حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب قبول الهدية من المشركين

وقال أبو هريرة : عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : هاجر إبراهيم عليه السلام بسارَّة فدخل قرية فيها مالك أو جبار ، فقال : أعطوها آجر . ذكر هذا التعليق مختصرا ، وأخرجه موصولا في كتاب البيوع في باب شراء المملوك من الحربي ، وقد تقدم الكلام فيه هناك ، وأخرجه أيضا موصولا في أحاديث الأنبياء عليهم السلام . وقصته على ما قال علماء السير أن إبراهيم أقام بالشام مدة ، فقحط الشام فسار إلى مصر ومعه سارَّة ولوط عليهم السلام ، وكان بها فرعون ، وهو أول الفراعنة ، عاش دهرا طويلا ، واختلفوا فيه ؛ فقال قوم هو سنان بن علوان بن عبيد بن عويج بن عملاق بن لاود بن سام بن نوح عليه السلام ، وقيل سنان بن الأهبوب أخو الضحاك وهو الذي بعثه إلى مصر وأقام بها ، وقيل عمرو بن امرئ القيس بن نابليون بن سبأ ، وقيل طوليس .

وكانت سارة من أجمل النساء ، وكانت لا تعصي لإبراهيم عليه السلام شيئا فلذلك أكرمها الله تعالى ، فأتى الجبار رجل وقال : إنه قدم رجل ومعه امرأة من أحسن الناس وجها ! ووصف له حسنها وجمالها ، فأرسل الجبار إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقال : ما هذه المرأة منك ؟ قال : هي أختي . وخاف إن قال امرأتي أن يقتله ، فقال له : زينها وأرسلها إلي ولا تمتنع حتى أنظر إليها . فرجع إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى سارة وقال لها : إن هذا الجبار قد سألني عنك فأخبرته أنك أختي ، فلا تكذبيني عنده فإنك أختي في كتاب الله تعالى ، وإنه ليس في هذه الأرض مسلم غيري وغيرك ولوط .

ثم أقبلت سارة إلى الجبار ، وقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام يصلي ، فلما دخلت عليه ورآها فتناولها بيده فيبست إلى صدره ، فلما رأى ذلك فرعون أعظم أمرها وقال لها : سلي إلهك أن يطلق عني ، فوالله لا أوذيك . فقالت سارَّة : اللهم إن كان صادقا فأطلق له يده ! فأطلق الله له يده ، وقيل فعل ذلك ثلاث مرات ، فلما رأى ذلك ردها إلى إبراهيم ووهب لها هاجر وهي التي ذكرت في حديث الباب آجر وهي لغة في هاجر ، فأقبلت سارة إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام فلما أحس بها انفتل من صلاته فقال : مهيم ؟ فقالت : كفى الله كيد الفاجر وأخدمني هاجر . واختلفوا في هاجر ؛ فقال مقاتل : كانت من ولد هود عليه الصلاة والسلام .

وقال الضحاك : كانت بنت ملك مصر ، وكان الملك ساكنا بمنف وعليه ملك آخر . وقيل : إنما غلبه فرعون فقتله وسبى ابنته فاسترقها ووهبها لسارة ، ووهبتها سارة لإبراهيم فواقعها إبراهيم عليه الصلاة والسلام فولدت إسماعيل ، وسارة بنت هاران أخ إبراهيم عليه الصلاة والسلام . قال ابن كثير : والمشهور أن سارَّة ابنة عمه هاران أخت لوط عليه الصلاة والسلام كما حكاه السهيلي ، ومن ادعى أن تزويج بنت الأخ كان إذ ذاك مشروعا فليس له على ذلك دليل ، ولو فرض أنه كان مشروعا وهو منقول عن الربانيين من اليهود كان الأنبياء عليهم السلام لا يتعاطونه .

وقال السدي : وكانت سارَّة بنت ملك حران ، وكان قد بلغها خبر الخليل عليه الصلاة والسلام فآمنت به وعابت على قومها عبادة الأوثان ، فلما قدم الخليل حران تزوجته على أن لا يغيرها ، وذهب بعض العلماء إلى نبوة ثلاث نسوة : سارة ، وأم موسى ، ومريم - عليهن السلام ، والذي عليه الجمهور أنهن صديقات . وأهديت للنبي - صلى الله عليه وسلم - شاة فيها سم . يأتي حديث هذه الهدية في هذا الباب موصول ، ويأتي الكلام فيها هناك .

وقال أبو حميد : أهدى ملك أيلة للنبي - صلى الله عليه وسلم - بغلة بيضاء وكساه بردا ، وكتب له ببحرهم . أبو حميد الساعدي الأنصاري ، قيل اسمه عبد الرحمن ، وقيل غير ذلك . والحديث المعلق مضى مطولا في كتاب الزكاة في باب خرص التمر ، وقد مر الكلام فيه هناك ، وأيلة - بفتح الهمزة وسكون الياء آخر الحروف - بلدة معروفة بساحل البحر في طريق المصريين إلى مكة ، وهي الآن خراب .

قوله ( وكتب له ببحرهم ) ؛ أي ببلدهم وحكومة أرضهم وديارهم له ، وهذا هو الظاهر لا البحر الذي هو ضد البر كما توهمه بعضهم . 48 - حدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا يونس بن محمد قال : حدثنا شيبان ، عن قتادة قال : حدثنا أنس رضي الله عنه قال : أهدي للنبي - صلى الله عليه وسلم - جبة سندس ، وكان ينهى عن الحرير ، فعجب الناس منها ، فقال صلى الله عليه وسلم : والذي نفس محمد بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا . مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأن فيه قبول الهدية من المشرك ، لأن الذي أهداها هو أكيدر دومة على ما يجيء عن قريب .

وعبد الله بن محمد بن عبد الله أبو جعفر البخاري المعروف بالمسندي ، وهو من أفراده . ويونس بن محمد أبو محمد المؤدب البغدادي ، وشيبان - بفتح الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف - ابن عبد الرحمن النحوي . والحديث أخرجه البخاري أيضا في صفة الجنة عن عبد الله بن محمد أيضا ، وأخرجه مسلم في الفضائل عن زهير بن حرب عن يونس بن محمد عنه به .

قوله ( أهدي ) على صيغة المجهول ، والمهدي هو أكيدر كما ذكرناه الآن . قوله ( سندس ) ، قال ابن الأثير : السندس ما رق من الديباج ورفع . وقال الداودي : السندس رقيق الديباج ، والإستبرق غليظه .

وقال ابن التين : الإستبرق أفضل من السندس لأنه غليظ الديباج ، وكل ما غلظ من الحرير كان أفضل من رقيقه . قوله ( وكان ينهى عن الحرير ) جملة حالية . قوله ( لمناديل سعد ) جمع منديل وهو الذي يحمل في اليد ، مشتق من الندل وهو النقل لأنه ينقل من يد إلى يد ، وقيل الندل الوسخ ، وفيه إشارة إلى منزلة سعد في الجنة وأن أدنى ثيابه فيها خير من هذه الجبة ؛ لأن المناديل في الثياب أدناها لأنه معد للوسخ والامتهان فغيره أفضل منه ، وقيل في قوله لمناديل سعد : ضرب المثال بالمناديل التي يمسح بها الأيدي وينفض بها الغبار ويتخذ لفافة لجيد الثياب ، فكانت كالخادم والثياب كالمخدوم ، فإذا كانت المناديل أفضل من هذه الثياب - أعني جبة السندس - دل على عطايا الرب جل جلاله ، قال : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين .

فإن قلت : ما وجه تخصيص سعد به ؟ قلت : لعل منديله كان من جنس ذلك الثوب لونا ونحوه ، أو كان الوقت يقتضي استمالة سعد ، أو كان اللامسون المتعجبون من الأنصار فقال منديل سيدكم خير منها ، أو كان سعد يحب ذلك الجنس من الثياب ، وقال صاحب الاستيعاب : روي أن جبريل عليه الصلاة والسلام نزل في جنازته معتجرا بعمامة من إستبرق .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث