باب من أتاه سهم غرب فقتله
( باب من أتاه سهم غرب فقتله ) أي : هذا باب في ذكر من أتاه سهم غرب ، بفتح الغين المعجمة وسكون الراء ، وفي آخره باء موحدة ، وهو إما صفة لسهم أو مضاف إليه ، ففيه أربعة أوجه ، قاله الكرماني وسكت عليه ، وقال ابن الجوزي : روي لنا سهم بالتنوين ، وغرب بتسكين الراء مع التنوين . وقال ابن قتيبة : كذا تقوله العامة ، والأجود : سهم غرب ، بفتح الراء وإضافة الغرب إلى السهم . وقال ابن السكيت : يقال : أصابه سهم غرب إذا لم يدر من أي جهة رمي به ، وقد روي عن أبي زيد : إن جاء من حيث لا يعرف فهو سهم غرب ، بسكون الراء ، فإن رمي به إنسان فأصاب غيره فهو غرب بفتح الراء .
وذكره الأزهري بفتح الراء لا غير ، وقال ابن سيده : يقال : أصابه سهم غرب وغرب ، إذا كان لا يدري من رماه . وفي المنتهى : سهم غرب وغرب ، بتسكين الراء وفتحها ، يضاف ولا يضاف ، إذا أصابه سهم لا يعرف من رماه ، ومثله : سهم عرض ، فإن عرف فليس بغرب ولا عرض . وبنحوه ذكر القزاز وابن دريد ، فعلى هذا لا يقال في السهم الذي أصاب حارثة غرب ، لأن راميه قد عرف ، والله أعلم .
24 - حدثنا محمد بن عبد الله ، قال : حدثنا حسين بن محمد أبو أحمد ، قال : حدثنا شيبان ، عن قتادة ، قال : حدثنا أنس بن مالك أن أم الربيع بن البراء ، وهي أم حارثة بن سراقة ، أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا نبي الله ، ألا تحدثني عن حارثة ؟ وكان قتل يوم بدر ، أصابه سهم غرب ، فإن كان في الجنة صبرت وإن كان غير ذالك اجتهدت عليه في البكاء . قال : يا أم حارثة ، إنها جنان في الجنة ، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ومحمد بن عبد الله ، قال الكرماني : نسبه البخاري إلى جده ، وهو محمد بن يحيى بن عبد الله الذهلي ، بضم الذال المعجمة .
قلت : كذا جزم به الكلاباذي ، ووقع في رواية أبي علي بن السكن : حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي ، بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وتشديد الراء ، قلت : كلاهما من أفراد البخاري . وحسين بن محمد بن بهرام التميمي المروزي سكن بغداد ومات سنة أربع عشرة ومائتين . وشيبان بفتح الشين المعجمة ، أبو معاوية النحوي ، وقد مر .
ج١٤ / ص١٠٧( ذكر معناه ) قوله : " إن أم الربيع بنت البراء " كذا وقع لجميع رواة البخاري ، وهذا وهم نبه عليه غير واحد ، آخرهم الحافظ الدمياطي ، والصواب : أنها أم حارثة بن سراقة بن الحارث بن عدي بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار ، والربيع بنت النضر أخت أنس بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي ، وهي عمة أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم ، وهي التي كسرت ثنية امرأة وقد مر بيانه . قوله : " وهي أم حارثة بن سراقة " وهذا هو المعتمد عليه ، وقد روى الترمذي وابن خزيمة عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة " فقال أنس : إن الربيع بنت النضر أتت النبي صلى الله عليه وسلم وكان ابنها حارثة بن سراقة أصيب يوم بدر . " الحديث ، وقال ابن الأثير في جامع الأصول الذي وقع في كتب النسب والمغازي وأسماء الصحابة : أن أم حارثة هي الربيع بنت النضر عمة أنس رضي الله تعالى عنه .
قلت : وكذا بينه الإسماعيلي في مستخرجه وأبو نعيم وغيرهما ، وحارثة هو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كيف أصبحت يا حارثة ؟ قال : أصبحت مؤمنا بالله حقا . " الحديث ، وفيه " يا رسول الله أدع لي بالشهادة " ، فجاء يوم بدر ليشرب من الحوض فرماه حبان ، بكسر الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة ابن عرقة بفتح العين المهملة وكسر الراء بعدها قاف ، بسهم فأصاب حنجرته فقتله . وقال أبو موسى المديني : وكان خرج نظارا وهو غلام .
وقول ابن منده : شهد بدرا واستشهد بأحد ، رد عليه ، وقد تصدى الكرماني للجواب عن قول من قال بالوهم ، فقال : لا وهم للبخاري ، إذ ليس في رواية النسفي إلا هكذا " قال أنس إن أم حارثة بن سراقة أتت النبي صلى الله عليه وسلم : " ، وهو ظاهر ، وكأنه كان في رواية الفربري حاشية غير صحيحة لبعض الرواة فألحقت بالمتن ، ثم إنه على تقدير وجوده وصحته عن البخاري يحتمل احتمالات أن يكون للربيع ولد يسمى بالربيع ، بالتخفيف ، من زوج آخر غير سراقة اسمه البراء ، وأن تكون " بنت البراء " خبرا لأن ، وضمير " هي " راجع إلى الربيع ، وأن تكون " بنت " صفة لـ " أم الربيع " وهي المخاطبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلق الأم على الجدة تجوزا ، وأن تكون إضافة الأم إلى الربيع للبيان ، أي : الأم التي هي الربيع ، وبنت مصحف من عمة إذ الربيع هي عمة البراء بن مالك ، وارتكاب بعض هذه التكلفات أولى من تخطئة العدول الثقات انتهى . قلت : هذه تعسفات والأنساب ما تعرف بالاحتمالات ، والعدول الثقات غير معصومين عن الخطأ ، ودعوى الأولوية غير صحيحة . قوله : " اجتهدت عليه في البكاء " ، قال الخطابي : أقرها النبي صلى الله عليه وسلم على هذا ، يعني يؤخذ منه الجواز ، وأجيب بأن هذا كان قبل تحريم النوح ، فلا دلالة ، فإن تحريمه كان عقيب غزوة أحد وهذه القصة كانت عقيب غزوة بدر .
ووقع في رواية سعيد بن أبي عروبة " اجتهدت في الدعاء " بدل قوله : " في البكاء " ، وهو خطأ ، وفي رواية حميد الآتية في صفة الجنة من الرقاق " فإن كان في الجنة فلم أبك عليه " . قوله : " إنها جنان في الجنة " كذا هنا ، وفي رواية سعيد بن أبي عروبة " إنها جنان في جنة " ، وفي رواية أبان عند أحمد " إنها جنان كثيرة في جنة " ، وفي رواية حميد " إنها جنان كثيرة " فقط ، والضمير في " إنها " ضمير مبهم ، يفسره ما بعده ، كقولهم : هي العرب تقول ما تشاء ، ولما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمه ما قال رجعت وهي تضحك ، وتقول : بخ بخ لك يا حارثة ، وهو أول من قتل من الأنصار يوم بدر ، وعن أبي نعيم كان كثير البر بأمه ؛ قال صلى الله عليه وسلم : " دخلت الجنة فرأيت حارثة لذلك البر " . قيل : فيه نظر ، لأن المقتول فيه هذا هو حارثة بن النعمان كما بينه أحمد في مسنده .
قوله : " الفردوس " هو البستان الذي يجمع ما في البساتين من شجر وزهر ونبات . وقيل : هو رومية معربة ، والجنة البستان ، ويقال : هي النخل الطوال . وقال الأزهري : كل شجر متكاثف يستر بعضه بعضا فهو جنة ، مشتق من جننته إذا سترته .