باب قول الله تعالى لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله
حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال : حدثنا إبراهيم بن سعد الزهري قال : حدثني صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن سهل بن سعد الساعدي أنه قال : رأيت مروان بن الحكم جالسا في المسجد ، فأقبلت حتى جلست إلى جنبه ، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أملى عليه لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله قال : فجاءه ابن أم مكتوم ، وهو يملها علي ، فقال : يا رسول الله ، لو أستطيع الجهاد لجاهدت ، وكان رجلا أعمى فأنزل الله تبارك وتعالى على رسوله ، وفخذه على فخذي ، فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي ، ثم سري عنه ، فأنزل الله عز وجل غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ مطابقته للترجمة ظاهرة ، ورجاله قد ذكروا غير مرة ، ومروان هو ابن الحكم كان أمير المدينة زمن معاوية ، والحديث من أفراده ، ومن لطائف إسناده أن سهل بن سعد الصحابي يروي عن مروان ، وهو تابعي . قوله : يملها بضم الياء وكسر الميم وتشديد اللام ، أي : يمليها ، والظاهر أن ياءه منقلبة عن إحدى اللامين ، قوله : لو استطيع الجهاد أصله لو استطعت ، عدل إلى المضارع إما لقصد الاستمرار أو لغرض الاستمرار ، قوله : وكان رجلا أعمى أي : كان ابن أم مكتوم ، قوله : وفخذه الواو فيه للحال ، قوله : أن ترض من الرض بتشديد الضاد المعجمة ، وهو الدق الجرش ، قوله : ثم سري عنه بالتخفيف والتشديد ، أي : كشف وأزيل ، قيل : إن جبريل عليه الصلاة والسلام صعد وهبط في مقدار ألف سنة قبل أن يجف القلم ، أي : بسبب أولي الضرر ، حكاه ابن التين قال : وهذا يحتاج أن يكون جبريل عليه الصلاة والسلام يتناول ذلك من السماء والأمر كذلك ؛ لأن القرآن نزل جملة واحدة ليلة القدر إلى سماء الدنيا ، ثم نزل بعد ذلك متفرقا بحسب الحال . وفيه أن من حبسه العذر وغيره عن الجهاد وغيره من أعمال البر مع نية فيه فله أجر المجاهد والعامل ؛ لأن نص الآية على المفاضلة بين المجاهد والقاعد ، ثم استثنى من المفضولين أولي الضرر ، وإذا استثناهم منها فقد ألحقهم بالفاضلين ، وقد بين الشارع هذا المعنى ، فقال : إن بالمدينة أقواما ما سلكنا واديا أو شعبا إلا وهم معنا حبسهم العذر ، وكذا جاء فيمن كان يعمل وهو صحيح ، وكذا من نام عن حزبه نوما غالبا كتب له أجر حزبه ، وكان نومه صدقة عليه ، وكذا المسافر يكتب له ما كان يعمل في الإقامة ، وهذا معنى قوله عز وجل : ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾أي : غير مقطوع بزمانة أو كبر أو ضعف ؛ إذ الإنسان يبلغ بنيته أجر العامل إذا كان لا يستطيع العمل الذي ينويه .