حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب عمل صالح قبل القتال

( باب عمل صالح قبل القتال )

وقال أبو الدرداء : إنما تقاتلون بأعمالكم . أبو الدرداء اسمه عويمر بن مالك الخزرجي الأنصاري ، وروى الدينوري هذا التعليق من طريق أبي إسحاق الفزاري عن سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد ، أن أبا الدرداء قال : أيها الناس ، عمل صالح قبل الغزو ، فإنما تقاتلون بأعمالكم - أي متلبسين بأعمالكم .

فإن قلت : ما وجه تقسيم البخاري هذا حيث جعل الشطر الأول ترجمة والشطر الثاني أصلا معلقا . قلت : نظر البخاري في هذا دقيق وذلك أنه لما علم انقطاع الطريق في الشطر الأول بين ربيعة بن يزيد وأبي الدرداء ، جعله ترجمة ، وعلم ج١٤ / ص١٠٥اتصال الطريق في الشطر الثاني وعزاه إلى أبي الدرداء بالجزم . فإن قلت : ما وجه الاتصال ؟ قلت : روى عبد الله بن المبارك في كتاب الجهاد عن سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن ابن حلبس عن أبي الدرداء ، قال : إنما تقاتلون بأعمالكم ، فاقتصر على هذا المقدار .

وحلبس ، بفتح الحاء المهملة وسكون اللام وفتح الباء الموحدة ، وفي آخره سين مهملة ، وقال ابن ماكولا : يزيد بن ميسرة بن حلبس ، يروي عن أم الدرداء عن أبي الدرداء ، وأخوه يونس بن ميسرة بن حلبس يروي عن معاوية بن أبي سفيان وأبي إدريس الخولاني وغيرهما ، وأخوهما أيوب بن ميسرة بن حلبس . وقوله عز وجل : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ " وقوله تعالى " يجوز بالرفع والجر ، بحسب عطفه على قوله : " عمل صالح قبل القتال " ، قيل : لا مناسبة بين الترجمة والآية . ورد بأنها موجودة من حيث إن الله عاتب من قال بما لا يفعل وأثنى على من وفى وثبت عند القتال ، والثبات عنده من أصلح الأعمال .

وقال الكرماني : والمقصود من ذكر هذه الآية ذكر صفا ، أي : صافين أنفسهم أو مصفوفين ، إذ هو عمل صالح قبل القتال . وقيل : يجوز أن يراد استواء بنيانهم في البناء حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان . وقيل : مفهومه مدح الذين قالوا وعزموا وقاتلوا ، والقول فيه والعزم عملان صالحان .

قوله : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ " إلى آخره ، قال : مقاتل في تفسيره قوله : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " إلى آخره ، يعظهم بذلك ، وذلك أن المؤمنين قالوا : لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا ؟ فأنزل الله تعالى : " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ " يعني : في طاعته " صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ " ، فأخبر الله تعالى بأحب الأعمال إليه بعد الإيمان ، فكرهوا القتل ، فوعظهم الله وأدبهم ، فقال : " لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ " . وفي تفسير النسفي قيل : إن الرجل كان يجيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول : فعلت كذا وكذا ، وما فعل . فنزلت : " لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ " .

وقال الضحاك : كان الرجل يقول قاتلت ولم يقاتل ، وطعنت ولم يطعن ، وصبرت ولم يصبر ، فنزلت هذه الآية . وقال ابن عباس : كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون : وددنا لو أن الله تعالى دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به ؟ فأخبرهم الله تعالى أن أفضل الأعمال الجهاد ، وكره ذلك ناس منهم وشق عليهم الجهاد وتباطئوا عنه فنزلت هذه الآية . وقال ابن زيد : نزلت في المنافقين ، كانوا يعدون المؤمنين النصر ويقولون : لو خرجتم خرجنا معكم ونصرناكم ، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم نكصوا عنه ، فنزلت هذه الآية .

قوله : " لم " هي لام الإضافة ، داخلة على ما الاستفهامية ، كما دخل عليها غيرها من حروف الجر في قولك : بم ، وفيم ، وعم ، وإلام ، وعلام ، وإنما حذفت الألف لأن ما والحرف كشيء واحد ووقع استعمالها كثيرا في كلام المستفهم . وقال الحسن : إنما بدأهم بالإيمان تهكما بهم لأن الآية نزلت في المنافقين وبإيمانهم . قوله : " كَبُرَ مَقْتًا " هذا من أفصح الكلام وأبلغه في معناه قصد في كبر التعجب من غير لفظه ، ومعنى التعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين ، لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله ، وأسند " كبر " إلى " أن تقولوا " ونصب " مقتا " على تفسيره دلالة على أن قولهم " ما لا يفعلون " مقت خالص لا شوب فيه ، لفرط تمكن المقت منه ، واختير لفظ المقت لأنه أشد البغض وأبلغه .

قوله : " صفا " أي : صافين أنفسهم أو مصفوفين . قوله : " مَرْصُوصٌ " أي : كأنهم في تراصهم من غير فرجة ، بنيان رص بعضه إلى بعض . 23 - حدثنا محمد بن عبد الرحيم ، قال : حدثنا شبابة بن سوار الفزاري ، قال : حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، قال : سمعت البراء رضي الله عنه يقول : أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل مقنع بالحديد ، فقال : يا رسول الله ، أقاتل وأسلم ! قال : أسلم ثم قاتل .

فأسلم ثم قاتل فقتل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عمل قليلا وأجر كثيرا . مطابقته للترجمة في قوله : " أسلم ثم قاتل ، فأسلم ثم قاتل " وقد أتى بالعمل الصالح بل بأفضل الأعمال وأقواها صلاحا وهو الإسلام ثم قاتل بعد أن أسلم ، ومحمد بن عبد الرحيم أبو يحيى كان يقال له : صاعقة ، وهو من أفراد البخاري . وشبابة بفتح ج١٤ / ص١٠٦الشين المعجمة وتخفيف الباء الموحدة وبعد الألف باء أخرى ، ابن سوار ، بفتح السين المهملة وتشديد الواو بعد الألف راء ، الفزاري بفتح الفاء وتخفيف الزاي وقد ، مر في كتاب الحيض .

وإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق ، عمرو بن عبد الله السبيعي ، وإسرائيل هذا يروي هنا عن جده أبي إسحاق ، والحديث من أفراده . قوله : " رجل " ، قال الكرماني : قيل اسمه الأصرم ، بالمهملة ، عمرو بن ثابت الأشهلي ، وحاله من الغرائب لأنه دخل الجنة ولم يسجد لله سجدة قط . قلت : قال الذهبي : في باب الألف : أصرم ، ويقال أصيرم بن ثابت بن وقش الأشهلي استشهد يوم أحد ، وقال في باب العين عمرو بن ثابت بن وقش الأوسي الأشهلي ابن عم عباد بن بشر استشهد بأحد ، وقال أبو عمر : وفي باب الهمزة أصرم الشقري كان في النفر الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني شقرة ، فقال له : ما اسمك ؟ فقال : أصرم .

فقال : أنت زرعة . وقال في باب العين : عمرو بن ثابت بن وقش بن رغبة بن عبد الأشهل الأنصاري الأشهلي ، استشهد يوم أحد ، وهو الذي قيل : إنه دخل الجنة ولم يصل لله سجدة ، فيما ذكره الطبري . وفيه نظر .

قوله : " مقنع " على صيغة المفعول ، أي : مغشي بالحديد . قوله : " وأجر " على صيغة المجهول . وفيه أن الله تعالى يعطي الثواب الجزيل على العمل اليسير تفضلا منه على عباده ، فاستحق بهذا نعيم الأبد في الجنة بإسلامه وإن كان عمله قليلا ، لأنه اعتقد أنه لو عاش لكن مؤمنا طول حياته ، فنفعته نيته ، وإن كان قد تقدمها قليل من العمل ، وكذلك الكافر إذا مات ساعة كفره يجب عليه التخليد في النار لأنه انضاف إلى كفره اعتقاد أنه يكون كافرا طول حياته ، لأن الأعمال بالنيات .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث