كتاب الرهن في الحضر
حدثنا مسلم بن إبراهيم قال : حدثنا هشام قال : حدثنا قتادة عن أنس رضي الله عنه قال : ولقد رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعه بشعير ، ومشيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بخبز شعير ، وإهالة سنخة ، ولقد سمعته يقول : ما أصبح لآل محمد صلى الله عليه وسلم إلا صاع ، ولا أمسى ، وإنهم لتسعة أبيات . مطابقته للترجمة في قوله : ولقد رهن رسول الله درعه بشعير ، ومضى الحديث في أوائل كتاب البيوع في باب شراء النبي صلى الله عليه وسلم بالنسيئة ، فإنه أخرجه هناك عن مسلم ، عن هشام ، عن قتادة ، عن أنس ، وعن محمد بن عبد الله بن حوشب ، عن أسباط ، عن هشام الدستوائي ، عن قتادة ، عن أنس ، ومضى الكلام فيه مستوفى . قوله : ولقد رهنه معطوف على شيء محذوف بينه ما رواه أحمد من طريق أبان العطار ، عن قتادة ، عن أنس أن يهوديا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابه ، ولقد رهن إلى آخره ، وهذا اليهودي هو أبو الشحم ، واسمه كنيته ، وهو من بني ظفر بفتح الظاء المعجمة والفاء وهو بطن من الأوس ، وكان حليفا لهم ، وكان قدر الشعير ثلاثين صاعا كما سيأتي في البخاري من حديث عائشة في الجهاد ، وكذلك رواه أحمد ، وابن ماجه ، والطبراني ، وفي رواية الترمذي والنسائي بعشرين صاعا ، ووقع لابن حبان من طريق شيبان ، عن قتادة ، عن أنس أن قيمة الطعام كانت دينارا ، وزاد أحمد من طريق شيبان : فما وجد ما يفتكها به حتى مات ، قوله : درعه بكسر الدال يذكر ويؤنث ، قوله : بشعير الباء فيه للمقابلة أي رهن درعه في مقابلة شعير ، قوله : ومشيت أي قال أنس : مشيت إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، قوله : بخبز شعير بالإضافة والباء فيه تتعلق بمشيت ، قوله : وإهالة بكسر الهمزة وتخفيف الهاء ما أذيب من الشحم والألية ، وقيل : هو كل دسم جامد ، وقيل : ما يؤتدم به من الأدهان ، قوله : سنخة بفتح السين المهملة وكسر النون وفتح الخاء المعجمة أي متغيرة الريح ، ويقال : زنخة أيضا بالزاي موضع السين ، قوله : ولقد سمعته أي قال أنس رضي الله تعالى عنه : لقد سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول ، وقد مر ما قال الكرماني فيه ، وما رد عليه ، وما أجبت عنه في الباب المذكور ، قوله : ما أصبح لآل محمد إلا صاع ولا أمسى كذا بهذه العبارة وقع لجميع الرواة ، وكذا ذكره الحميدي في الجمع ، ووقع لأبي نعيم في المستخرج من طريق الكجي عن مسلم بن إبراهيم شيخ البخاري المذكور في سند الحديث بلفظ : ما أصبح لآل محمد ، ولا أمسى إلا صاع ، وهذا أحسن ، وفيه تنازع الفعلان في ارتفاع صاع ، وفي رواية البخاري قوله : أصبح فعل وفاعله صاع ويقدر صاع آخر في قوله : ولا أمسى أي ولا أمسى صاع ، ووقع في رواية أحمد ، عن أبي عامر ، والإسماعيلي من طريقه ، وللترمذي من طريق ابن أبي عدي ، ومعاذ بن هشام ، وللنسائي من طريق هشام بلفظ : ما أمسى في آل محمد صاع تمر ولا صاع حب ، والمراد بالآل أهل بيته صلى الله تعالى عليه وسلم ، وقد بينه بقوله : وإنهم أي وإن آله لتسعة أبيات وأراد به بطريق الكناية تسع نسوة ، وكذا وقع في رواية هؤلاء المذكورين ، ولم يقل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم هذه المقالة بطريق التضجر حاشا وكلا ، وإنما هو بيان الواقع .
وفيه من الفوائد جواز معاملة الكفار فيما لم يتحقق تحريم عين المتعامل فيه ، وعدم الاعتبار بفساد معتقدهم ، ومعاملاتهم فيما بينهم ، وفيه جواز بيع السلاح ورهنه ، وإجارته ، وغير ذلك من الكافر ما لم يكن حربيا ، وفيه ثبوت أملاك أهل الذمة في أيديهم ، وفيه جواز الشراء بالثمن المؤجل ، وفيه جواز اتخاذ الدروع وغيرها من آلات الحرب ، وأنه غير قادح في التوكل ، وفيه أن قنية آلة الحرب لا تدل على تحبيسها ، وفيه أن أكثر قوت ذلك العصر الشعير قاله الداودي ، وفيه ما كان فيه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من التواضع والزهد في الدنيا والتقلل منها مع قدرته عليها ، والكرم الذي أفضى به إلى عدم الادخار حتى احتاج إلى رهن درعه ، والصبر على ضيق العيش ، والقناعة باليسير ، وفيه فضيلة أزواجه صلى الله تعالى عليه وسلم لصبرهن معه على ذلك ، وفيه فوائد أخرى ذكرناها هناك .