باب ما جاء في الإصلاح بين الناس
حدثنا مسدد قال : حدثنا معتمر قال : سمعت أبي أن أنسا رضي الله عنه قال : قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم - : لو أتيت عبد الله بن أبي ، فانطلق إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وركب حمارا فانطلق المسلمون يمشون معه ، وهي أرض سبخة ، فلما أتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : إليك عني والله لقد آذاني نتن حمارك ، فقال رجل من الأنصار منهم : والله لحمار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أطيب ريحا منك ، فغضب لعبد الله رجل من قومه فشتمه ، فغضب لكل واحد منهما أصحابه ، فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال ، فبلغنا أنها أنزلت : وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا مطابقته للترجمة من حيث إنه صلى الله تعالى عليه وسلم خرج إلى موضع فيه عبد الله بن أبي بن سلول ليدعوه إلى الإسلام ، وكان ذلك في أول قدومه المدينة إذ التبليغ فرض عليه ، وكان يرجو أن يسلم من وراءه بإسلامه لرياسته في قومه ، وقد كان أهل المدينة عزموا أن يتوجوه بتاج الإمارة لذلك ، وكان خروجه صلى الله عليه وسلم في نفس الأمر من أعظم الإصلاح فيهم ، قيل : إنما خرج إليهم ولم ينفذ إليهم لكثرتهم ، وليكون خروجه أعظم في نفوسهم ، وقيل لقرب عهدهم بالإسلام ، وقال الداودي : كان هذا قبل إسلام عبد الله بن أبي ( قلت ) : لكن يشكل عليه قوله : أنزلت وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا على ما نذكره عن قريب . ورجاله أربعة : الأول : مسدد وقد تكرر ذكره ، الثاني : معتمر على وزن اسم فاعل من الاعتمار ، الثالث : أبوه سليمان بن طرخان ، الرابع : أنس بن مالك وهؤلاء كلهم بصريون ، والحديث أخرجه مسلم في المغازي عن محمد بن عبد الأعلى عن معتمر عن أبيه به . ( ذكر معناه ) قوله : ( لو أتيت ) كلمة لو هنا للتمني فلا يحتاج إلى جواب ، ويجوز أن تكون على أصلها والجواب محذوف تقديره لكان خيرا ونحو ذلك ، قوله : ( وركب حمارا ) جملة حالية ، وكذلك قوله ( يمشون ) جملة حالية ، قوله : ( سبخة ) بفتح الباء الموحدة واحدة السباخ ، وأرض سبخة بكسر الباء ذات سباخ وهي الأرض التي تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر ، قوله : ( إليك عني ) يعني تنح عني ، قوله : ( فقال رجل من الأنصار ) قال ابن التين : قيل إنه عبد الله بن رواحة ، قوله : ( لحمار ) اللام فيه للتأكيد وارتفاعه على الابتداء وخبره قوله أطيب ريحا منك ، قوله : ( فغضب لعبد الله ) أي لأجل عبد الله وهو ابن أبي بن سلول ، قوله : ( فشتمه ) كذا في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره فشتما بالتثنية بلا ضمير أي فشتم كل واحد منهما الآخر ، قوله : ( بالجريد ) بالجيم والراء كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني : بالحديد بالحاء المهملة والدال ، قوله : ( فبلغنا ) القائل هو أنس بن مالك ، قوله : ( أنها ) أي إن الآية أنزلت وأوضحها بقوله : وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا وقال ابن بطال : ويستحيل أن تكون الآية الكريمة نزلت في قصة ابن أبي وقتال أصحابه مع الصحابة ؛ لأن أصحاب عبد الله ليسوا مؤمنين وقد تعصبوا له بعد الإسلام في قصة الإفك ، وقد جاء هذا المعنى مبينا في هذا الحديث في كتاب الاستئذان من رواية أسامة بن زيد قال : مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمجلس فيه أخلاط من المشركين والمسلمين وعبدة الأوثان واليهود فيهم عبد الله بن أبي ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما عرض عليهم الإيمان قال ابن أبي : اجلس في بيتك فمن جاءك يريد الإسلام الحديث ، فدل أن الآية لم تنزل في قصة ابن أبي ، وإنما نزلت في قوم من الأوس والخزرج اختلفوا في حد فاقتتلوا بالعصي والنعال ، قاله سعيد بن جبير والحسن وقتادة ، ويشبه أن تكون نزلت في بني عمرو بن عوف الذين خرج إليهم النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ليصلح بينهم ، الحديث المذكور في الصلاة ، وفي تفسير مقاتل : مر صلى الله عليه وسلم على الأنصار وهو راكب حماره يعفور فبال ، فأمسك ابن أبي بأنفه وقال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : خل للناس سبيل الريح من نتن هذا الحمار ، فشق على النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله فانصرف ، فقال ابن رواحة : ألا أراك أمسكت على أنفك من بول حماره ، والله لهو أطيب من ريح عرضك ، فكان بينهم ضرب بالأيدي والسعف ، فرجع النبي - صلى الله عليه وسلم - فأصلح بينهم ، فأنزل الله تعالى : وَإِنْ طَائِفَتَانِ الآية ، وفي ( تفسير ابن عباس ) : وأعان ابن أبي رجال من قومه وهم مؤمنون فاقتتلوا ، ومن زعم أن قتالهم كان بالسيوف فقد كذب .
( قلت ) : التحرير في هذا أن حديث أنس هذا مغاير لحديث سهل بن سعد الذي قبله ؛ لأن قصة سهل في بني عمرو بن عوف وهم من الأوس وكانت منازلهم بقباء ، وقصة أنس في رهط عبد الله بن أبي وهم من الخزرج وكانت منازلهم بالعالية ، فلهذا استشكل ابن بطال ثم قال : يشبه أن تكون الآية نزلت في بني عمرو بن عوف ، فإذا كان نزول الآية فيهم لا إشكال فيه ، وإذا قلنا نزولها في قضية عبد الله بن أبي يبقى الإشكال ، ولكن يحتمل أن يزول الإشكال من وجه آخر وهو أن في حديث أنس ذكر أنه صلى الله عليه وسلم كان يمضي بنفسه ليبلغ ما أنزل إليه لقرب عهدهم بالإسلام ، فبهذا يزول الإشكال إن صح ذلك ، مع أن الداودي نص على أنه كان قبل إسلام عبد الله كما ذكرناه ، فإن صح ما ذكره الداودي فالإشكال باق ، ويحتمل إزالة الإشكال أيضا من وجه آخر وهو أن قول أنس في الحديث المذكور بلغنا أنها أنزلت لا يستلزم النزول في ذلك الوقت . والدليل على ذلك أن الآية في الحجرات ونزولها متأخر جدا على أن المفسرين اختلفوا في سبب نزول هذه الآية ، فقال قتادة : نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مداراة في حق بينهما فقال أحدهما للآخر : لآخذن حقي منك عنوة - لكثرة عشيرته - ، وأن الآخر دعاه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأبى أن يتبعه ، فلم يزل الأمر بينهما حتى تدافعا وحتى تناول بعضهم بعضا بالأيدي والنعال ، ولم يكن قتال بالسيوف ، وقال الكلبي : إنها نزلت في حرب سمير وحاطب ، وكان سمير قتل حاطبا فجعل الأوس والخزرج يقتتلون إلى أن أتاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله هذه الآية وأمر نبيه والمؤمنين أن يصلحوا بينهم ، وقال السدي : كانت امرأة من الأنصار يقال لها : أم زيد ، تحت رجل ، وكان بينها وبين زوجها شيء ، قال : فرقى بها إلى علية وحبسها فيها ، فبلغ ذلك قومها فجاءوا وجاء قومه فاقتتلوا بالأيدي والنعال ، فأنزل الله تعالى : وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه بيان ما كان النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - عليه من الصفح والحلم والصبر على الأذى والدعاء إلى الله تعالى وتأليف القلوب على ذلك ، وفيه أن ركوب الحمار لا نقص فيه على الكبار ، وكان ركوبه صلى الله عليه وسلم على سبيل التشريع ، ركب مرة فرسا لأبي طلحة في فزع كان بالمدينة ، وركب يوم حنين بغلته ليثبت المسلمون إذا رأوه عليها ، ووقف بعرفة على راحلته وسار منها إلى مزدلفة وهو عليها ، ومن مزدلفة إلى منى وإلى مكة ، وفيه ما كان عليه الصحابة من تعظيم رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - والأدب معه والمحبة الشديدة ، وفيه جواز المبالغة في المدح لأن الصحابي أطلق على أن ريح الحمار أطيب من ريح عبد الله بن أبي ، ولم ينكر عليه النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - في ذلك ، وفيه إباحة مشي التلامذة والشيخ راكب .