باب قول الله تعالى : فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ يعني للرسول قسم ذلك ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما أنا قاسم وخازن والله يعطي . أي هذا باب في بيان معنى قول الله تعالى فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ إلى آخره ، هذا اللفظ من قوله تعالى وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ الآية ، بين الله تعالى فيها إحلال الغنائم لهذه الأمة من بين سائر الأمم ، والغنيمة هي المال المأخوذ من الكفار بإيجاف الخيل والركاب ، والفيء ما أخذ منهم بغير ذلك كالأموال التي يصالحون عليها ، أو يتوفون عنها ولا وارث لهم ، والجزية والخراج ونحو ذلك ، قوله : يعني للرسول قسم ذلك هذا تفسير البخاري ، قوله تعالى : فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ قال الكرماني : يعني للرسول قسمته لا أن سهما منه له ، ثم قال : وقال شارح التراجم : مقصود البخاري ترجيح قول من قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يملك خمس الخمس ، وإنما كان إليه قسمته فقط قلت : هذا الباب فيه اختلاف للمفسرين ، فقال بعضهم : لله نصيب يجعل في الكعبة ، فعن أبي عالية الرياحي : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالغنيمة فيقسمها على خمسة ، يكون أربعة أخماس لمن شهدها ، ثم يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه ، فيأخذ منه الذي قبض كفه ، فيجعله للكعبة ، وهو سهم الله تعالى ، ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم ، فيكون سهم للرسول ، وسهم لذوي القربى ، وسهم لليتامى ، وسهم للمساكين ، وسهم لابن السبيل ، وقال آخرون : ذكر الله استفتاح كلام للتبرك وسهم للرسول ، وعن ابن عباس أن سهم الله وسهم الرسول واحد ، وهكذا قال إبراهيم النخعي والحسن بن محمد بن الحنفية والحسن البصري والشعبي وعطاء بن أبي رباح وقتادة وآخرون : إن سهم الله ورسوله واحد ، ثم اختلف القائلون لهذا القول ، فروى علي عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال : كانت الغنيمة تقسم على خمسة أقسام ، فأربعة منها بين من قاتل عليها ، وخمس واحد يقسم على أربعة أخماس ، فربع لله وللرسول ، فما كان لله وللرسول فهو لقرابة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، ولم يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم من الخمس شيئا ، وروى ابن أبي حاتم من حديث عبد الله بن بريدة في قوله : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ قال : الذي لله فلنبيه ، والذي للرسول فلأزواجه . وعن عطاء بن أبي رباح : خمس الله ورسوله واحد ، يحمل منه ويصنع فيه ما شاء ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال آخرون : إن الخمس يتصرف فيه الإمام بالمصلحة للمسلمين كما يتصرف في مال الفيء ، وهذا قول مالك وأكثر السلف . وقد اختلف أيضا في الذي كان يناله النبي صلى الله عليه وسلم من الخمس ، ماذا يصنع به من بعده ، فقالت طائفة : يكون لمن يلي الأمر من بعده ، روي ذلك عن أبي بكر وعلي وقتادة وجماعة ، وقال آخرون : يصرف في مصالح المسلمين ، وقال آخرون : بل هو مردود على بقية الأصناف ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ، واختاره ابن جرير ، وقيل : إن الخمس جميعه لذوي القربى ، وقال الأعمش عن إبراهيم قال : كان أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما يجعلان سهم النبي صلى الله عليه وسلم في الكراع والسلاح ، قلت لإبراهيم : ما كان علي رضي الله تعالى عنه يقول فيه ؟ قال : كان أشدهم فيه ، وهذا قول طائفة كثيرة من العلماء . وذكر ابن المناصف في كتاب الجهاد عن مالك أن الفيء والخمس سواء ، يجعلان في بيت المال ، ويعطي الإمام أقارب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدر اجتهاده ، ولا يعطون من الزكاة لقوله صلى الله عليه وسلم : لا تحل الصدقة لآل محمد ، وهم بنو هاشم ، وقال في الخمس والفيء : هو حلال للأغنياء ، ويوقف منه لبيت المال ، بخلاف الزكاة ، وقال عبد الملك : المال الذي آسى الله عز وجل فيه بين الأغنياء والفقراء مال الفيء ، وما ضارع الفيء من ذلك أخماس الغنائم وجزية أهل العنوة وأهل الصلح وخراج الأرض وما صولح عليه أهل الشرك في الهدنة وما أخذ عليه من تجار أهل الحرب إذا خرجوا لتجاراتهم إلى دار الإسلام وما أخذ من أهل ذمتنا إذا اتجروا من بلد إلى بلد ، وخمس الركاز حيث ما وجد يبدأ عندهم في تفريق ذلك بالفقراء والمساكين واليتامى وابن السبيل ، ثم يساوي بين الناس فيما بقي ، شريفهم ووضيعهم ، ومنه يرزق والي المسلمين وقاضيهم ويعطى غازيهم ويسد ثغورهم ويبنى مساجدهم وقناطرهم ويفك أسيرهم ، وما كان من كافة المصالح التي لا توضع فيها الصدقات فهذا أعم في المصرف من الصدقات ؛ لأنه يجري في الأغنياء والفقراء ، وفيما يكون فيه مصرف الصدقة وما لا يكون ، هذا قول مالك وأصحابه ومن ذهب مذهبهم ، أن الخمس والفيء مصرفهما واحد . وذهب الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والأوزاعي وأبو ثور وداود وإسحاق والنسائي وعامة أصحاب الحديث والفقه إلى التفريق بين مصرف الفيء والخمس ، فقالوا : الخمس موضوع فيما عينه الله فيه من الأصناف المسمين في آية الخمس من سورة الأنفال ، لا يتعدى به إلى غيرهم ، ولهم مع ذلك في توجيه قسمه عليهم بعد وفاة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ، وأما الفيء فهو الذي يرجع النظر في مصرفه إلى الإمام بحسب المصلحة والاجتهاد . قوله : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أنا قاسم وخازن والله يعطي احتج البخاري بهذا التعليق على ما ذهب إليه من الرد على من جعل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس الخمس ملكا ، وأسند أبو داود هذا التعليق من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بلفظ : إن أنا إلا خازن أضع حيث أمرت ، والله أعلم . 22 - حدثنا أبو الوليد قال : حدثنا شعبة عن سليمان ومنصور وقتادة أنهم سمعوا سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : ولد لرجل منا من الأنصار غلام ، فأراد أن يسميه محمدا قال شعبة في حديث منصور : إن الأنصاري قال : حملته على عنقي ، فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي حديث سليمان : ولد له غلام ، فأراد أن يسميه محمدا . قال : سموا باسمي ، ولا تكنوا بكنيتي ؛ فإني إنما جعلت قاسما أقسم بينكم ، وقال حصين : بعثت قاسما أقسم بينكم . قال عمرو : أخبرنا شعبة عن قتادة قال : سمعت سالما عن جابر أراد أن يسميه القاسم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : سموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي . مطابقته للترجمة في قوله : إنما جعلت قاسما أقسم بينكم . وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي ، وسليمان هو الأعمش ، ومنصور هو ابن المعتمر . والحديث أخرجه البخاري أيضا في صفة النبي صلى الله عليه وسلم ، عن محمد بن كثير ، وفي الأدب عن آدم ، وأخرجه مسلم رحمه الله في الاستئذان ، كذا قاله المروزي ، ولم يخرجه إلا في الأدب ، عن جماعة كثيرة . قوله : قال شعبة في حديث منصور أشار بهذا إلى أن شعبة لما روى هذا الحديث عن هؤلاء الثلاثة - وهم سليمان ومنصور وقتادة وهم سمعوا جابرا قال : ولد لرجل منا من الأنصار غلام ، فأراد أن يسميه محمدا . قال في حديث منصور : إن الأنصاري قال : حملته على عنقي فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية مسلم عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله قال : ولد لرجل منا غلام ، فسماه محمدا ، فقال له قومه : لا ندعك تسمي باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانطلق بابنه حامله على ظهره ، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، ولد لي غلام فسميته محمدا ، فقال لي قومي : لا ندعك تسمي باسم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي ؛ فإنما أنا قاسم أقسم بينكم . وروى مسلم أيضا من حديث شعبة عن قتادة ومنصور وسليمان وحصين بن عبد الرحمن قالوا : سمعنا سالم بن أبي الجعد ، عن جابر - فزاد هنا حصين بن عبد الرحمن على هؤلاء الثلاثة المذكورين . قوله : وفي حديث سليمان أي قال شعبة : في حديث سليمان الأعمش ولد له غلام إلى آخره . قوله : سموا بفتح السين وضم الميم المشددة أمر من سمى يسمي . قوله : ولا تكتنوا من الاكتناء من باب الافتعال ، ويروى : ولا تكنوا من كنى يكني ، وقال الجوهري : اكتنى فلان كذا وفلان يكنى بأبي عبد الله ، ولا تقل : يكنى بعبد الله ، وكنيته أبا زيد ، وبأبي يزيد تكنية ، والكنية عند أهل العربية : كل مركب إضافي صدره أب ، أو أم : كأبي بكر وأم كلثوم ، وهي من أقسام الأعلام . قوله : إنما جعلت قاسما أقسم بينكم أي أقسم الأموال في المواريث والغنائم وغيرهما عن الله تعالى ، وليس ذلك لأحد إلا له ، فلا يطلق هذا الاسم بالحقيقة إلا عليه ، وعلى هذا فيمتنع التكنية بذلك مطلقا ، وهو مذهب محمد بن سيرين والشافعي وأهل الظاهر ، سواء كان اسمه أحمد ، أو محمدا ، وقال المنذري : اختلف هل النهي عام ، أو خاص ؛ فذهبت طائفة من السلف إلى أن التكني وحده بأبي القاسم ممنوع ، كيف كان الاسم ، وذهب آخرون من السلف إلى منع التكني بأبي القاسم ، وكذلك تسمية الولد بالقاسم ؛ لئلا يكون سببا للتكنية ؛ لأن الشخص إذا سمي بالقاسم يلزم منه أن يكون أبوه أبا القاسم ، فيصير الأب مكنى بكنية رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم . وذهب آخرون إلى أن الممنوع الجمع بين التكنية والاسم ، وأنه لا بأس بالتكني بأبي القاسم مجردا ، ما لم يكن الاسم محمدا ، أو أحمد . وذهب آخرون وشذوا إلى منع التسمية باسم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم جملة كيف ما كان يكنى . وذهب آخرون إلى أن النهي في ذلك منسوخ ، وحكى القرطبي عن جمهور السلف والخلف وفقهاء الأمصار جواز كل ذلك ، والحديث إما منسوخ ، وإما خاص به احتجاجا بحديث علي رضي الله تعالى عنه ، رواه الترمذي وصححه ، ولفظه : يا رسول الله إن ولد لي بعدك غلام أسميه باسمك وأكنيه بكنيتك ؟ قال : نعم قوله : : وقال حصين هو حصين بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ابن عبد الرحمن السلمي ، أبو الهذيل الكوفي ، وهذا التعليق رواه مسلم ، وقال : حدثنا هناد بن السري ، حدثنا عبثر ، عن حصين ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن جابر بن عبد الله قال : ولد لرجل منا غلام ، فسماه محمدا ، فقلنا : لا نكنيك برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تستأمره قال : فأتاه فقال إنه ولد لي غلام ، فسميته برسول الله ، وإن قومي أبوا أن يكنوني به ، حتى تستأذن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فقال : سموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي ، فإنما بعثت قاسما أقسم بينكم . قوله : وقال عمرو هو عمر بن مرزوق ، وهذا التعليق رواه أبو نعيم الأصبهاني عن أبي العباس قال : حدثنا يوسف القاضي ، حدثنا عمرو بن مرزوق ، أخبرنا شعبة ، عن قتادة الحديث .
المصدر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/397070
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة