تحصل النجاة للكل ، وإلا هلك العاصي بالمعصية ، وغيرهم بترك الإقامة . ويستفاد منه أحكام فيه جواز الضرب بالمثل ، وجواز القرعة فإنه صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضرب المثل هنا بالقوم الذين ركبوا السفينة ، ولم يذم المستهمين في السفية ، ولا أبطل فعلهم بل رضيه ، وضرب به مثلا لمن نجا من الهلكة في دينه ، وفيه تعذيب العامة بذنوب الخاصة ، واستحقاق العقوبة بترك النهي عن المنكر مع القدرة ، وفيه أنه يجب على الجار أن يصبر على شيء من أذى جاره خوف ما هو أشد ، وفيه إثبات القرعة في سكنى السفية إذا تشاحوا ، وذلك فيما إذا نزلوا معا فأما من سبق منهم فهو أحق ، وذكر ابن بطال هنا مسألة الدار التي لها علو وسفل لمناسبة بينها وبين أهل السفينة ، فقال : وأما حكم العلو والسفل يكون بين رجلين فيعتل السفل ، ويريد صاحبه هدمه فليس له هدمه إلا من ضرورة ، وليس لرب العلو أن يبني على سفله شيئا لم يكن قبل إلا الشيء الخفيف الذي لا يضر صاحب السفل ، فلو انكسرت خشبة من سفل العلو فلا يدخل مكانها أسفل منها .

قال أشهب : وباب الدار على صاحب السفل ، فلو انهدم السفل أجبر صاحبه على بنائه ، وليس على صاحب العلو أن يبني السفل ، فإن أبى صاحب السفل أن يبني قيل له : بع ممن يبني ، انتهى . ( قلت ) : الذي ذكره أصحابنا أنه ليس لصاحب العلو إذا انهدم السفل أن يأخذ صاحب السفل بالبناء ، لكن يقال لصاحب العلو : ابن السفل إن شئت حتى يبلغ موضع علوك ، ثم ابن علوك ، وليس لصاحب السفل أن يسكن حتى يعطي قيمة بناء السفل ، وذو العلو يسكن علوه ، والسفل كالرهن في يده ، وسقف السفل بكل آلاته لصاحب السفل ، ولصاحب العلو سكناه ، وصاحب العلو إذا بنى السفل فله أن يرجع بما أنفق على صاحب السفل ، وإن كان صاحب السفل يقول : لا حاجة لي إلى السفل .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث