( باب قول الله تعالى : أن يصالحا بينهما صلحا والصلح خير ) شرح أول الآية قوله تعالى : ﴿ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ يقول الله تعالى مخبرا ومشرعا عن حال الزوجين تارة في حال نفور الرجل عن المرأة ، وتارة في حال اتفاقه منها ، وتارة عند فراقه لها ، فالحالة ج١٣ / ص٢٧١ الأولى : ما إذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها أو يعرض عنها فلها أن تسقط عنه حقها أو بعضه من نفقة أو كسوة أو مبيت أو غير ذلك من حقوقها عليه ، وله أن يقبل ذلك منها ، فلا جناح عليها في بذلها ذلك له ، ولا عليه في قبوله منها ، ولهذا قال الله تعالى : ﴿ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ﴾ ثم قال : ﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ أي من الفراق ، وروى أبو داود الطيالسي : حدثنا سليمان بن معاذ ، عن سماك بن حرب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : " خشيت سودة أن يطلقها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله لا تطلقني واجعل يومي لعائشة ، ففعل ونزلت هذه الآية : ﴿ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ ﴾ الآية " ، ورواه الترمذي عن محمد بن المثنى ، عن أبي داود الطيالسي وقال : حسن غريب ، وقيل : نزلت في رافع بن خديج طلق زوجته واحدة وتزوج شابة ، فلما قارب انقضاء العدة قالت : أصالحك على بعض الأيام ، ثم لم تسمح فطلقها أخرى ، ثم سألته ذلك فراجعها ، فنزلت هذه الآية . قوله : ﴿ نُشُوزًا ﴾ النشوز أصله الارتفاع ، فإذا أساء عشرتها ومنعها نفسه والنفقة فهو نشوز ، وقال ابن فارس : نشز بعلها إذا جفاها وضربها ، وقال الزمخشري : النشوز أن يتجافى عنها بأن يمنعها الرحمة التي بين الرجل والمرأة وأن يؤذيها بسب أو ضرب ، والإعراض أن يعرض عنها بأن يقل محادثتها ومؤانستها ، وذلك لبعض الأسباب من طعن في سن أو دمامة أو شيء في خلق أو خلق أو ملال أو نحو ذلك ، قوله : ﴿ أَنْ يُصْلِحَا ﴾ أصله أن يتصالحا فأبدلت التاء صادا وأدغمت الصاد في الصاد فصار يصالحا وقرئ : " أن يصلحا " أي أن يصطلحا ، وأصله يصتلحا فأبدلت التاء صادا وأدغمت في الأخرى ، وقرئ : " أن يصلحا " ، وقوله : ﴿ صُلْحًا ﴾ في معنى مصدر كل واحد من الأفعال الثلاثة ، قوله : ﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ أي من الفرقة أو من النشوز والإعراض وسوء العشرة ، قال الزمخشري : هذه الجملة اعتراض ، وكذلك قوله : ﴿ وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ ﴾ ومعنى إحضار الأنفس الشح أن الشح جعل حاضرا لها لا يغيب عنها أبدا ولا تنفك عنه ، يعني أنها مطبوعة عليه ، والغرض أن المرأة لا تكاد تسمح بقسمتها والرجل لا يكاد نفسه تسمح بأن يقسم لها وأن يمسكها إذا رغب عنها وأحب غيرها ، قوله : ﴿ وَإِنْ تُحْسِنُوا ﴾ أي بالإقامة على نسائكم وتتقوا النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ من الإحسان والتقوى ﴿ خَبِيرًا ﴾ يثيبكم عليه . 5 - حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا سفيان ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنه ا : ﴿ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا ﴾ قالت : هو الرجل يرى من امرأته ما لا يعجبه كبرا أو غيره ، فيريد فراقها فتقول : أمسكني واقسم لي ما شئت ، قالت : فلا بأس إذا تراضيا .
شرح هذا الحديث تفسير عائشة رضي الله عنه ا هذه الآية ، وسفيان هو ابن عيينة ، قوله : ( كبرا ) بالنصب بيان لقوله ما لا يعجبه أي كبر السن ، ( أو غيره ) من سوء خلق أو خلق ، ويروى " وغيره " بالواو ، قوله : ( فتقول ) أي المرأة تقول لزوجها ( أمسكني ) ولا تفارقني ( واقسم لي ما شئت ) من النفقة وغيرها ، قوله : ( قالت ) : أي قالت عائشة ، ( فلا بأس ) بذلك ( إذا تراضيا ) أي الرجل وامرأته ، ودل هذا على أن ترك التسوية بين النساء وتفضيل بعضهن على بعض لا يجوز إلا بإذن المفضولة ورضاها ، ويدخل في هذا المعنى جميع ما يقع بين الرجل والمرأة في مال أو وطء أو غير ذلك ، وكل ما تراضيا عليه من الصلح فهو حلال للرجل من زوجته للآية المذكورة ، ونقل الداودي عن مالك أنها إذا رضيت بالبقاء بترك القسم لها أو الإنفاق عليها ثم سألت العدل كان ذلك لها ، والذي قاله في ( المدونة ) ذكره في القسم لها ، وأما النفقة فيلزمها ذلك إذا تركته ، والفرق أن الغيرة لا تملك بخلاف النفقة .