باب الهدية للمشركين
حدثنا عبيد بن إسماعيل قال : حدثنا أبو أسامة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت : قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قلت : وهي راغبة ، أفأصل أمي ؟ قال : نعم ، صلي أمك . مطابقته للترجمة ظاهرة . وعبيد - بضم العين مصغر عبد - ابن إسماعيل ، واسمه في الأصل عبد الله ، يكنى أبا محمد الهباري القرشي الكوفي ، وهو من أفراده .
وأبو أسامة حماد بن أسامة الليثي ، وهشام بن عروة يروي عن أبيه عروة بن الزبير . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الجزية عن قتيبة ، وفي الأدب عن الحميدي . وأخرجه مسلم في الزكاة عن أبي كريب وعن ابن أبي شيبة ، وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن أبي شعيب .
ذكر معناه : قوله ( عن هشام ، عن أبيه ) ، وفي رواية ابن عيينة الآتية في الأدب أخبرني أبي . قوله ( عن أسماء ) ، وفي رواية ابن عيينة أخبرتني أسماء ، كذا قال أكثر أصحاب ابن هشام ، وقال بعض أصحاب ابن عيينة عنه عن هشام عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء ، قال الدارقطني : وهو خطأ . وحكى أبو نعيم أن عمر بن علي المقدم ويعقوب القاري روياه عن هشام كذلك ، وإذا كان كذلك يحتمل أن يكونا محفوظين ، ورواه أبو معاوية وعبد الحميد بن جعفر عن هشام فقالا عن عروة عن عائشة ، وكذا أخرجه ابن حبان من طريق الثوري عن هشام ، قال البرقاني : الأول أثبت وأشهر .
قوله ( قدمت على أمي ) ، وفي رواية الليث عن هشام كما يأتي في الأدب قدمت أمي مع ابنها ، وذكر الزبير أن اسم ابنها الحارث بن مدرك بن عبيد بن عمر بن مخزوم . ثم اختلف في هذه الأم ؛ فقيل : كانت ظئرا لها ، وقيل : كانت أمها من الرضاعة ، وقيل : كانت أمها من النسب ، وهو الأصح ، والدليل عليه ما رواه ابن سعد وأبو داود الطيالسي والحاكم من حديث عبد الله بن الزبير قال : قدمت قتيلة على ابنتها أسماء بنت أبي بكر في المدينة - وكان أبو بكر طلقها في الجاهلية - بهدايا زبيب وسمن وقرظ ، فأبت أسماء أن تقبل هديتها أو تدخلها بيتها ، فأرسلت إلى عائشة : سلي رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : لتدخلها .. .
الحديث ، وقد ذكرناه في باب قبول الهدية من المشركين ، واختلفوا في اسمها ؛ فقال الأكثرون إنها قتيلة بضم القاف وفتح التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف ، وقال الزبير بن بكار : اسمها قتلة - بفتح القاف وسكون التاء المثناة من فوق . وقال الداودي : اسمها أم بكر . وقال ابن التين : لعله كنيتها ، والصحيح قتيلة - بضم القاف على صيغة التصغير - بنت عبد العزى بن أسعد بن جابر بن نصر بن مالك بن حسل - بكسر الحاء وسكون السين المهملتين - ابن عامر بن لؤي .
وذكرها المستغفري في جملة الصحابة وقال : تأخر إسلامها . وقال أبو موسى المديني : ليس في شيء من الحديث ذكر إسلامها . قوله ( وهي مشركة ) جملة حالية .
قوله ( في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ؛ أي في زمنه وأيامه ، وفي رواية حاتم في عهد قريش إذ عاقدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأراد بذلك ما بين الحديبية والفتح . قوله ( وهي راغبة ) ، قال بعضهم : أي في الإسلام . وقال بعضهم : أي في الصلة .
وفيه نظر ؛ لأنها جاءت أسماء ومعها هدايا من زبيب وسمن وغير ذلك . قلت : وفي النظر نظر ؛ لأنها ربما كانت تأمل أن تأخذ أكثر مما أهدت . وقال بعضهم : راغبة أي عن ديني ، أي كارهة له .
وعند أبي داود راغمة بالميم ، أي كارهة للإسلام وساخطة علي ، وقال بعضهم : هاربة من الإسلام . وعند مسلم أو راهبة ، وكان أبو عمرو بن العلاء يفسر قوله مراغما بالخروج عن العدو على رغم أنفه . وقال ابن قرقول : راغبة رويناه نصبا على الحال ، ويجوز رفعه على أنه خبر مبتدأ .
وقال ابن بطال : لو أرادت به المضي لقالت مراغمة ، وهو بالباء أظهر . ووقع في كتاب ابن التين داعية ، ثم فسرها بقوله : طالبة ، ويروى معترضة له . ومما يستفاد منه جواز صلة الرحم الكافرة كالرحم المسلمة ، وفيه مستدل لمن رأى وجوب النفقة للأب الكافر والأم الكافرة على الولد المسلم ، وفيه موادعة أهل الحرب ومعاملتهم في زمن الهدنة ، وفيه السفر في زيارة القريب ، وفيه فضيلة أسماء حيث تحرت في أمر دينها وكيف لا وهي بنت الصديق وزوج الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنهم .