قصة فدك
حدثنا إسحاق بن محمد الفروي ، قال : حدثنا مالك بن أنس ، عن ابن شهاب ، عن مالك بن أوس بن الحدثان وكان محمد بن جبير ذكر لي ذكرا من حديثه ذلك ، فانطلقت حتى أدخل على مالك بن أوس ، فسألته عن ذلك الحديث ، فقال مالك : بينا أنا جالس في أهلي حين متع النهار إذا رسول عمر بن الخطاب يأتيني فقال : أجب أمير المؤمنين ، فانطلقت معه حتى أدخل على عمر ، فإذا هو جالس على رمال سرير ليس بينه وبينه فراش متكئ على وسادة من أدم ، فسلمت عليه ، ثم جلست فقال : يا مال إنه قدم علينا من قومك أهل أبيات ، وقد أمرت فيهم برضخ ، فاقبضه فاقسمه بينهم ، فقلت : يا أمير المؤمنين لو أمرت به غيري ، قال : اقبضه أيها المرء ، فبينا أنا جالس عنده أتاه حاجبه يرفا ، فقال : هل لك في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد بن أبي وقاص يستأذنون ، قال : نعم ، فأذن لهم ، فدخلوا فسلموا وجلسوا ، ثم جلس يرفا يسيرا ، ثم قال : هل لك في علي وعباس ، قال : نعم ، فأذن لهما فدخلا ، فسلما فجلسا ، فقال عباس : يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من بني النضير ، فقال الرهط عثمان وأصحابه : يا أمير المؤمنين اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر ، قال عمر : تيدكم ، أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا نورث ما تركنا صدقة يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه ؟ قال الرهط : قد قال ذلك ، فأقبل عمر على علي وعباس ، فقال : أنشدكما الله أتعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال ذلك ؟ قالا : قد قال ذلك ، قال عمر : فإني أحدثكم عن هذا الأمر إن الله قد خص رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره ، ثم قرأ : وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ إلى قوله : قدير فكانت هذه خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله ما احتازها دونكم ، ولا استأثر بها عليكم ، قد أعطاكموها ، وبثها فيكم ، حتى بقي منها هذا المال ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله ، فعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك حياته أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك ؟ قالوا : نعم ، ثم قال لعلي وعباس : أنشدكما بالله ، هل تعلمان ذلك ؟ قال عمر : ثم توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر : أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقبضها أبو بكر ، فعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله يعلم إنه فيها لصادق بار راشد تابع للحق ، ثم توفى الله أبا بكر ، فكنت أنا ولي أبي بكر ، فقبضتها سنتين من إمارتي أعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما عمل فيها أبو بكر ، والله يعلم إني فيها لصادق بار راشد تابع للحق ، ثم جئتماني تكلماني وكلمتكما واحدة وأمركما واحد ، جئتني يا عباس تسألني نصيبك من ابن أخيك ، وجاءني هذا يريد عليا يريد نصيب امرأته من أبيها ، فقلت لكما : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا نورث ما تركنا صدقة ، فلما بدا لي أن أدفعه إليكما قلت : إن شئتما دفعتها إليكما على أن عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما عمل فيها أبو بكر وبما عملت فيها منذ وليتها ، فقلتما : ادفعها إلينا ، فبذلك دفعتها إليكما ، فأنشدكم بالله هل دفعتها إليهما بذلك ؟ قال الرهط : نعم ، ثم أقبل على علي وعباس ، فقال : أنشدكما بالله هل دفعتها إليكما بذلك ؟ قالا : نعم ، قال فتلتمسان مني قضاء غير ذلك ؟ فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاء غير ذلك ، فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي ؛ فإني أكفيكماها . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : إن الله قد خص رسوله إلى قوله : فكانت هذه خالصة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، لا من جملة ما سألت فاطمة رضي الله تعالى عنها ما بقي من خمس خيبر ، وكان علي وعباس يختصمان في الفيء الذي خص الله تعالى نبيه بذلك ، كما سيجيء بيان ذلك أن في الفيء خص رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء دون غيره ، وحقه في الفيء من أموال بني النضير كانت له خاصة حين أجلاهم ، وكذا نصف أرض فدك صالح أهلها بعد فتح خيبر على نصف أرضها ، فكانت خالصة له ، وكذا ثلث أرض وادي القرى أخذه في الصلح حين صالح اليهود ، وكذا حصنان من حصون خيبر الوطيح والسلالم أخذهما صلحا ، ومنها سهمه من خمس خيبر ، وما افتتح منها عنوة ، فكان هذا ملكا له خاصة لا حق لأحد فيها . ذكر رجاله ، وهم خمسة : الأول : إسحاق بن محمد الفروي ، بفتح الفاء ، وسكون الراء وبالواو ، وقال الغساني : وفي بعض النسخ محمد بن إسحاق ، وهو خطأ .
الثاني : مالك بن أنس . الثالث : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري . الرابع مالك بن أوس بفتح الهمزة وسكون الواو وبالسين المهملة ابن الحدثان بالمهملتين المفتوحتين ، وبالثاء المثلثة ابن عوف بن ربيعة النصري ، من بني نصر بن معاوية ، يكنى أبا سعيد ، زعم أحمد بن صالح المصري - وكان من جملة أهل هذا الشأن أن له صحبة ، وقال سلمة بن وردان : رأيت جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فذكرهم ، وذكر فيهم مالك بن أوس بن الحدثان النصري ، وقال أبو عمر : لا أحفظ له صحبة أكثر مما ذكرت ، ولا أعلم له رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما روايته عن عمر رضي الله تعالى عنه فأكثر من أن تذكر ، وروى عن العشرة المهاجرين ، وعن العباس بن عبد المطلب ، روى عنه محمد بن جبير بن مطعم ، والزهري ، ومحمد بن المنكدر ، وآخرون ، مات بالمدينة سنة اثنتين وتسعين ، وهو ابن أربع وتسعين سنة . الخامس محمد بن جبير بضم الجيم وفتح الباء الموحدة ابن مطعم بن عدي بن نوفل بن عدي بن عبد مناف القرشي المديني ، مات بالمدينة زمن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في النفقات ، عن سعيد بن عفير ، وفي الاعتصام عن عبد الله بن يوسف ، وفي الفرائض عن يحيى بن بكير ، وأخرجه مسلم في المغازي ، عن عبد الله بن أسماء ، وعن إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع وعبد بن حميد ، وأخرجه أبو داود في الخراج عن الحسن بن علي الخلال ، ومحمد بن يحيى بن فارس ، وعن محمد بن عبيد ، وأخرجه الترمذي في السير عن الحسن بن علي الخلال به ، وأخرجه النسائي في الفرائض عن عمرو بن علي ، وفي قسم الفيء عن علي بن حجر ، وفي التفسير عن محمد بن عبد الأعلى .
ذكر معناه : قوله : حتى أدخل يجوز فيه ضم اللام وفتحها ، فوجه الضم هو أن تكون حتى عاطفة ، والمعنى : انطلقت فدخلت . ووجه الفتح هو أن تكون حتى بمعنى كي ، ومثله قوله تعالى وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ قوله : بينا قد مر غير مرة أن أصله بين ، فأشبعت فتحة النون بالألف ، وربما تزاد فيه الميم ، فيقال : بينما ، وهما ظرفا زمان ، ويضافان إلى جملة اسمية وفعلية ، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى ، وجوابه هو قوله : إذا رسول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، والأفصح أن لا يكون في جوابهما إذ وإذا . قوله : حين متع النهار بالميم والتاء المثناة من فوق والعين المهملة المفتوحات ، ومعناه حين ارتفع وطال ارتفاعه ، وقال صاحب العين : متع النهار متوعا ، وذلك قبل الزوال .
وقيل : معناه طال وعلا ، وأمتع الشيء : طالت مدته ، ومنه في الدعاء : أمتعني الله بك ، وقيل معناه : نفعني الله بك ، وقال الداودي : متع صار قرب نصف النهار ، وفي رواية أبي داود : أرسل علي عمر رضي الله عنه حين تعالى النهار ، وفي رواية مسلم : أرسل إلي عمر بن الخطاب فجئته حين تعالى النهار . قوله : على رمال سرير الرمال بكسر الراء وضمها : ما ينسج من سعف النخل ليضطجع عليه ، ويقال : رمل سريره وأرمله إذا رمل شريطا ، أو غيره ، فجعله ظهرا . وقيل : رمال السرير ما مد على وجهه من خيوط وشريط ونحوهما ، وفي رواية أبي داود : فجئته فوجدته في بيته جالسا على سريره مفضيا إلى رماله ، وفي رواية مسلم : فوجدته في بيته جالسا على سريره مفضيا إلى رماله متكئا على وسادة من أدم .
قوله : مفضيا إلى رماله يعني ليس بينه وبين رماله شيء ، وإنما قال هذا لأن العادة أن يكون فوق الرمال فراش ، أو نحوه ، ومعنى قوله : ليس بينه وبينه أي ليس بين عمر وبين الرمال فراش . قوله : يا مال أي يا مالك ، فرخمه بحذف الكاف ، ويجوز ضم اللام وكسرها على الوجهين في الترخيم . قوله : إنه قدم علينا من قومك ، وفي رواية مسلم أنه قد دف أهل أبيات من قومك ، وكذا في رواية أبي داود : دف من الدف ، وهو المشي بسرعة .
قوله : برضخ بفتح الراء وسكون الضاد المعجمة ، وفي آخره خاء معجمة ، وهي العطية القليلة غير المقدرة . قوله : لو أمرت به غيري أي لو أمرت بدفع الرضخ إليهم غيري ، وفي رواية أبي داود : وقد أمرت فيهم بشيء فاقسم فيهم ، قلت : لو أمرت غيري بذلك فقال : خذه ، وفي رواية مسلم : لو أمرت بهذا غيري قال : خذه يا مال . قوله : اقبضه أيها المرء هو عزم عليه في قبضه .
قوله : يرفأ هو مولى عمر وحاجبه بفتح الياء آخر الحروف وسكون الراء وفتح الفاء مهموزا وغير مهموز ، وهو الأشهر ، وفي رواية البيهقي : اليرفأ بالألف واللام . قوله : هل لك في عثمان أي هل لك إذن في عثمان ، وقال الكرماني : هل لك رغبة في دخولهم . قوله : يستأذنون جملة حالية .
قوله : اقض بيني وبين هذا يعني علي بن أبي طالب ، وفي رواية مسلم : اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن - يعني الكاذب إن لم ينصف - فحذف الجواب ، وزعم المازري أن هذه اللفظة ننزه القائل والمقول فيه عنها ، وننسبها إلى أن بعض الرواة وهم فيها ، وقد أزالها بعض الناس من كتابه تورعا ، وإن لم يكن الحمل فيها على الرواة ، فأجود ما يحمل عليه أن العباس قالها إدلالا عليه ؛ لأنه بمنزلة والده ، ولعله أراد ردع علي عما يعتقد أنه مخطئ فيه ، وأن هذه الأوصاف يتصف بها لو كان يفعله عن قصد ، وإن كان علي لا يراها موجبة لذلك في اعتقاده ، وهذا كما يقول المالكي : شارب النبيذ ناقص الدين ، والحنفي يعتقد أنه ليس بناقص ، وكل واحد محق في اعتقاده ، ولا بد من هذا التأويل ؛ لأن هذه القضية جرت بحضرة عمر والصحابة رضي الله تعالى عنهم ، ولم ينكر أحد منهم هذا الكلام مع تشددهم في إنكار المنكر ، وما ذلك إلا أنهم فهموا بقرينة الحال أنه تكلم بما لا يعتقده . انتهى . قلت : كل هذا لا يفيد شيئا ، بل يجب إزالة هذه اللفظة عن الكتاب ، وحاشى من عباس أن يتلفظ بها ، ولا سيما بحضرة عمر بن الخطاب وجماعة من الصحابة ، ولم يكن عمر ممن يسكت عن مثل هذا لصلابته في أمور الدين ، وعدم مبالاته من أحد ، وفي ما قاله نسبة عمر إلى ترك المنكر ، وعجزه عن إقامة الحق ، فاللائق لحال الكل إزالة هذه من الوسط ، فلا يحتاج إلى تأويل غير طائل ؛ فافهم .
قوله : وهما يختصمان أي العباس وعلي يختصمان أي يتجادلان ويتنازعان ، والواو فيه للحال . قوله : فيما أفاء الله على رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم من مال بني النضير ، وهو مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب ، وهو المال الذي بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر ، وفي رواية عن الزهري : قرى غربية فدك ، وقال ابن عباس في قوله : وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ الآية ، هو من أموال الكفار ، وأهل القرى وهم قريظة والنضير وهما بالمدينة ، وفدك وخيبر وقرى غربية وينبع . كذا في تفسير النسفي .
قوله : فقال الرهط ، وهم المذكورون فيما مضى ، وهم عثمان وأصحابه ، فقوله : عثمان خبر مبتدأ محذوف ، أي : هم عثمان وأصحابه المذكورون ، ويجوز أن يكون بيانا ، أو بدلا . قوله : وأرح أمر من الإراحة بالراء المهملة ، وفي رواية مسلم : فاقض بينهم وأرحهم فقال مالك بن أوس : يخيل إلي أنهم كانوا قدموهم لذلك ، وفي رواية أبي داود : فقال العباس : يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا يعني عليا ، فقال بعضهم : أجل يا أمير المؤمنين ، فاقض بينهما وأرحهما . قوله : فقال عمر : تيدكم بفتح التاء المثناة من فوق وكسرها وسكون الياء آخر الحروف وفتح الدال المهملة وضمها ، وهو اسم فعل كرويد ، أي اصبروا وأمهلوا وعلى رسلكم ، وقيل : إنه مصدر تأد يتئد ، وقال ابن الأثير : هو من التؤدة ، كأنه قال : الزموا تؤدتكم ، يقال : تأد تأدا كأنه أراد أن يقول : تأدكم فأبدل من الهمزة ياء يعني آخر الحروف ، هكذا ذكره أبو موسى ، وفي رواية مسلم : اتئدوا أي تأنوا واصبروا .
قوله : أنشدكم بالله بضم الشين ، أي أسألكم بالله ، يقال : نشدتك الله وبالله . قوله : لا نورث ما تركنا صدقة قد مضى تفسيره وأن الرواية بالنون - قال القرطبي : يعني جماعة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما في رواية أخرى : نحن معاشر الأنبياء لا نورث . روى أبو عمر في التمهيد من حديث ابن شهاب عن مالك بن أوس عن عمر رضي الله تعالى عنه : إنا معشر الأنبياء ما تركناه صدقة .
وهذا حجة على الحسن البصري في ذهابه إلى أن هذا خاص بنبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم دون غيره من الأنبياء ، فاستدل بقوله تعالى في قصة زكرياء عليه السلام يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وبقوله تعالى : وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وحمل جمهور العلماء الآيتين على ميراث العلم والنبوة والحكمة ومنطق الطير في حق سليمان عليه السلام . قوله : قد قال ذلك أي قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : لا نورث ما تركناه صدقة ، وكذلك معنى قوله : قد قال ذلك في الموضعين الآخرين . قوله : ولم يعطه أحدا غيره أي لم يعط الفيء أحدا غير النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ؛ لأنه خصص الفيء كله له كما هو مذهب الجمهور ، أو جله كما هو مذهب الشافعية .
وقيل : أي حيث حلل الغنيمة له ولم تحل لسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وقال القاضي : تخصيصه بالفيء إما كله ، أو بعضه ، وهل في الفيء خمس أم لا ؟ قال ابن المنذر : لا نعلم أحدا قبل الشافعي قال بالخمس . قوله : ثم قرأ : وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ إلى قوله قَدِيرٌ وتمام الآية : فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي وما رد الله على رسوله ورجع إليه ، ومنه فيء الظل ، والفيء كالعود والرجوع يستعمل بمعنى المصير ، وإن لم يتقدم ذلك . قوله : فَمَا أَوْجَفْتُمْ من الإيجاف من الوجيف ، وهو السير السريع ، والمعنى إنما جعل الله لرسوله من أموال بني النضير شيئا لم تحصلوه بالقتال والغلبة ، ولكن سلط الله رسوله عليهم وعلى أموالهم كما كان يسلط رسله على أعدائهم ، فالأمر فيه مفوض إليه يضعه حيث يشاء ، وهو معنى قوله فكانت هذه خالصة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، ولا حق لأحد فيها ، فكان يأخذ منها نفقته ونفقة أهله ، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين ، وفي رواية مسلم : قال عمر رضي الله تعالى عنه : إن الله خص رسوله بخاصة لم يخصص بها أحدا غيره ؛ قال : مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ما أدري هل قرأ الآية التي قبلها أم لا ، قال : فقسم رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بينكم أموال بني النضير ، فوالله ما استأثر عليكم ولا أخذها دونكم حتى بقي هذا المال ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ منه نفقته سنة ، ثم يجعل ما بقي أسوة المال .
انتهى ، وهذا تفسير لرواية البخاري في نفس الأمر ؛ فقوله : والله ما احتازها أي ما جمعها دونكم ، وهو بالحاء المهملة والزاي . قوله : ولا استأثر بها أي ولا استبد بها ، وتخصص بها عليكم . قوله : وبثها فيكم أي فرقها عليكم .
قوله : نفقة سنتهم فإن قلت : كيف يجمع هذا مع ما ثبت أن درعه حين وفاته كانت مرهونة على الشعير استدانة لأهله ؟ قلت : كان يعزل مقدار نفقتهم منه ، ثم ينفق ذلك أيضا في وجوه الخير إلى حين انقضاء السنة عليهم . قوله : فجعل مال الله بفتح الميم ، وهو موضع الجعل بأن يجعله في السلاح والكراع ومصالح المسلمين . قوله : فلما بدا أي ظهر وصح لي .
قوله : من ابن أخيك ، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن أخاه عبد الله والنبي صلى الله عليه وسلم ابن عبد الله . قوله : يريد نصيب امرأته من أبيها أي يريد علي بن أبي طالب نصيب زوجته فاطمة الذي آل إليها من أبيها ، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال الكرماني : إن كان الدفع إليهما صوابا فلم لم يدفعه في أول الحال ؟ وإلا فلم دفعه في الآخر ؟ وأجاب بأنه منع أولا على الوجه الذي كانا يطلبانه من التملك ، وثانيا أعطاهما على وجه التصرف فيها كما تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، وقال الخطابي : هذه القصة مشكلة جدا ، وذلك أنهما إذا كانا قد أخذا هذه الصدقة من عمر على الشريطة التي شرطها عليهم ، وقد اعترفا بأنه قال صلى الله عليه وسلم : ما تركنا صدقة ، وقد شهد المهاجرون بذلك ، فما الذي بدا لهما بعد حتى تخاصما ، والمعنى في ذلك أنه كان يشق عليهما الشركة ، فطلبا أن يقسم بينهما ليستبد كل واحد منهما بالتدبير والتصرف فيما يصير إليه ، فمنعهما عمر القسم ؛ لئلا يجري عليهما اسم الملك ؛ لأن القسمة إنما تقع في الأموال ، ويتطاول الزمان فتظن به الملكية ، وقال أبو داود : ولما صارت الخلافة إلى علي رضي الله تعالى عنه لم يغيرها عن كونها صدقة .
قوله : قضاء غير ذلك أي غير الذي قضى به ، وفي رواية أبي داود : والله لا أقضي بينكما بغير ذلك حتى تقوم الساعة . قوله : فادفعاها إلي ، وفي رواية أبي داود : فإن عجزتما عنها فرداها إلي . ذكر ما يستفاد منه : فيه أن عليا والعباس اختصما في ما أفاء الله على رسوله من مال بني النضير ولم يتنازعا في الخمس ، وإنما تنازعا فيما كان خاصا للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو الفيء ، فتركه صدقة بعد وفاته ، وفيه أنه يجب أن يولى أمر كل قبيلة سيدها ؛ لأنه أعرف باستحقاق كل رجل منهم لعلمه بهم ، وفيه الترخيم له ولا عار على المنادى بذلك ولا نقيصة ، وفيه استعفاؤه مما يوليه الإمام بألين الكلام ؛ لقول مالك لعمر رضي الله تعالى عنه حين أمره بقسمة المال بين قومه : لو أمرت به غيري ، وفيه الحجابة للإمام ، وأن لا يصل إليه شريف ولا غيره إلا بإذنه ، وفيه الجلوس بين يدي السلطان بغير إذنه ، وفيه الشفاعة عند الإمام في إنفاذ الحكم إذا تفاقمت الأمور وخشي الفساد بين المتخاصمين ؛ لقول عثمان رضي الله تعالى عنه : اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر .
وقد ذكر البخاري في المغازي أن عليا والعباس استبا يومئذ . وفيه تعزير الإمام من يشهد له على قضائه وحكمه . وفيه أنه لا بأس أن يمدح الرجل نفسه ويطريها إذا قال الحق .
وفيه جواز ادخار الرجل لنفسه وأهله قوت سنة ، وهو خلاف قول جهلة الصوفية المنكرين للادخار الزاعمين أن من ادخر لغد فقد أساء الظن بربه ولم يتوكل عليه حق توكله ، وفيه إباحة اتخاذ العقار التي يبتغي بها الفضل والمعاش ، وفيه أن الصديق رضي الله تعالى عنه قضى على العباس وفاطمة رضي الله تعالى عنهما بحديث : لا نورث ، ولم يحاكمهما في ذلك إلى أحد غيره ، فكذلك الواجب أن يكون للحكام والأئمة الحكم بعلومهم لأنفسهم كان ذلك أو لغيرهم بعد أن يكون ما حكموا فيه بعلومهم مما يعلم صحة أمره رعيتهم - قاله الطبري . وفيه قبول خبر الواحد ؛ فإن أبا بكر رضي الله تعالى عنه لم يستشهد بأحد كما استشهد عمر ، بل أخبر بذلك عنه صلى الله عليه وسلم فقبل ذلك منه ، وفيه أنه لا ينكر أن يخفى على الفقيه والعالم بعض الأمور مما علمه غيره كما خفي على فاطمة التخصيص في ذلك ، وكذلك يقال : إنه خفي على علي رضي الله تعالى عنه ذلك ، وكذلك على العباس ، حتى طلبا الميراث ، وقد يقال : لم يخف ذلك عليهما ، وإنما كانا ذهلا ونسيا حتى ذكرهما أبو بكر ، فرجعا إليه ، بدليل أن عمر نشدهما بالله هل تعلمان ذلك فقالا : نعم ، وفيه أن في طلب فاطمة ميراثها من أبيها وطلب العباس دليلا على أن الأصل في الأحكام العموم وعدم التخصيص حتى يرد ما يدل على التخصيص ، وعلى أن المتكلم داخل في عموم كلامه ، حيث قال صلى الله عليه وسلم : من ترك مالا فلأهله . وهذا قول أكثر أهل الأصول خلافا للحنابلة وابن خويز منداد ، وعند كثير من القائلين بالعموم : إن هذا الخطاب وسائر العمومات لا يدخل فيها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الشرع ورد بالتفرقة بينه وبين أمته ، ولو ثبت العموم لوجب تخصيصها ، وهذا الخبر وما في معناه يوجب تخصيص الآية : وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وخبر الآحاد يخصص ؛ فكيف ما كان هذا سبيله ، وهو القطع بصحته .
والله أعلم .