باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة
( باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة ) قال أبو العالية : مطهرة من الحيض والبول والبزاق ج١٥ / ص١٤٧أبو العالية هو رفيع الرياحي ، وقد ذكر في الباب الذي قبله ، وأشار بذلك إلى تفسير لفظ مطهرة في قوله تعالى : وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ووصله ابن أبي حاتم من رواية مجاهد ، وزاد : ومن المني والولد ، وفي رواية قتادة : من الأذى والإثم . قوله : " والبزاق " ويقال بالصاد بصاق أيضا .
كلما رزقوا أوتوا بشيء ، ثم أوتوا بآخر ، قالوا : هذا الذي رزقنا من قبل أوتينا من قبل وأُتُوا به متشابها يشبه بعضه بعضا ويختلف في الطعوم قطوفها يقطفون كيف شاؤوا .
دانية قريبة الأرائك السرر أشار به إلى الأرائك في قوله مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ وفسرها بقوله السرر ، وكذا فسره عبد بن حميد من طريق حصين ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : الأرائك : السرر في الحجال ، والأرائك جمع أريكة ، قال ابن فارس : الحجلة على السرير لا تكون إلا كذا ، وعن ثعلب الأريكة لا تكون إلا سريرا متخذا في قبة عليه شوار ومخدة .
( قلت ) : الشوار بضم الشين المعجمة ج١٥ / ص١٤٨وتخفيف الواو متاع البيت والحجلة بالتحريك بيت له قبة يستر بالثياب ، ويكون له أزرار كبار . وقال الحسن النضرة في الوجوه والسرور في القلب وقال مجاهد سلسبيلا حديدة الجرية أشار بتعليق مجاهد وتفسيره هذا إلى ما في قوله تعالى : عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلا قوله : عَيْنًا بدل من قوله زَنْجَبِيلا فيما قبله ، قوله : " فيها " أي في الجنة ، وقال الزجاج : أي يسقون عينا فيها تسمى سلسبيلا لسلامة انحدارها في الحلق وسهولة مساغها ، وقال أبو العالية ومقاتل بن حيان : سميت سلسبيلا ؛ لأنها تسيل عليهم في الطريق وفي منازلهم ، تنبع من أصل العرش من جنة عدن إلى أهل الجنان ، والسلسبيل في اللغة : وصف لما كان في غاية السلاسة ، يقال شراب سلسبيل وسلسل وسلسال ، وقد زيدت الياء فيه حتى صار خماسيا ، ودل على غاية السلاسة ، وتعليق مجاهد وصله سعيد بن منصور وعبد بن حميد بإسنادهما عنه .
قوله : " حديدة " بالحاء والدالين المهملات أي شديدة الجرية ، أي الجريان ، وقال عياض : رواها القابسي جريدة بالجيم والراء بدل الدال الأولى ، وفسرها باللينة ، ورد عليه بأن ما قاله لا يعرف . غول وجع البطن ينزفون لا تذهب عقولهم فسر ينزفون بقوله لا تذهب عقولهم عند شرب خمر الجنة ، وهذا التفسير مروي عن ابن عباس وغيره ، وقرئ " ينزفون " بكسر الزاي ، وفيه قولان : أحدهما من أنزف الرجل إذا نفد شرابه ، والآخر يقال أنزف إذا سكر .
وأما نزف إذا ذهب عقله من الشرب فمشهور مسموع . وقال ابن عباس دهاقا ممتلئا كواعب نواهد أشار به إلى ما في قوله تعالى : وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا وفسر كواعب بقوله نواهد ، وهذا التفسير عن ابن عباس رواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه ، والنواهد جمع ناهد وهي التي بدا نهدها ، يقال : نهد الثدي إذا ارتفع عن الصدر وصار له حجم ، والأتراب جمع ترب بالكسر وهو القرن .
الرحيق الخمر التسنيم يعلو شراب أهل الجنة ختامه طينه مسك أشار به إلى ما في قوله تعالى : رَحِيقٍ مَخْتُومٍ وفسر المختوم بقوله ختامه طينه مسك ، وهذا وصله ابن أبي حاتم من طريق مجاهد في قوله : " خِتَامُهُ مِسْكٌ " قال : طينه مسك ، وفي طريق أبي الدرداء في قوله : " خِتَامُهُ مِسْكٌ " قال : هو شراب أبيض مثل الفضة ، يختمون به آخر شرابهم .
نضاختان فياضتان يقال موضونة منسوجة ومنه وضين الناقة أشار به إلى ما في قوله تعالى : عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ وفسر الموضونة بالمنسوجة أي المنسوجة بالذهب ، وقيل : بالجواهر واليواقيت ، رواه ابن أبي حاتم عن عكرمة ، وروي أيضا من طريق الضحاك في قوله : " مَوْضُونَةٍ " قال : الوضين التشبيك والنسيج ، يقول : وسطها مشبك منسوج . قوله : " ومنه " أي ومن هذا وضين الناقة ، وهو البطان إذا نسج بعضه على بعض مضاعفا .
والكوب ما لا أذن له ولا عروة ، والأباريق ذوات الآذان والعرا عربا مثقلة واحدها عروب مثل صبور وصبر يسميها أهل مكة العربة وأهل المدينة الغنجة وأهل العراق الشكلة أشار به إلى ما في قوله تعالى : فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا وفسر عربا بقوم مثقلة ، أي مضمومة الراء ، قيل : مرادهم بالتثقيل الضم ، وبالتخفيف الإسكان . ( قلت ) : ليت شعري هذا اصطلاح مَنْ مِنْ أهل الأدبية .
قوله : " واحدتها " أي واحدة العرب بضم الراء : عروب مثل صبور في المفرد ، وصبر بضم الباء في الجمع ، وذكر النسفي في تفسيره في قوله تعالى : فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عذارى عربا عواشق محببات إلى أزواجهن جمع عروب ، وقال الحسن : العروب الملقة ، وقال عكرمة : غنجة ، وقال ابن زيد : شكلة بلغة مكة مغنوجة بلغة المدينة ، وعن زيد بن حارثة : حسان الكلام ، وقيل : حسنة الفعل ، وجزم الفراء بأن العروب الغنجة . قوله : " العربة " بفتح العين وكسر الراء وفتح الباء ، وأخرج الطبري من طريق تميم بن حدلم في قوله تعالى : عُرُبًا قال : العربة الحسنة التبعل ، كانت العرب تقول : إذا كانت المرأة حسنة التبعل : إنها لعربة ، ومن طريق عبد الله بن عبيد بن عمير المكي ، قال : العربة : التي تشتهي زوجها . قوله : " الغنجة " بفتح الغين المعجمة وكسر النون وبالجيم من الغنج ، وهو التكسر ج١٥ / ص١٥٠والتدلل في المرأة ، وقد غنجت وتغنجت .
قوله : " الشكلة " بفتح الشين المعجمة وكسر الكاف ذات الدل . وقال مجاهد روح جنة ورخاء والريحان الرزق أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى : فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ وفسر مجاهد روحا بجنة ورخاء ، وفسر الريحان بالرزق ، وقال الفريابي : حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " فَرَوْحٌ " قال : جنة ، " وَرَيْحَانٌ " قال : رزق . وأخرجه البيهقي في الشعب من طريق آدم ، عن ورقاء بسنده بلفظ : " فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ " قال : الروح جنة ورخاء ، والريحان : الرزق ، وروى عبد بن حميد في تفسيره ، حدثنا شبابة عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد " فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ " قال : رزق ، وحدثنا أبو نعيم ، عن عبد السلام بن حرب ، عن ليث ، عن مجاهد قال : الروح : الفرح ، والريحان : الرزق .
وقيل : روح طيب ونسيم ، وقيل : الاستراحة ، ومن قرأ بضم الراء أراد الحياة التي لا موت معها ، وعن الحسن : الريحان : ريحاننا هذا . والمنضود الموز والمخضود الموقر حملا ويقال أيضا لا شوك له أشار به إلى ما في قوله تعالى : فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ الآية ، وفسر قوله : " وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ " بأنه الموز ، وقال عياض : وقع هنا تخليط ، والصواب والطلح الموز ، والمنضود الموقر حملا الذي نضد بعضه على بعض من كثرة حمله ، واستصوب بعضهم ما قاله البخاري ، وفي ضمنه رد على عياض ، والصواب ما قاله عياض ؛ لأن المنضود ليس اسم الموز ، وإنما هو صفة الطلح ، وقال النسفي في تفسيره : طلح شجر موز ، وعن السدي : شجر يشبه طلح الدنيا ، ولكن له ثمر أحلى من العسل ، وقال النسفي أيضا : حكي أن رجلا قرأ عند علي رضي الله تعالى عنه " وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ " فقال علي : وما شأن الطلح إنما هو طلع منضود ، ثم قرأ طَلْعُهَا هَضِيمٌ فقيل : إنها في المصحف بالحاء ، أفلا نحولها ، فقال : إن القرآن لا يهاج اليوم ولا يحول ، وعن الحسن : ليس الطلح بالموز ، ولكنه شجر له ظل بادر طيب ، وقال الفراء وأبو عبيدة : الطلح عند العرب : شجر عظام لها شوك ، وقيل : هو شجر أم غيلان ، وله نوار كثير طيب الرائحة . ( قلت ) : وعلى كل تقدير في معنى الطلح ، فالمنضود صفة وليس باسم ، ومعناه متراكم قد نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه ، وليست له ساق بارزة ، وقال مسروق : أشجار الجنة من عروقها إلى أفنائها ثمر كله .
قوله : " والمخضود " بالمعجمتين صفة للسدر ، كما نطق به القرآن . والعرب المحببات إلى أزواجهن ويقال مسكوب جار أشار به إلى ما في قوله تعالى : وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ وفسره بقوله جار ، وأراد به أنه قوي الجري ، كأنه يسكب سكبا .
وفرش مرفوعة بعضها فوق بعض لغوا باطلا ، تأثيما كذبا أفنان أغصان ج١٥ / ص١٥١أشار به إلى ما في قوله تعالى : ذَوَاتَا أَفْنَانٍ وفسر الأفنان بالأغصان ، وكذا فسره عكرمة ، وفي تفسير النسفي : الأفنان جمع فنن ، وهو من قولهم أفنن فلان في حديثه : إذا أخذ في فنون ، وعن مجاهد : أفنان أغصان واحدها فنن ، وعن عكرمة : ظل الأغصان على الحيطان ، وعن الحسن ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ذواتا ظلال ، وخص الأفنان بالذكر ؛ لأنها الغصنة التي تتشعب من فروع الشجرة ، لأنها التي تورق وتثمر ، فمنها تمتد الظلال ، ومنها تجتنى الثمار .
وجنى الجنتين دان ، ما يجتنى قريب منها مدهامتان سوداوان من الري 50 - حدثنا أحمد بن يونس ، قال : حدثنا الليث بن سعد ، عن نافع عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا مات أحدكم فإنه يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي ، فإن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار .