باب إذا وقف شيئا فلم يدفعه إلى غيره فهو جائز
باب إذا وقف شيئا ، فلم يدفعه إلى غيره ، فهو جائز أي هذا باب يذكر فيه إذا وقف شخص وقفا ، فلم يدفعه إلى غيره بأن لم يخرجه من يده ، فهو جائز ، يعني : صحيح لا يحتاج إلى قبض الغير ، وهو قول الجمهور ، منهم الشافعي ، وأبو يوسف ، وقالت طائفة : لا يصح الوقف حتى يخرجه عن يده ، ويقبضه غيره ، وبه قال ابن أبي ليلى ، ومحمد بن الحسن ، وحجة الجمهور أن عمر ، وعليا ، وفاطمة رضي الله تعالى عنهم أوقفوا أوقافا ، وأمسكوها بأيديهم ، وكانوا يصرفون الانتفاع منها في وجوه الصدقة ، فلم تبطل ، واحتج الطحاوي أيضا بأن الوقف شبيه بالعتق لاشتراكهما في أنهما تمليك لله تعالى ، فينفذ بالقول المجرد عن القبض ، ويفارق الهبة ، فإنها تمليك لآدمي ، فلا يتم إلا بالقبض . لأن عمر رضي الله عنه أوقف ، وقال : لا جناح على من وليه أن يأكل ، ولم يخص إن وليه عمر ، أو غيره . هذا تعليل لقوله ، فهو جائز ، قيل : فيه نظر ؛ لأن غاية ما ذكر عن عمر هو أن كل من ولي الوقف أبيح له التناول ، ولا يلزم من ذلك أن كل أحد يسوغ له أن يتولى الوقف المذكور ، بل الوقف لا بد له من متول ، وأجيب بأن عمر لما وقف ، ثم شرط لم يأمره النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يخرجه من يده ، فكان سكوته عن ذلك دالا على صحة الوقف ، وإن لم يقبضه الموقوف عليه .
قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طلحة : أرى أن تجعلها في الأقربين ، فقال : أفعل ، فقسمها في أقاربه وبني عمه . أراد بهذا أيضا الاحتجاج على عدم اشتراط القبض في جواز الوقف ، وهذا قد تقدم موصولا قريبا ، قال الداودي : ما استدل به البخاري على صحة الوقف قبل القبض من قصة عمر ، وأبي طلحة حمل للشيء على ضده ، وتمثيله بغير جنسه ، ودفع للظاهر عن وجهه ؛ لأنه هو روى أن عمر دفع الوقف لابنته ، وأن أبا طلحة دفع صدقته إلى أبي بن كعب ، وحسان ، وأجيب بأن البخاري إنما أراد أنه عليه الصلاة والسلام أخرج عن أبي طلحة ملكه بمجرد قوله : ( هي لله صدقة ) ، وبهذا يقول مالك : إن الصدقة تلزم بالقول ، وإن كان يقول : إنها لا تتم إلا بالقبض ، ونوزع في ذلك باحتمال أنها خرجت من يد أبي طلحة ، واحتمال أنها استمرت ، فلا دلالة فيها ، ودفع بأن أبا طلحة أطلق صدقة أرضه ، وفوض إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مصرفها ، فلما قال له : أرى أن تجعلها في الأقربين ، ففوض له قسمتها بينهم ، صار كأنه أقرها في يده بعد أن مضت الصدقة ، ( قلت ) : وفي نفس الحديث أن الذي تولى قسمتها هو أبو طلحة بنفسه ، والنبي صلى الله عليه وسلم عين له جهة المصرف ، لكنه أجمل ؛ لأنه قال : ( في الأقربين ) ، وهذا مجمل ، ولما لم يمكن له أن يقسمها على الأقربين كلهم لكثرتهم وانتشارهم ، فقسمها على بعضهم ممن اختار منهم .