باب فضل رباط يوم في سبيل الله أي : هذا باب في بيان فضل رباط يوم ، الرباط بكسر الراء وبالباء الموحدة الخفيفة ملازمة المكان الذي بين المسلمين والكفار لحراسة المسلمين منهم . قلت : الرباط هي المرابطة وهي ملازمة ثغر العدو ، وقال ابن قتيبة : أصل الرباط والمرابطة أن يربط هؤلاء خيولهم وهؤلاء خيولهم في الثغر كل يعد لصاحبه ، وقال ابن التين : بشرط أن يكون غير الوطن ، قاله ابن حبيب عن مالك ، وفيه نظر ؛ لأنه قد يكون وطنه وينوي بالإقامة فيه دفع العدو ، ويقال : الرباط المرابطة في نحو العدو وحفظ ثغور الإسلام وصيانتها عن دخول الأعداء إلى حوزة بلاد المسلمين . وقول الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا إلى آخر الآية . وقوله مجرور عطفا على قوله : فضل رباط وتمام الآية وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ قال زيد بن أسلم : اصبروا على الجهاد ، وصابروا العدو ، ورابطوا الخيل على العدو ، وعن الحسن وقتادة : اصبروا على طاعة الله ، وصابروا أعداء الله ، ورابطوا في سبيل الله ، وعن الحسن أيضا : اصبروا على المصائب ، وصابروا على الصلوات الخمس ، وقال محمد بن كعب : اصبروا على دينكم ، وصابروا لوعدي الذي وعدتكم عليه ، ورابطوا عدوي وعدوكم حتى يترك دينه لدينكم ، واتقوني فيما بيني وبينكم لعلكم تفلحون غدا إذا لقيتموني ، وفي ( تفسير ابن كثير ) قال الحسن البصري : أمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله لهم ، وهو الإسلام ولا يدعوه لسراء ولا لضراء ، ولا لشدة ولا لرخاء حتى يموتوا مسلمين ، وأن يصابروا الأعداء الذين يملون دينهم ، وقال ابن مردويه : حدثنا محمد بن أحمد ، أخبرنا موسى بن إسحاق ، أخبرنا أبو جحيفة علي بن يزيد الكوفي ، أخبرنا ابن أبي كريمة ، عن محمد بن يزيد ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال : أقبل أبو هريرة يوما ، فقال : يا ابن أخي أتدري فيما أنزلت هذه الآية ؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا الآية . قلت : لا ، قال : أما إنه لم يكن في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - غزو يرابطون فيه ، ولكنها نزلت في قوم يعمرون المساجد ويصلون الصلاة في مواقيتها ، ثم يذكرون الله فيها فعليهم أنزلت اصْبِرُوا أي : على الصلوات الخمس وَصَابِرُوا أنفسكم وهواكم وَرَابِطُوا في مساجدكم وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما علمكم لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وهكذا روى الحاكم أيضا في ( مستدركه ) . 105 - حدثنا عبد الله بن منير قال : سمع أبا النضر قال : حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها ، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها ، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وعبد الله بن منير ، بضم الميم وكسر النون أبو عبد الرحمن المروزي ، وهو من أفراده ، وأبو النضر بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ، واسمه هاشم بن القاسم التميمي ، ويقال : الليثي الكناني ، خراساني سكن بغداد ومات بها يوم الأربعاء غرة ذي القعدة سنة سبع ومائتين ، وأبو حازم الأعرج سلمة بن دينار ، وسهل بن سعد بن مالك الساعدي الأنصاري . والحديث أخرجه الترمذي فيه عن أبي بكر بن أبي النضر عن أبي النضر . قوله : سمع أبا النضر التقدير أنه سمع أبا النضر ، قوله : رباط يوم قد مر تفسير الرباط عن قريب ، قوله : وما عليها أي : على الدنيا ، وفائدة العدول عن قوله : وما فيها هو أن معنى الاستعلاء أعم من الظرفية وأقوى ، فقصده زيادة المبالغة ، قوله : وموضع سوط أحدكم إلى قوله : عليها لأن الدنيا فانية وكل شيء في الجنة باق وإن صغر في التمثيل لنا وليس فيه صغير ، فهو أدوم وأبقى من الدنيا الفانية المنقطعة ، فكان الدائم الباقي خيرا من المنقطع ، قوله : والروحة إلى آخره وتفسير الغدوة والروحة مر في أوائل كتاب الجهاد في باب الغدوة والروحة ؛ لأنه أخرج هناك عن سهل بن سعد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الروحة والغدوة في سبيل الله أفضل من الدنيا وما فيها . فإن قلت : روى أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث عثمان - رضي الله تعالى عنه - رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل . قلت : لا تعارض ؛ لأنه باختلاف العاملين أو باختلاف العمل بالنسبة إلى الكثرة والقلة .
المصدر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/396711
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة