باب الحراسة في الغزو في سبيل الله
حدثنا يحيى بن يوسف قال : أخبرنا أبو بكر عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة ، إن أعطي رضي ، وإن لم يعط لم يرض . لم يرفعه إسرائيل عن أبي حصين ، وزادنا عمرو قال : أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة ، إن أعطي رضي ، وإن لم يعط سخط ، تعس وانتكس ، وإذا شيك فلا انتقش ، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه ، إن كان في الحراسة كان في الحراسة ، وإن كان في الساقة كان في الساقة ، إن استأذن لم يؤذن له ، وإن شفع لم يشفع . مطابقته للترجمة في قوله : إن كان في الحراسة كان في الحراسة .
ذكر رجاله : وهم عشرة أنفس ، الأول : يحيى بن يوسف بن أبي كريمة أبو يوسف ، الثاني : أبو بكر بن عيا، بفتح العين المهملة وتشديد الياء آخر الحروف وبالشين المعجمة ابن سالم الحناط بالنون المقبري ، وقد اختلف في اسمه اختلافا كثيرا ، والصحيح أن اسمه كنيته ، الثالث : أبو حصين ، بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين ، واسمه عثمان بن عاصم الأسدي ، الرابع : أبو صالح ذكوان السمان الزيات ، الخامس : أبو هريرة - رضي الله تعالى عنه - السادس : إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ، السابع : محمد بن جحادة ، بضم الجيم وتخفيف الحاء المهملة الأودي ، ويقال : الأيامي ، الثامن : عمرو ، بفتح العين ابن مرزوق الباهلي بالباء الموحدة ، التاسع : عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار مولى عبد الله بن عمر ، العاشر : أبوه عبد الله بن دينار . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثمانية مواضع ، وفيه أن شيخه يحيى بن يوسف الزمي نسبة إلى زم ، بفتح الزاي وتشديد الميم ، وهي بليدة بخراسان على نهر بلخ وسكن بغداد ، وهو من أفراده وأبو بكر بن عياش وأبو حصين وإسرائيل ومحمد بن جحادة كوفيون ، وأبو صالح وعبد الرحمن مدنيان ، وعمرو بن مرزوق بصري ، وهو من أفراده ، وفيه تابعيان عبد الله بن دينار وأبو صالح ، وفيه رواية الابن عن أبيه ، وهو عبد الرحمن يروي عن أبيه عبد الله . ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في الرقاق عن يحيى بن يوسف أيضا ، وأخرجه ابن ماجه في الزهد عن يعقوب بن حميد بن كاسب .
ذكر معناه : قوله : تعس بفتح التاء المثناة من فوق وكسر العين المهملة بعدها سين مهملة ، قال ابن التين : التعس الكب ، أي : عثر فسقط لوجهه ، قال : وذكره بعض أهل اللغة بفتح العين ، وقال ابن الأنباري : التعس الشر ، قال الله عز وجل فَتَعْسًا لَهُمْ وذكر ابن التياني عن قطرب : تعس وتعس شقي ، وعن علي بن حمزة بالكسر والفتح هلك ، وفي ( البارع ) : تعسه الله وأتعسه بمعنى نكسه ، وفي ( التهذيب ) قال شمر : لا أعرف تعسه الله ، ولكن يقال : تعس بنفسه وأتعسه الله ، وقيل : تعس إذا أخطأ حجته إن خاصم وبغيته إن طلب ، وقيل : التعس أن يخر على وجهه ، والنكس أن يخر على رأسه ، وقال الليث : التعس أن لا ينتعش من عثرته ، وأن ينكس في سفال ، وذكر الزجاج أن التعس في اللغة الانحطاط ، وفي ( المحكم ) : هو السقوط على أي وجه كان ، وقيل : هو البعد ، قوله : عبد الدينار مجاز عن حرصه عليه وتحمل الذلة لأجله ، أي : طلب ذلك قد استعبده ، وصار عمله كله في طلبهما كالعبادة لهما ، قوله : والقطيفة بفتح القاف وكسر الطاء دثار مخمل ، والجمع قطائف وقطف ، قوله : والخميصة بفتح الخاء المعجمة وكسر الميم كساء أسود مربع له علمان ، قوله : إن أعطي على صيغة المجهول قال ابن بطال : أي : إن أعطي ماله عمل ورضي عن خالقه ، وإن لم يعط لم يرض ويتسخط بما قدر له ، فصح بهذا أنه عبد في طلب هذين فوجب الدعاء عليه بالتعس ؛ لأنه أوقف عمله على متاع الدنيا الفاني وترك النعيم الباقي ، قوله : لم يرفعه إسرائيل أي : لم يرفع الحديث إسرائيل بن يونس عن أبي حصين ؛ بل وقفه عليه ، وكذا محمد بن جحادة ، قوله : وزادنا عمرو وهو عمرو بن مرزوق أحد مشايخ البخاري ، ويروى وزاد لنا ، والذي زاد له هو قوله : وانتكس إلى آخره ، وروى أبو نعيم الأصبهاني حديث عمرو هذا عن حبيب بن الحسن عن يوسف القاضي ، حدثنا عمرو بن مرزوق ، أنبأنا عبد الرحمن بن عبد الله ، فذكره . قوله : وانتكس بالسين المهملة ، أي : عاوده المرض كما بدأ به ، وقال الطيبي : أي : انقلب على رأسه ، وهو دعاء عليه بالخيبة ؛ لأن من انتكس فقد خاب وخسر ، وقال صاحب ( المطالع ) : ذكره بالشين المعجمة وفسره بالرجوع وجعله دعاء له لا عليه ، والأول أوجه ، قوله : وإذا شيك بكسر الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف بعدها كاف ، أي : إذا أصابته شوكة لا قدر على إخراجها بالمنقاش ، وهو معنى قوله : فلا انتقش بالقاف والشين المعجمة ، يقال : نقشت الشوكة إذا أخرجتها بالمنقاش ، ويقال : انتقش الرجل إذا سل الشوكة من قدمه ، وذكر ابن قتيبة أن بعضهم رواه بالعين المهملة بدل القاف ، ومعناه صحيح ، لكن مع ذكر الشوكة تقوى رواية القاف ، ووقع في رواية الأصيلي عن أبي زيد المروزي ، وإذا شئت بتاء مثناة من فوق بدل الكاف ، وهو خطأ فاحش ، وإنما خص إنقاش الشوك بالذكر ؛ لأن الإنقاش أسهل ما يتصور في المعاونة لمن أصابه مكروه ، فإذا نفي ذلك الأهون فيكون ما فوق ذلك منفيا بالطريق الأولى . قوله : طوبى لعبد طوبى على وزن فعلى من الطيب ، فلما ضمت الطاء انقلبت الياء واوا ، وطوبى اسم الجنة ، وقيل : هي شجرة فيها ، ويقال : طوبى لك وطوباك بالإضافة ، قوله : آخذ اسم فاعل من الأخذ مجرور ؛ لأنه صفة عبد ، والعنان بكسر العين لجام الفرس ، قوله : أشعث صفة لعبد بفتح الثاء ؛ لأن جره بالفتحة ؛ لأنه غير منصرف ، وقوله : رأسه مرفوع ؛ لأنه فاعل ، ويجوز في أشعث الرفع ، قاله الكرماني ، ولم يبين وجهه ، وقال بعضهم : ويجوز في أشعث الرفع على أنه صفة الرأس ، أي : رأسه أشعث .
قلت : هذا الذي ذكره لا يصح عند المعربين ، والرأس فاعل أشعث ، وكيف يكون صفته والموصوف لا يتقدم على الصفة والتقدير الذي قدره يؤدي إلى إلغاء قوله : رأسه بعد قوله : أشعث ؟ وقال الطيبي : أشعث رأسه مغبرة قدماه حالان من قوله : لعبد لأنه موصوف . قوله : إن كان في الحراسة أي : في حراسة العدو خوفا من أن يهجم العدو عليهم ، وذلك يكون في مقدمة الجيش ، والساقة مؤخرة الجيش ، والمعنى ائتماره لما أمر وإقامته حيث أقيم لا يفقد من مكانه بحال ، وإنما ذكر الحراسة والساقة ؛ لأنهما أشد مشقة وأكثر آفة ، الأول : عند دخولهم دار الحرب والآخر عند خروجهم منها . فإن قلت : ما وجه اتحاد الشرط والجزاء ؟ قلت : وجه ذلك أنه يدل على فخامة الجزاء وكماله نحو : من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، أي : من كان في الساقة فهو في أمر عظيم ، أو المراد منه لازمه نحو : فعليه أن يأتي بلوازمه ويكون مشتغلا بخويصة عمله أو قلة ثوابه ، قوله : إذا استأذن لم يؤذن له إشارة إلى عدم التفاته إلى الدنيا وأربابها ، بحيث يفنى بكليته في نفسه ، لا يبتغي مالا ولا جاها عند الناس ؛ بل يكون عند الله وجيها ، ولم يقبل الناس شفاعته ، وعند الله يكون شفيعا مشفعا ، قوله : لم يشفع بفتح الفاء المشددة ، أي : لم تقبل شفاعته .
قال أبو عبد الله : لم يرفعه إسرائيل ومحمد بن جحادة عن أبي حصين . أبو عبد الله هو البخاري نفسه ، أي : لم يرفع الحديث المذكور إسرائيل بن يونس ومحمد بن جحادة عن أبي حصين عثمان بن عاصم ؛ بل وقفاه عليه ، وقد ذكرناه . وقال : تعسا ، كأنه يقول : فأتعسهم الله .
هكذا وقع في رواية المستملي ، وجرت عادة البخاري في شرح اللفظة التي توافق ما في القرآن بتفسيرها ، وهكذا فسر أهل التفسير قوله تعالى : فَتَعْسًا لَهُمْ كأنه يقول : فأتعسهم الله ، وقد مر الكلام فيه مستوفى . طوبى فعلى من كل شيء طيب ، وهي ياء حولت إلى الواو ، وهي من يطيب . هذا أيضا من كلام البخاري ، فسر طوبى بهذا ، وقد ذكرنا الكلام فيه .