حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها

وقال الزهري فيمن قال لامرأته هبي لي بعض صداقك أو كله ثم لم يمكث إلا يسيرا حتى طلقها فرجعت فيه ، قال : يرد إليها إن كان خلبها ، وإن كانت أعطته عن طيب نفس ليس في شيء من أمره خديعة جاز ، قال الله تعالى : فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه . الزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب ، وهذا التعليق وصله عبد الله بن وهب عن يونس بن يزيد عنه . قوله ( هبي ) أمر للمؤنث من وهب يهب ، وأصله أوهبي ؛ حذفت الواو منه تبعا لفعله ، لأن أصل يهب يوهب ، فلما حذفت الواو استُغني عن الهمزة فحذفت ، فصار هبي على وزن علي .

قوله ( أو كله ) ؛ أي أو قال هبي لي كل الصداق . قوله ( يرد إليها ) ؛ أي يرد الزوج الصداق إليها . قوله ( إن كان خلبها ) بفتح الخاء المعجمة واللام والباء الموحدة ؛ أي إن كان خدعها .

ومنه في الحديث : إذا بعت فقل لا خلابة ؛ أي لا خداع . فإن قلت : روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال : رأيت القضاة يقبلون المرأة فيما وهبت لزوجها ولا يقبلون الزوج فيما وهب لامرأته - قلت : التوفيق بينهما أن رواية معمر عنه هو منقول ، ورواية يونس عنه هو اختياره ، وهو التفصيل المذكور بين أن يكون خدعها فلها أن ترجع أو لا فلا ، وهو قول المالكية إن أقاما البينة على ذلك ، وقيل : يقبل قوله في ذلك مطلقا . وإلى عدم الرجوع من الجانبين مطلقا ذهب الجمهور ، وإلى التفصيل الذي نقل عن الزهري ذهب شريح القاضي ، وإذا وهب أحد الزوجين للآخر لا بد في ذلك من القبض وهو قول ابن سيرين وشريح والشعبي ومسروق والثوري وأبي حنيفة والشافعي وهو رواية أشهب عن مالك ، وقال ابن أبي ليلى : والحسن لا يحتاج إلى القبض .

قوله فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ الآية ، احتج بهذه الزهري فيما ذهب إليه ، وقبلها : ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا الخطاب في قوله وَآتُوا النِّسَاءَ للناكحين ، وقال مقاتل : كان الرجل يتزوج ثم يقول : أرثك وترثيني . فتقول المرأة : نعم - فنزلت . وقيل : إن الرجل كان يعطي الرجل أخته ويأخذ أخته مكانها من غير مهر ، فنهوا عن ذلك بهذه الآية .

قوله صَدُقَاتِهِنَّ ؛ أي مهورهن ، واحدها صدقة بفتح الصاد وضم الدال وهي لغة أهل الحجاز ، وتميم تقول صُدْقة بضم الصاد وسكون الدال ، فإذا جمعوا قالوا صُدُْقات بضم الصاد وسكون الدال ، وبضم الدال أيضا مثل ظلمات . قوله نِحْلَةً ؛ أي فريضة مسماة ، قاله قتادة وابن جريج ومقاتل ، وعن ابن عباس : النحلة المهر . وقال ابن زيد : النحلة في كلام العرب الواجب ، تقول لا ينكحها إلا بشيء واجب لها ، وليس ينبغي لأحد بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينكح امرأة إلا بصداق واجب ، ولا ينبغي أن تكون تسمية الصداق كذبا بغير حق .

وقيل : النحلة الديانة والملة ، والتقدير : وآتوهن صدقاتهن ديانة . وفيه لغتان : كسر الصاد وضمها وانتصابها على المصدر أو على الحال ، وقال الزمخشري : المعنى آتوهن مهورهن ديانة على أنه مفعول له ، ويجوز أن يكون حالا من المخاطبين ؛ أي ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء أو من الصدقات ، أي منحولة معطاة عن طيبة الأنفس ، والخطاب للأزواج وقيل للأولياء لأنهم كانوا يأخذون مهور بناتهم ، وكانوا يقولون هنيئا لك النافجة لمن يولد له بنت ؛ يعنون تأخذ مهرها فتنفج به مالك أي تعظمه . قوله فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ ؛ يعني النساء المنكوحات أيها الأزواج عن شيء منه أي من الصداق ، وقال الزمخشري : الضمير في منه جار مجرى اسم الإشارة ، كأنه قيل : عن شيء من ذلك .

قوله نَفْسًا نصب على التمييز ، وإنما وحد لأن الغرض بيان الجنس ، والواحد يدل عليه ، والمعنى : فإن وهبن لكم شيئا من الصداق ونحلت عن نفوسهن طيبات غير مخبثات بما يضطرهن إلى الهبة من شكاسة أخلاقكم وسوء معاشرتكم فكلوه فأنفقوه . قال الفقهاء : فإن وهبت له ثم طلبت منه بعد الهبة علم أنها لم تطب منه نفسا . قوله هَنِيئًا مَرِيئًا نعت لمصدر محذوف ؛ أي أكلا هنيئا ، وقيل هو مصدر في موضع الحال أي أكلا هنيئا ، والهنيء ما يؤمن عاقبته ، وقيل ما أورث نفعا وشفاء ، وقيل الطيب المساغ الذي لا ينغصه شيء ، وهو مأخوذ من هنأت البعير إذا عالجته بالقطران من الجرب ، والمعنى : فكلوه دواء شافيا ، والْمَرِيءُ المحمود العاقبة التام الهضم الذي لا يضر ولا يؤذي ، وقيل : الهنيء ما يلذ الآكل ، والمريء ما يحمد عاقبته .

وقيل لمدخل الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة المريء لمرء الطعام فيه وهو انسياغه ، وفي تفسير مقاتل : هنيئا يعني حلا مريئا ، يعني طيبا .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث