حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب الوصايا وقول النبي صلى الله عليه وسلم وصية الرجل مكتوبة عنده

حدثنا إبراهيم بن الحارث ، قال : حدثنا يحيى بن أبي بكير ، قال : حدثنا زهير بن معاوية الجعفي ، قال : حدثنا أبو إسحاق ، عن عمرو بن الحارث ، ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخو جويرية بنت الحارث ، قال : ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته درهما ، ولا دينارا ، ولا عبدا ، ولا أمة ، ولا شيئا ، إلا بغلته البيضاء ، وسلاحه ، وأرضا جعلها صدقة . مطابقته للترجمة لا تتأتى من حيث الوصية ؛ لأنه لا ذكر لها فيه ، ولكن من حيث إن فيه التصدق بمنفعة الأرض ، وحكمها حكم الوقف ، وهو في معنى الوصية لبقائها بعد الموت ، وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : ما وجه تعلقه بباب الوصية ، ( قلت ) : حيث لا مال لا وصية به . انتهى .

( قلت ) : إذا لم تكن وصيته لعدم المال ، فكيف يطابق الترجمة ، والوجه ما ذكرناه . ( ذكر رجاله ) : وهم خمسة . الأول : إبراهيم بن الحارث البغدادي ، سكن نيسابور ، ومات سنة خمس وستين ومائتين .

الثاني : يحيى بن أبي بكير بضم الباء الموحدة ، وفتح الكاف ، وسكون الياء آخر الحروف العبدي الكوفي قاضي كرمان بفتح الكاف ، وكسرها ، وسكون الراء ، مات سنة ثمان ومائتين . الثالث : زهير مصغر الزهر ، ابن معاوية ، وقد مر في الوضوء . الرابع : أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي .

الخامس : عمرو بن الحارث بن أبي ضرار بن عائذ بن مالك بن خزيمة ، وهو المصطلق بن سعد بن كعب بن عمرو ، وهو خزاعة المصطلقي الخزاعي ، أخو جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار زوج النبي صلى الله عليه وسلم . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع ، وفيه العنعنة في موضع واحد، وفيه أن شيخه من أفراده ، وقال بعضهم : ليس له في البخاري غير هذا الحديث ، وذكر في ( رجال الصحيحين ) المشتمل على كتابي أبي نصر الكلاباذي ، وأبي بكر الأصبهاني أن البخاري روى عن إبراهيم هذا حديثين في تفسير سورة الحج حديثا ، وفي الوصايا حديثا ، وفيه أبو إسحاق روى عن عمرو بن الحارث بالعنعنة ، ووقع التصريح بسماعه منه في الخمس من هذا الكتاب ، وفيه يحيى بن أبي بكير ، ربما يلتبس بيحيى بن بكير ، فيرتفع الالتباس بأن يحيى بن بكير مصري صاحب الليث ، وأبوه بكير غير مكنى ، ويحيى بن أبي بكير أبوه مكنى ، وهو كرماني كما ذكرنا . ( ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في الخمس عن مسدد ، وفي الجهاد عن عمرو بن علي ، وفيه عن عمرو بن العباس ، وفي المغازي عن قتيبة ، وأخرجه الترمذي في الشمائل عن أحمد بن منيع ، وأخرجه النسائي في الأحباس عن قتيبة به ، وعن عمرو بن علي .

( ذكر معناه ) : قوله : ( ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) هذا ، أي : كونه ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم على قول ابن الأعرابي ، وابن فارس ، والأصمعي ؛ لأن الختن عندهم من قبل المرأة مثل الأخ ، والأب ، وكل من كان من قبلها ، وأما عند العامة فختن الرجل زوج ابنته ، والصهر من قبل الزوج ، وقيل : الختن الزوج ، ومن كان ذوي رحمه ، والصهر من قبل المرأة ، وقال ابن الأثير : الأختان من قبل المرأة ، والأحماء من قبل الرجل ، والصهر يجمعهما . قوله : ( أخو جويرية ) ويروى أخي جويرية ، وجه الأول : أنه مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو أخو جويرية ، ووجه الثاني : أنه عطف بيان ؛ لأن لفظ ختن مجرور على أنه وصف عمرو ابن الحارث ، أو عطف بيان ، أو بدل . قوله : ( ولا عبدا ، ولا أمة ) ، أي : في الرقية ؛ لأنه كان له عبيد ، وإماء ، وقد ذكرنا في ( تاريخنا الكبير ) أنه كان له عبيد ما ينيف على ستين ، وكانت له عشرون أمة ، فهذا يدل على أن منهم من مات في حياة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، ومنهم من أعتقهم ، ولم يبق بعده عبد ، ولا أمة ، وهو في الرقية .

قوله : ( ولا شيئا ) من عطف العام على الخاص ، هذا هكذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني ، ولا شاة ، وهي رواية الإسماعيلي أيضا ، وفي رواية مسلم ، وأبي داود ، والنسائي وآخرين من رواية مسروق ، عن عائشة قالت : ( ما ترك رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم درهما ، ولا دينارا ، ولا شاة ، ولا بعيرا ، ولا أوصى بشيء ) . قوله : ( إلا بغلته البيضاء ) اعلم أنه كانت له صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ست بغال بغلة شهباء ، يقال لها : الدلدل أهداها له المقوقس ، وبغلة يقال لها : فضة أهداها له فروة بن عمرو الجذامي ، فوهبها لأبي بكر رضي الله تعالى عنه ، وبغلة بعثها صاحب دومة الجندل ، وبغلة أهداها له ابن العلماء ملك أيلة ، ويقال لها : أيلية ، وقال مسلم : كانت بيضاء ، وبغلة أهداها له النجاشي ، وبغلة أهداها له كسرى ، ولا يثبت ذلك ، ولم يكن فيها بيضاء إلا الأيلية ، ولم يذكر أهل السير بغلة بقيت بعده عليه الصلاة والسلام إلا الدلدل ، قالوا : إنها عمرت بعده صلى الله عليه وسلم حتى كانت عند علي بن أبي طالب ، وتأخرت أيامها حتى كانت بعد علي رضي الله تعالى عنه عند عبد الله بن جعفر ، وكان يحش لها الشعير لتأكله لضعفها ، وفي ( المرآة ) وبقيت إلى أيام معاوية فماتت بينبع ، والظاهر أن التي في الحديث هي إياها ؛ لأن الشهبة غلبة البياض على السواد ، ومنه تسمى الشهباء بيضاء . قوله : ( وسلاحه ) وقال ابن الأثير : السلاح ما أعددته للحرب من آلة الحديد مما يقاتل به ، والسيف وحده يسمى سلاحا ، ( قلت ) : فعلى هذا المراد من قوله : وسلاحه هو سيوفه ، وأرماحه ، وكانت له عشرة أسياف ، والمشهور منها ذو الفقار الذي تنفله يوم بدر ، وهو الذي تأخر بعده ، وفي ( المرآة ) لم يزل ذو الفقار عنده صلى الله تعالى عليه وسلم حتى وهبه لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قبل موته ، ثم انتقل إلى محمد بن الحنفية ، ثم إلى محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين رضي الله تعالى عنهم ، وكانت له خمسة من الأرماح .

قوله : ( وأرضا جعلها صدقة ) ، وفي المغازي من رواية أبي إسحاق : ( وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة ) ، وقال ابن التين : وهي فدك ، والتي بخيبر إنما تصدق بها في صحته ، وأخبر بالحكم بعد وفاته ، وإليه أشارت عائشة رضي الله تعالى عنها في حديثها الذي رواه مسلم ، وغيره ، ولا أوصى بشيء .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث