باب قول النبي صلى الله عليه وسلم العبيد إخوانكم فأطعموهم مما تأكلون
حدثنا آدم بن أبي إياس ، قال : حدثنا شعبة ، قال : حدثنا واصل الأحدب قال : سمعت المعرور بن سويد قال : رأيت أبا ذر الغفاري رضي الله عنه وعليه حلة ، وعلى غلامه حلة ، فسألناه عن ذلك فقال : إني ساببت رجلا فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم : أعيرته بأمه ، ثم قال : إن إخوانكم خولكم ، جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ، ولا تكلفوهم ما يغلبهم ، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وواصل هو ابن حيان بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف الكوفي ، والمعرور بفتح الميم وسكون العين المهملة وضم الراء الأولى وهو من كبار التابعين يقال : عاش مائة وعشرين سنة ، وقد مر الحديث في كتاب الإيمان في باب المعاصي من أمر الجاهلية ، فإنه أخرجه هناك عن سليمان بن حرب ، عن شعبة ، عن واصل إلى آخره ، وفيه زيادة ، وهي قوله : إنك امرؤ فيك جاهلية ، وقد مر الكلام فيه هناك مستوفى ، ولنذكر بعض شيء . قوله : حلة هي واحدة الحلل ، وهي برود اليمن ، ولا تسمى حلة إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد ، قوله : ساببت رجلا قيل : هو بلال رضي الله تعالى عنه ، قوله : أعيرته الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الإنكار ، قوله : إن إخوانكم المراد أخوة الإسلام والنسب لأن الناس كلهم بنو آدم عليه السلام ، قوله : خولكم أي حشمكم وخدمكم ، وواحد الخول خائل ، وقد يكون واحدا ويقع على العبد والأمة ، وهو مأخوذ من التخويل ، وهو التمليك ، وقيل : من الرعاية ، قوله : تحت يده أي ملكه ، وإن كان العبد محترفا فلا وجوب على السيد ، قوله : فليطعمه أمر ندب ، وكذلك وليلبسه ، وقيل لمالك رحمه الله : أيأكل من طعام لا يأكل منه عياله ورقيقه ، ويلبس ثيابا لا يلبسون ؟ قال : أراه من ذلك في سعة ، قيل له : فحديث أبي ذر ؟ قال : كانوا يومئذ ليس لهم هذا القوت ، قوله : ولا تكلفوهم ما يغلبهم أي لا تكلفوهم على عمل يغلبهم عن إقامته ، وهذا واجب ، وكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يأتي الحوائط فمن رآه من العبيد كلف ما لا يطيق وضع عنه ، ومن أقل رزقه زاده فيه ، قال مالك : وكذلك يفعل فيمن يفعل من الأجراء ، ولا يطيقه ، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : أوصيكم بالضعيفين المرأة والمملوك ، وأمر صلى الله عليه وسلم موالي أبي طيبة أن يخففوا عنه من خراجه ، وفي التوضيح : التسوية في المطعم والملبس استحباب ، وهو ما عليه العلماء ، فلو كان سيده يأكل الفائق ويلبس الغالي فلا يجب عليه أن يساوي مملوكه فيه ، وما أحسن تعليل مالك وهو ما ذكرناه الآن من قوله : ليس لهم هذا القوت ، وإنما كان الغالب من قوتهم التمر والشعير ، وقد صح أن سيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال : للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق ، فإن زاد على ما فرض عليه من قوته وكسوته بالمعروف كان متفضلا متطوعا ، وقال ربيعة بن عبد الرحمن : لو أن رجلا عمل لنفسه خبيصا فأكله دون خادمه ما كان بذلك بأس ، وكان يفتي أنه إذا أطعم خادمه من الخبز الذي يأكل منه فقد أطعمه مما يأكل منه لأن من عند العرب للتبعيض ، ولو قال : أطعموهم من كل ما تأكلون لعم الخبيص وغيره ، وكذا في اللباس قوله : فإن كلفتموهم فإن قلت : إذا نهى عن التكليف فكيف عقبه بقوله : فإن كلفتموهم ، ( قلت ) : النهي للتنزيه قاله الكرماني وفيه نظر لأن الله تعالى قال : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا ولما لم يكلف الله فوق طاقتنا ونحن عبيده وجب علينا أن نمتثل لحكمه ، وطريقته في عبيدنا ، وروى هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة مرفوعا : لا تستخدموا رقيقكم بالليل ، فإن النهار لكم ، والليل لهم ، وروى معمر عن أيوب ، عن أبي قلابة يرفعه إلى سلمان أن رجلا أتاه وهو يعجن ، فقال : أين الخادم ؟ قال : أرسلته لحاجة ، فلم نكن لنجمع عليه شيئين ، أن نرسله ولا نكفيه عمله ، ووقف علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه على تاجر لا يعرفه فاشترى منه قميصين بعشرة دراهم ، فقال لعبده : اختر أيهما شئت .
وفيه من الفوائد النهي عن سب الرقيق وتعييرهم بمن ولدهم ، وفيه الحث على الإحسان إليهم ، والرفق بهم ، ويلحق بالرقيق من كان في معناه من أجير ، ومستخدم في أمر ونحوهما ، وفيه عدم الترفع على المسلم ، والاحتقار ، وفيه المحافظة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وفيه إطلاق الأخ على الرقيق .