حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب اليمين على المدعى عليه في الأموال والحدود

باب اليمين على المدعى عليه في الأموال والحدود أي : هذا باب في بيان أن اليمين على المدعى عليه دون المدعي . قوله : في الأموال والحدود يعني سواء كان اليمين الذي على المدعى عليه في الأموال أو الحدود ، وأراد به أن هذا الحكم عام ، وقال بعضهم : يشير به إلى الرد على الكوفيين في تخصيصهم اليمين على المدعى عليه في الأموال دون الحدود . ( قلت ) : هذه الترجمة مشتملة على حكمين : الأول : أن اليمين على المدعى عليه وهو يستلزم شيئين : أحدهما : أن لا يجب يمين الاستظهار ، وفيه اختلاف العلماء وهو أن المدعي إذا أثبت ما يدعيه ببينة فللحاكم أن يستحلفه أن بينته شهدت بحق ، وإليه ذهب شريح وإبراهيم النخعي والأوزاعي والحسن بن حي ، وقد روى ابن أبي ليلى عن الحكم عن الحسن أن عليا رضي الله تعالى عنه استحلف عبد الله بن الحر مع بينته ، وذهب مالك والكوفيون والشافعي وأحمد إلى أنه لا يمين عليه ، وقال إسحاق : إذا استراب الحاكم أوجب ذلك ، والحجة لهم حديث ابن مسعود الذي مضى في الباب السابق من حيث إنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يقل للأشعث : تحلف مع البينة ، فلم يوجب على المدعي غير البينة ، وأيضا قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ الآية ، فأبرأه الله تعالى من الجلد بإقامة أربعة شهداء من غير يمين ، والآخر أن لا يصح القضاء بشاهد واحد ويمين المدعي ؛ لأن الشارع جعل اليمين على المدعى عليه ، وفيه اختلاف أيضا نذكره عن قريب .

والحكم الثاني : أن اليمين على المدعى عليه في الأموال والحدود ، وفيه اختلاف أيضا ، فذهب الشافعي ومالك وأحمد إلى القول بعموم ذلك في الأموال والحدود والنكاح ونحوه ، واستثنى مالك النكاح والطلاق والعتاق والفدية ، فقال : لا يجب في شيء منها اليمين حتى يقيم المدعي البينة ولو شاهدا واحدا ، وقال الكوفيون : يختص اليمين بالمدعى عليه في الأموال دون الحدود ، وفي التوضيح : قام الإجماع على استحلاف المدعى عليه في الأموال ، واختلفوا في الحدود والطلاق والنكاح والعتق ، فذهب الشافعي إلى أن اليمين واجبة على كل مدعى عليه إذا لم يكن للمدعي بينة ، وسواء كانت الدعوى في دم أو جراح أو طلاق أو نكاح أو عتق أو غير ذلك ، واحتج بحديث الباب : شاهداك أو يمينه ، قال : ولم يخص مدعي مال دون مدعي دم أو غيره ، بل الواجب أن يحمل على العموم ، ألا يرى أنه جعل القسامة في دعوى الدم ، وقال للأنصار : يبرئكم يهود بخمسين يمينا ، والدم أعظم حرمة من المال ، وقال الشافعي وأبو ثور : إذا ادعت المرأة على زوجها خلعا أو طلاقا وجحد الزوج الطلاق فعليها البينة وإلا يستحلف الزوج ، وإن ادعى الخلع على مال فأنكرت ، فإن أقام البينة لزمها المال وإلا حلفت ولزم الزوج الفراق لأنه أقر به ، وإن ادعى العبد العتق ولا بينة له يستحلف السيد ، فإن حلف برئ ، وإن ادعى السيد أنه أعتقه على مال وأنكر العبد حلف ، ولزم السيد العتق ، وكان أبو يوسف ومحمد يريان بأن يستحلف على النكاح فإن أبى ألزم النكاح . ( قلت ) : مذهب أبي حنيفة أن المدعى عليه لا يستحلف في النكاح بأن يدعي على امرأة نكاحا وهي تجحد ، أو ادعت هي كذلك وهو يجحد . ولا في الرجعة بأن ادعى بعد انقضاء عدتها أنه كان راجعها في العدة وهي تجحد ، أو ادعت هي كذلك وهو يجحد ، ولا في فيء الإيلاء بأن ادعى بعد مضي مدة الإيلاء أنه فاء إليها في المدة وهي تجحد ، أو ادعت المرأة كذلك وهو يجحد .

ولا في الاستيلاد بأن ادعت الأمة على سيدها أنها ولدت منه وأنكر المولى ، ولا يتصور العكس من قبله عليها لأن الاستيلاد يثبت بإقراره . ولا في الرق بأن ادعى على مجهول النسب أنه عبده ، أو ادعى مجهول النسب أنه معتقه . ولا في النسب بأن ادعى الولد على الوالد أو الوالد على الولد ، وأنكر الآخر .

ولا في الولاء بأن ادعى على معروف النسب أنه معتقه ، أو ادعى معروف النسب أنه معتقه ، أو كان ذلك في الموالاة ، وقال أبو يوسف ومحمد : يستحلف في الكل ، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد . ولا يستحلف باتفاق أصحابنا في الحد بأن قال رجل لآخر : لي عليك حد قذف وهو ينكر لا يستحلف لأنه يندرئ بالشبهات إلا إذا تضمن حقا بأن علق عتق عبده بالزنا ، وقال : إن زنيت فأنت حر فادعى العبد أنه زنى ولا بينة له عليه ، يستحلف المولى حتى إذا نكل ثبت العتق دون الزنا ، وقال القاضي الإمام فخر الدين المعروف بقاضيخان : الفتوى على أنه يستحلف المنكر في الأشياء الستة المذكورة ، وذكر ابن المنذر عن الشعبي والثوري وأصحاب الرأي أنه لا يستحلف على شيء من الحدود ولا على القذف ، وقالوا : يستحلف على السرقة فإن نكل لزمه المال ، وعند مالك : لا يمين في النكاح والطلاق والعتق والفرقة إلا أن يقيم المدعي شاهدا واحدا ، فإذا أقامه استحلف المدعى عليه ، وقال ابن حبيب : إذا أقامت المرأة أو العبد شاهدا واحدا على أن الزوج طلقها أو أن السيد أعتقه ، فاليمين تكون على السيد والزوج ، فإن حلفا سقط عنهما الطلاق والعتق ، وهذا قول مالك وابن الماجشون وابن كنانة ، وقال في المدونة : فإن نكل قضى بالطلاق والعتق ، ثم رجع مالك فقال : لا يقضي بالطلاق ويسجن ، فإن طال سجنه دين وترك ، وبه قال ابن القاسم ، وطول السجن عنده سنة . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : شاهداك أو يمينه .

وصل البخاري هذا التعليق في آخر الباب من حديث الأشعث بن قيس وهذا صريح أن الذي على المدعي البينة ، والذي على المدعى عليه اليمين ، فيقتضي منع يمين المدعي عند الرد عليه ويمين الاستظهار أيضا كما ذكرنا ، وارتفاع شاهداك على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره : المثبت لدعواك أو الحجة لك شاهداك ، ويجوز أن يكون مرفوعا على الابتداء وخبره محذوف تقديره : شاهداك هو المطلوب في دعواك أو شاهداك هما المثبتان لدعواك ونحو ذلك .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث