باب الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء
( باب الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء ) أي : هذا باب في بيان الدعاء بالجهاد بأن يقول : اللهم ارزقني الجهاد ، أو اللهم اجعلني من المجاهدين . قوله : " والشهادة " أي : الدعاء بالشهادة ، بأن يقول : اللهم ارزقني الشهادة في سبيلك . قوله : " للرجال والنساء " ، متعلق بالدعاء ، وأشار به إلى أن هذا غير مخصوص بالرجال ، وإنما هم والنساء في ذلك سواء .
وقال عمر : ارزقني شهادة في بلد رسولك . هذا التعليق مطابق للدعاء بالشهادة في الترجمة ، وقد مضى هذا موصولا في آخر الحج بأتم منه ، رواه عن يحيى بن بكير عن الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر رضي الله تعالى عنه : اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك . وأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبير عن حفصة رضي الله تعالى عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها سمعت أباها يقول : اللهم ارزقني قتلا في سبيلك ، ووفاة في بلدة نبيك .
قالت : قلت : وأنى ذاك ؟ قال : إن الله يأتي بأمره أنى شاء . 7 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سمعه يقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه ، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت ، فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطعمته وجعلت تفلي رأسه ، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ وهو يضحك ، قالت : فقلت : وما يضحكك يا رسول الله ؟ قال : ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله ، يركبون ثبج هذا البحر ، ملوكا على الأسرة - أو مثل الملوك على الأسرة شك إسحاق - قالت : فقلت : يا رسول الله ، ادع الله أن يجعلني منهم ، فدع لها رسول الله ، وضع رأسه ثم استيقظ وهو يضحك ، فقلت : وما يضحكك يا رسول الله ؟ قال : ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله . . كما قال في الأول ، قالت : فقلت : يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم .
قال : أنت من الأولين ، فركبت البحر في زمان معاوية بن أبي سفيان فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت . قيل : لا مطابقة بين الحديث والترجمة ، لأن الحديث ليس فيه تمني الشهادة ، وإنما فيه تمني الغزو ، وأجيب بأن الثمرة العظمى من الغزو هي الشهادة ، وقيل : حاصل الدعاء بالشهادة أن يدعو الله أن يمكن منه كافرا يعصى الله فيقتله ، واعترض بأن تمني معصية الله لا تجوز لا له ولا لغيره . ووجه بعضهم بأن القصد من الدعاء نيل الدرجة المرفوعة المعدة للشهداء ، وأما قتل الكافر فليس مقصود الداعي وإنما هو من ضروريات الوجود ، لأن الله تعالى أجرى حكمه أن لا ينال تلك الدرجة إلا شهيد .
( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) ، أخرجه البخاري أيضا في الرؤيا عن عبد الله بن يوسف أيضا ، وفي الاستئذان عن إسماعيل . وأخرجه مسلم أيضا في الجهاد عن يحيى بن يحيى ، وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي . وأخرجه ج١٤ / ص٨٦الترمذي فيه عن إسحاق بن موسى ، عن معن .
وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن سلمة ، والحارث بن مسكين ، كلاهما عن عبد الرحمن بن القاسم ، ستتهم عن مالك به ، وقال الترمذي : حسن صحيح . وأخرج الترمذي أيضا هذا الحديث من مسند أم حرام من رواية عبد الله بن عبد الرحمن أبي طوالة عن أنس عن أم حرم ، وقد اختلف فيه على أنس فقيل : عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل : عن أنس عن أم حرام . واختلف فيه أيضا على أبي طوالة فقال زائدة بن قدامة : عن أبي طوالة عن أنس عن أم حرام عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال إسماعيل بن جعفر : عن أبي طوالة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم .
ورواه أبو داود من رواية عطاء بن يسار عن أخت أم سليم الرميصاء قالت : نام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر معناه . والحاصل أن الأئمة الستة ما خلا الترمذي أخرجوا هذا الحديث عن أم حرام من رواية محمد بن يحيى بن حبان عن أنس بن مالك عن أم حرام ، وهي خالة أنس ، قالت : أتانا النبي صلى الله عليه وسلم يوما ، الحديث . ( ذكر معناه ) قوله : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على أم حرام " ، حرام ضد حلال ، بنت ملحان بكسر الميم وسكون اللام وبالحاء المهملة وفي آخره نون ، ابن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار ، زوج عبادة بن الصامت وأخت أم سليم وخالة أنس بن مالك ، وقال أبو عمر : ولا أقف لها على اسم صحيح ، وأظنها أرضعت النبي صلى الله عليه وسلم ، وأم سليم أرضعته أيضا ، إذ لا يشك مسلم أنها كانت منه بمحرم ، وقد أنبأنا غير واحد من شيوخنا عن أبي محمد بن فطيس عن يحيى بن إبراهيم بن مزبن ، قال : إنما استجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تفلي أم حرام رأسه ، لأنها كانت منه ذات محرم من قبل خالاته ، لأن أم عبد المطلب كانت من بني النجار .
وقال يونس بن عبد الأعلى : قال لنا وهب : أم حرام إحدى خالات النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة . قال أبو عمر : فأي ذلك كان ، فأم حرم محرم منه . وقال ابن بطال : قال غيره : إنما كانت خالة لأبيه أو لجده .
وذكر ابن العربي عن بعض العلماء أن هذا مخصوص بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو يحمل دخوله عليها أنه كان قبل الحجاب ، إلا أن قوله : " تفلي رأسه " يضعف هذا . وزعم ابن الجوزي أنه سمع بعض الحفاظ يقول : كانت أم سليم أخت آمنة من الرضاعة . وقال الحافظ الدمياطي : ليس في الحديث ما يدل على الخلوة بها ، فلعل ذاك كان مع ولد أو خادم أو زوج أو تابع ، والعادة تقتضي المخالطة بين المخدوم وأهل الخادم ، سيما إذا كن مسنات مع ما ثبت له عليه صلى الله عليه وسلم من العصمة ، ولعل هذا كان قبل الحجاب ، لأنه كان في سنة خمس ، وقتل أخيها حرام الذي كان رحمها لأجله كان سنة أربع .
وقال أبو عمر : حرام بن ملحان قتل يوم بئر معونة ، قتله عامر بن الطفيل . قوله : " تحت عبادة بن الصامت " أي : كانت امرأته ، والصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف بن الخزرج الأنصاري السالمي ، يكنى أبا الوليد ، قال الأوزاعي : أول من ولي قضاء فلسطين عبادة بن الصامت ، مات عبادة سنة أربع وثلاثين بالرملة ، وقيل : ببيت المقدس ، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة . قوله : " تفلي رأسه " بفتح التاء وإسكان الفاء وكسر اللام ، يعني : تفتش القمل من رأسه وتقتله ، من فلى يفلى من باب ضرب يضرب ، فليا مصدرة ، والفلي أخذ القمل من الرأس .
قوله : " وهو يضحك " جملة وقعت حالا ، وكذا قوله : " غزاة " وهو جمع غازي ، كقضاة جمع قاضي . قوله : " ثبج هذا البحر " بفتح الثاء المثلثة والباء الموحدة بعدها جيم ، قال الخطابي ثبج البحر متنه ومعظمه ، وثبج كل شيء وسطه . وقيل : ثبج البحر ظهره ، يوضحه بعض ما جاء في الروايات " يركبون ظهر هذا البحر " وقيل : ثبج البحر هوله ، والثبج ما بين الكتفين .
قوله : " ملوكا " نصب بنزع الخافض ، أي : مثل ملوك على الأسرة ، وهو جمع سرير ، قال أبو عمر : أراد أنه رأى الغزاة في البحر على الأسرة في الجنة ، ورؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وحي يشهد له قوله تعالى : عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ وبه جزم ابن بطال حيث قال : إنما رآهم ملوكا على الأسرة في الجنة في رؤياه . وقال القرطبي : يحتمل أن يكون خبرا عن حالهم في غزوهم أيضا . قوله : " شك إسحاق " وهو إسحاق بن عبد الله الراوي عن أنس .
قوله : " ثم وضع رأسه ثم استيقظ " قيل : رؤياه الثانية كانت في شهداء البر ، فوصف حال البر والبحر بأنهم ملوك على الأسرة ، حكاه ابن التين وغيره ، وقيل : يحتمل أن يكون حالتهم في الدنيا كالملوك على الأسرة ، ولا يبالون بأحد . قوله : " أنت من الأولين " خطاب لأم حرام ، وأراد بالأولين هم الذين عرضوا أولا ، وهم الذين يركبون ثبج البحر . قوله : " في زمن معاوية بن أبي سفيان " وكانت غزت مع زوجها في أول غزوة كانت إلى الروم في البحر مع معاوية زمن عثمان بن عفان ج١٤ / ص٨٧سنة ثمان وعشرين .
وقال ابن زيد : سنة سبع وعشرين . وقيل : بل كان ذلك في خلافة معاوية على ظاهره . والأول أشهر ، وهو ما ذكره أهل السير ، وفيه هلكت .
وقال الكرماني رحمه الله تعالى : واختلفوا في أنه متى جرت الغزوة التي توفيت فيها أم حرام ، فقال البخاري ومسلم : في زمن معاوية . وقال القاضي : أكثر أهل السير أن ذلك كان في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه ، فعلى هذا يكون معنى قولها في زمن معاوية زمان غزوة معاوية في البحر لا زمان خلافته . وقال ابن عبد البر : إن معاوية غزا تلك الغزوة بنفسه ، انتهى .
قلت : كان عمر رضي الله تعالى عنه قد منع المسلمين من الغزو في البحر شفقة عليهم ، واستأذنه معاوية في ذلك فلم يأذن له ، فلما ولي عثمان رضي الله تعالى عنه استأذنه فأذن له ، وقال : لا تكره أحدا ، من غزاه طائعا فاحمله . فسار في جماعة من الصحابة منهم : أبو ذر ، وعبادة بن الصامت ومعه زوجته أم حرام بنت ملحان ، وشداد بن أوس ، وأبو الدرداء في آخرين ، وهو أول من غزا الجزائر في البحر وصالحه أهل قبرس على مال ، والأصح أنها فتحت عنوة ، ولما أرادوا الخروج منها قدمت لأم حرام بغلة لتركبها فسقطت عنها فماتت هنالك ، فقبرها هنالك يعظمونه ويستسقون به ، ويقولون قبر المرأة الصالحة . قوله : " حين خرجت من البحر " أراد به حين خروجها من البحر إلى ناحية الجزيرة ، لأنها دفنت هناك .
( ذكر ما يستفاد منه ) فيه جواز دخول الرجل على محرمه وملامسته إياها والخلوة بها والنوم عندها . وفيه إباحة ما قدمته المرأة إلى ضيفها من مال زوجها لأن الأغلب أن ما في البيت من الطعام هو للرجل ، قال ابن بطال : ومن المعلوم أن عبادة وكل المسلمين يسرهم وجود سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته . وقال ابن التين : يحتمل أن يكون ذلك من مال زوجها لعلمه أنه كان يسر بذلك ، ويحتمل أن يكون من مالها .
واعترضه القرطبي فقال : حين دخوله صلى الله عليه وسلم على أم حرام لم تكن زوجا لعبادة ، كما يقتضيه ظاهر اللفظ ، إنما تزوجته بعد ذلك بمدة ، كما جاء في رواية عند مسلم " فتزوجها عبادة بعد " . وفيه جواز فلي الرأس وقتل القمل ، ويقال : قتل القمل وغيره من المؤذيات مستحب . وفيه نوم القائلة ، لأنه يعين البدن لقيام الليل .
وفيه جواز الضحك عند الفرح ، لأنه صلى الله عليه وسلم ضحك فرحا وسرورا بكون أمته تبقى بعده متظاهرين ، وأمور الإسلام قائمة بالجهاد حتى في البحر . وفيه دلالة على ركوب البحر للغزو . وقال سعيد بن المسيب : كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتجرون في البحر ، منهم طلحة وسعيد بن زيد .
وهو قول جمهور العلماء إلا عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنهما ، فإنهما منعا من ركوبه مطلقا ، ومنهم من حمله على ركوبه لطلب الدنيا لا للآخرة ، وكره مالك ركوبه للنساء مطلقا لما يخاف عليهن من أن يطلع منهن أو يطلعن على عورة ، وخصه بعضهم بالسفن الصغار دون الكبار ، والحديث يخدش فيه . فإن قلت : روى أبو داود من حديث ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يركب البحر إلا حاجا أو معتمرا أو غازيا ، فإن تحت البحر نارا ، وتحت النار بحرا " . قلت : هذا حديث ضعيف ، ولما رواه الخلال في علله من حديث ليث عن مجاهد عن عبد الله بن عمر يرفعه قال : قال ابن معين : هذا عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم منكر .
وفيه إباحة الجهاد للنساء في البحر ، وقد ترجم البخاري لذلك على ما سيأتي . وفيه أن الوكيل أو المؤتمن إذا علم أنه يسر صاحب المنزل فيما يفعله في ماله ، جاز له فعل ذلك ، واختلف العلماء في عطية المرأة من مال زوجها بغير إذنه ، وقد مر هذا في الوكالة . وفيه أن الجهاد تحت راية كل إمام جائز ماض إلى يوم القيامة .
وفيه تمني الغزو والشهادة حيث قالت أم حرام : " ادع الله أن يجعلني منهم " . وفيه أنه من أعلام نبوته ، وذلك أنه أخبر فيه بضروب الغيب قبل وقوعها منها جهاد أمته في البحر ، وضحكه دال على أن الله تعالى يفتح لهم ويغنمهم . ومنها الإخبار بصفة أحوالهم في جهادهم ، وهو قوله : " يركبون ثبج هذا البحر " .
ومنها قوله لأم حرام : " أنت من الأولين " فكان كذلك . ومنها الإخبار ببقاء أمته من بعده وأن يكون لهم شوكة ، وأن أم حرام تبقى إلى ذلك الوقت ، وكل ذلك لا يعلم إلا بوحي علي أوحي به إليه في نومه . وفيه أن رؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حق .
وفيه الضحك المبشر إذا بشر بما يسر ، كما فعل الشارع . قال المهلب : وفيه فضل لمعاوية ، وأن الله قد بشر به نبيه صلى الله عليه وسلم في النوم ، لأنه أول من غزا في البحر وجعل من غزا تحت رايته من الأولين . وفيه أن الموت في سبيل الله شهادة .
وقال ابن أبي شيبة : حدثنا يزيد ج١٤ / ص٨٨ابن هارون ، حدثنا أنس بن عون ، عن ابن سيرين ، عن أبي العجفاء السلمي ، قال : قال عمر رضي الله تعالى عنه ، قال : محمد صلى الله عليه وسلم : " من قتل في سبيل الله أو مات ، فهو في الجنة " . وفيه دلالة على أن من مات في طريق الجهاد من غير مباشرة ومشاهدة له من الأجر مثل ما للمباشر ، وكانت النساء إذا غزون يسقين الماء ويداوين الكلمى ويصنعن لهم طعامهم وما يصلحهم ، فهذه مباشرة . وفيه أن الموت في سبيل الله والقتل سواء أو قريبا من السواء في الفضل ، قاله أبو عمر ، قال : وإنما قلت أو قريبا من السواء ، لاختلاف الناس في ذلك ، فمن أهل العلم من جعل الميت في سبيل الله والمقتول سواء ، واحتج بقوله تعالى : وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وبقوله : وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وبقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عتيك : " من خرج مجاهدا في سبيل الله فخر عن دابته أو لدغته حية أو مات حتف أنفه ، فقد وقع أجره على الله " .
وفي مسلم عن أبي هريرة يرفعه : " من قتل في سبيل الله فهو شهيد " .
وروى أبو داود من حديث بقية عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن ابن غنم عن أبي مالك الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم : " من وقصه فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه ، على أي حتف شاء الله ، فهو شهيد " . وأخرجه الحاكم وقال : صحيح على شرط مسلم.
وذكر الحلواني في كتاب المعرفة فقال : حدثنا أبو علي الحنفي حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن عبد الملك بن عمير ، قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه : من حبسه السلطان وهو ظالم له ومات في محبسه ذلك فهو شهيد ، ومن ضربه السلطان ظالما فمات من ضربه ذلك فهو شهيد ، وكل موت يموت به المسلم فهو شهيد ، غير أن الشهادة تتفاضل . وروى الحاكم من حديث كعب بن عجرة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر يوم بدر - ورأى قتيلا : " يا عمر إن للشهداء سادة وأشرافا وملوكا ، وإن هذا منهم " . واختلفوا في شهيد البحر ، أهو أفضل أم شهيد البر ، فقال قوم : شهيد البر ، وقال قوم : شهيد البحر .
قال أبو عمر : ولا خلاف بين أهل العلم أن البحر إذا ارتج لم يجز ركوبه لأحد بوجه من الوجه في حين ارتجاجه ، والذين رجحوا شهيد البحر احتجوا بما رواه ابن أبي عاصم في كتاب الجهاد عن الحسن بن الصباح : حدثنا يحيى بن عباد ، حدثنا يحيى بن عبد العزيز ، عن عبد العزيز بن يحيى ، حدثنا سعيد بن صفوان ، عن عبد الله بن المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة ، سمعت عبد الله بن عمرو : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الشهادة تكفر كل شيء إلا الدين ، والغزو في البحر يكفر ذلك كله " . ومن حديث عبد الله بن صالح عن يحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد عن عطاء بن يسار عن ابن عمرو مرفوعا " غزوة في البحر خير من عشر غزوات في البر " وروى أبو داود من حديث يعلى بن شداد عن أم حرام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : المائد في البحر الذي يصيبه القيء له أجر شهيد ، والغرق له أجر شهيدين " . وروى ابن ماجه من حديث أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " غزوة في البحر مثل عشر غزوات في البر ، والذي يسدر في البحر كالمتشحط في دمه في سبيل الله " .
وروى ابن ماجه أيضا من حديث سليم بن عامر ، قال : سمعت أبا أمامة يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : شهيد البحر مثل شهيدين في البر ، والمائد في البحر كالمتشحط في دمه في البر ، وما بين الموجتين كقاطع الدينا في طاعة الله تعالى ، فإن الله وكل ملك لموت بقبض الأرواح إلا شهيد البحر فإنه يتولى قبض أرواحهم ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين ، ولشهيد البحر الذنوب والدين . قوله : " المائد " هو الذي يدار برأسه من ريح البحر واضطراب السفينة بالأمواج . قوله : " الغرق " بكسر الراء : الذي يموت بالغرق .
وقيل : هو الذي غلبه الماء ولم يغرق ، فإذا غرق فهو غريق . قوله : " والذي يسدر " من السدر بالتحريك ، كالدوار ، وكثيرا ما يعرض لراكب البحر ، يقال : سدر يسدر سدرا . قوله : " كالمتشحط " في دمه وهو الذي يتمرغ ويضطرب ويتخبط في دمه .