بسم الله الرحمن الرحيم ( كتاب الجهاد والسير ) أي : هذا كتاب في بيان أحكام الجهاد ، ولم يقع لفظ كتاب لأكثر الرواة ، وإنما هو في رواية ابن شبويه والنسفي ، ولم تقع البسملة إلا في رواية النسفي مقدمة . والجهاد بكسر الجيم ، أصله في اللغة : الجهد ، وهو المشقة ، وفي الشرع : بذل الجهد في قتال الكفار لإعلاء كلمة الله تعالى ، والجهاد في الله : بذل الجهد في أعمال النفس وتذليلها في سبيل الشرع والحمل عليها مخالفة النفس من الركون إلى الدعة واللذات واتباع الشهوات ، وهذا الكتاب مذكور هنا في جميع النسخ والشروح خلا ابن بطال فإنه ذكره عقيب الحج والصوم قبل البيوع ، ولما وصل إلى هنا وصل بكتاب الأحكام . ( باب فضل الجهاد والسير ) أي : هذا باب في بيان فضل الجهاد ، وفي بيان السير ، وهو بكسر السين المهملة وفتح الياء آخر الحروف جمع سيرة ، وهي الطريقة ، ومنه سيرة القمرين ، أي : طريقتهما ، وذكر السير هنا لأنه يجمع سير النبي صلى الله عليه وسلم وطرقه في مغازيه ، وسير أصحابه ، وما نقل عنهم في ذلك . وقول الله تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ إلى قوله : وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ وقول الله مجرور عطفا على فضل الجهاد ، وهاتان آيتان من سورة براءة ، أولاهما هو قوله : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى إلى قوله : الْفَوْزُ الْعَظِيمُ والثانية هو قوله : التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ إلى قوله : وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ والمذكور هنا هكذا في رواية النسفي وابن شبويه وفي رواية الأصيلي وكريمة الآيتان جميعا مذكورتان بتمامهما ، وفي رواية أبي ذر المذكور إلى قوله : وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا من الآية الأولى ثم قال إلى قوله : وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ، قوله : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى إلى آخره ، قال : محمد بن كعب القرظي وغيره ، قال عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه لرسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - يعني ليلة العقبة : اشترط لربك ولنفسك ما شئت ، فقال : أشترط لربي أن تصدقوه ولا تشركوا به شيئا ، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم . قالوا : فما لنا إذا فعلنا ذلك ؟ قال : الجنة . قالوا : ربح البيع ، لا نقيل ولا نستقيل . فنزلت : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ الآية ، والمراد أن الله أمرهم بالجهاد بأموالهم وأنفسهم ليجازيهم بالجنة ، فعبر عنه بالشراء لما تضمن من عوض ومعوض ، ولما جوزوا بالجنة على ذلك عبر عنه بلفظ الشراء تجوزا ، والباء في بأن للمقابلة والتقدير باستحقاقهم الجنة . قوله : يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، قال الزمخشري : فيه معنى الأمر ، كقوله : وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ قوله : فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ أي : سواء قتلوا أو قتلوا أو اجتمع لهم هذا وهذا فقد وجبت لهم الجنة . قوله : وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وعدا ، مصدر مؤكد أخبر بأن هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيل الله وعد ثابت ، وقد أثبته في التوراة والإنجيل كما أثبته في القرآن . قوله : وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ أي : لا أحد أعظم وفاء بما عاهد عليه من الله فإنه لا يخلف الميعاد . قوله : فَاسْتَبْشِرُوا أي : افرحوا بهذا البيع ، أي : فليبشر من قام بمقتضى هذا العقد ، ووفى هذا العهد بالفوز العظيم والنعيم المقيم . قوله : التَّائِبُونَ رفع على المدح ، أي : هم التائبون ، وهذا نعت للمؤمنين المذكورين ، يعني : التائبون من الذنوب كلها التاركون للفواحش . الْعَابِدُونَ أي : القائمون بعبادة ربهم ، وقيل : بطول الصلاة . وقيل : بطاعة الله . قوله : الْحَامِدُونَ أي : على دين الإسلام . وقيل : على السراء والضراء . قوله : السَّائِحُونَ أي : الصائمون ، كذا قال سفيان الثوري عن عاصم عن ذر عن عبد الله بن مسعود ، وكذا قال الضحاك ، وقال ابن جرير : حدثنا أحمد بن إسحاق حدثنا أبو أحمد حدثنا إبراهيم بن يزيد عن الوليد بن عبد الله عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : سياحة هذه الأمة الصيام ، وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء والضحاك وسفيان بن عيينة وآخرون وقال الحسن البصري السَّائِحُونَ الصائمون شهر رمضان . وقال أبو عمرو العبدي : السَّائِحُونَ الذين يديمون الصيام من المؤمنين . وقد ورد في حديث مرفوع نحو هذا ، فقال ابن جرير : حدثني محمد بن عبد الله بن بزيغ ، حدثنا حكيم بن حزام ، حدثنا سليمان ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : السَّائِحُونَ هم الصائمون . وروى أبو داود في سننه من حديث أبي أمامة أن رجلا قال : يا رسول الله ، ائذن لي في السياحة . فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله . وعن عكرمة أنه قال : هم طلبة العلم . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هم المهاجرون . رواهما ابن أبي حاتم ، وليس المراد من السياحة ما قد يفهمه من تعبد بمجرد السياحة في الأرض والتفرد في شواهق الجبال والكهوف والبراري ، فإن هذا ليس بمشروع إلا في أيام الفتن والزلازل في الدين . قوله : الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وهو طاعة الله ، وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وهو معصية الله ، وإنما دخلت الواو فيها لأنها الصفة الثامنة ، والعرب تعطف الواو على السبعة ، ذكره جماعة من المفسرين ، وقيل : إن الواو إنما دخلت على الناهين لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده تبعا وضمنا لا قصدا ، فلو قال : الناهون بغير واو لأشبه أن يريد النهي الذي هو تبع ، فلما ذكر الواو بين أن المراد الآمرون قصدا والناهون عن المنكر قصدا ، ولذلك دخلت الواو أيضا في وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ إذ لو لم يذكر الواو لأوهم أن المعنى : يحفظون حدود الله من الأشياء التي تقدم ذكرها ، فإن في كل شيء حدا لله عز وجل . فقال : وَالْحَافِظُونَ ليكون إخبارا لحفظهم الحدود في هذه الأشياء وغيرها . قال ابن عباس : الحدود الطاعة هذا التعليق وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه في قوله : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يعني : طاعة الله ، وكأنه تفسير باللازم ، لأن من أطاع الله وقف عند امتثال أمره واجتناب نهيه . 1 - حدثنا الحسن بن صباح ، قال : حدثنا محمد بن سابق ، قال : حدثنا مالك بن مغول ، قال : سمعت الوليد بن العيزار ذكر عن أبي عمرو الشيباني ، قال : قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت : يا رسول الله ، أي العمل أفضل ؟ قال : الصلاة على ميقاتها . قلت : ثم أي ؟ قال : ثم بر الوالدين . قلت : ثم أي ؟ قال : الجهاد في سبيل الله . فسكت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو استزدته لزادني . مطابقته للترجمة في قوله : الجهاد في سبيل الله ، والحديث مضى في أوائل مواقيت الصلاة ، فإنه أخرجه هناك عن أبي الوليد عن شعبة عن الوليد بن العيزار ، أخبرني قال : سمعت أبا عمرو الشيباني إلى آخره ، واسم أبي عمرو الشيباني : سعد بن إياس ، وقد مر الكلام فيه هناك ، واختلاف الأحاديث في أفضل الأعمال لاختلاف السائلين واختلاف مقاصدهم أو باختلاف الوقت أو بالنسبة إلى بعض الأشياء . وقال الطبري : إنما خص صلى الله تعالى عليه وسلم هذه الثلاثة بالذكر لأنها عنوان على ما سواها من الطاعات ، فإن من ضيع الصلاة المفروضة حتى خرج وقتها من غير عذر مع خفة مؤنتها وعظيم فضلها ، فهو لما سواها أضيع ، ومن لم يبر والديه مع وفور حقهما عليه كان لغيرهما أقل برا ، ومن ترك جهاد الكفار مع شدة عداوتهم للدين كان لجهاد غيرهم من الفساق أترك .
المصدر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/396528
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة