باب القرعة في المشكلات
حدثنا عمر بن حفص بن غياث قال : حدثنا أبي قال : حدثنا الأعمش قال : حدثني الشعبي أنه سمع النعمان بن بشير رضي الله عنهما يقول : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينة فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها ، فكان الذي في أسفلها يمرون بالماء على الذين في أعلاها فتأذوا به ، فأخذ فأسا فجعل ينقر أسفل السفينة ، فأتوه فقالوا : ما لك ؟ قال : تأذيتم بي ولا بد لي من الماء ، فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجوا أنفسهم ، وإن تركوا أهلكوه وأهلكوا أنفسهم . مطابقته للترجمة في قوله : استهموا سفينة وهذا الحديث مضى في الشركة في باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه ، فإنه أخرجه هناك عن أبي نعيم ، عن زكرياء قال : سمعت عامرا وهو الشعبي يقول : سمعت النعمان بن بشير إلى آخره ، وفي بعض النسخ وقع حديث النعمان هكذا في آخر الباب . قوله : ( مثل المدهن ) وهناك مثل القائم على حدود الله تعالى ، والمدهن بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر الهاء وفي آخره نون من الإدهان وهو المحاباة في غير حق ، وهو الذي يرائي ويضيع الحقوق ولا يغير المنكر ، ووقع عند الإسماعيلي في ( الشركة ) : مثل القائم على حدود الله والواقع فيها والمدهن فيها ، وهذه ثلاث فرق وجودها في المثل المضروب هو أن الذين أرادوا خرق السفينة بمنزلة الواقع في حدود الله ، ثم من عداهم إما منكر وهو القائم ، وإما ساكت وهو المداهن .
وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : قال ثمة يعني في كتاب ( الشركة ) مثل القائم على حدود الله ، وقال هاهنا مثل المدهن ، وهما نقيضان إذ الآمر هو القائم بالمعروف والمدهن هو التارك له فما وجهه ؟ ( قلت ) : كلاهما صحيح ، فحيث قال القائم نظر إلى جهة النجاة ، وحيث قال المدهن نظر إلى جهة الهلاك ، ولا شك أن التشبيه مستقيم على كل واحد من الجهتين ، واعترض عليه بعضهم بقوله كيف يستقيم هنا الاقتصار على ذكر المدهن وهو التارك للأمر بالمعروف ، وعلى ذكر الواقع في الحد وهو العاصي وكلاهما هالك ، والحاصل أن بعض الرواة ذكر المدهن والقائم ، وبعضهم ذكر الواقع والقائم ، وبعضهم جمع الثلاثة ، وأما الجمع بين المدهن والواقع دون القائم فلا يستقيم ، انتهى . ( قلت ) : لا وجه لاعتراضه على الكرماني لأن سؤال الكرماني وجوابه مبنيان على القسمين المذكورين في هذا الحديث ، وهما المدهن المذكور هنا والقائم المذكور هناك ، وهو لم يبين كلامه على التارك الآمر بالمعروف والواقع في الحد فلا يرد عليه شيء أصلا ، تأمل فإنه موضع يحتاج فيه إلى التأمل . قوله : ( استهموا سفينة ) أي اقترعوها فأخذ كل واحد منهم سهما أي نصيبا من السفينة بالقرعة ، وقال ابن التين : وإنما يقع ذلك في السفينة ونحوها فيما إذا أنزلوا معا ، أما لو سبق بعضهم بعضا فالسابق أحق بموضعه ، وقال بعضهم : هذا فيما إذا كانت مسبلة ، أما إذا كانت مملوكة لهم مثلا فالقرعة مشروعة إذا تنازعوا ، ( قلت ) : إذا وقعت المنازعة تشرع القرعة سواء كانت مسبلة أو مملوكة ما لم يسبق أحدهم في المسبلة ، قوله : ( فتأذوا به ) أي بالمار عليهم أو بالماء الذي مع المار عليهم ، قوله : ( ينقر ) بفتح الياء وسكون النون وضم القاف من النقر وهو الحفر سواء كان في الخشب أو الحجر أو نحوهما ، قوله : ( فإن أخذوا على يديه ) أي منعوه من النقر ، ويروى على يده ، قوله : ( نجوه ) أي نجوا المار ، ويروى أنجوه بالهمزة ، ونجوا أنفسهم بتشديد الجيم ، وهكذا إقامة الحدود تحصل بها النجاة لمن أقامها وأقيمت عليه ، وإلا هلك العاصي بالمعصية والساكت بالرضا بها .
وقال المهلب : في هذا الحديث تعذيب العامة بذنب الخاصة ، واستحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف ، وتبيين العالم الحكم بضرب المثل .