باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة
حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، قال : حدثني مالك بن أنس ، عن صفوان بن سليم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن أهل الجنة يتراءيون أهل الغرف من فوقهم ، كما يتراءيون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم ، قالوا : يا رسول الله ، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم ، قال : بلى ، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين . عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى أبو القاسم القرشي العامري الأويسي المديني ، وصفوان بن سليم بضم السين وفتح اللام المدني ، وعطاء بن يسار ضد اليمين . والحديث أخرجه مسلم في صفة الجنة أيضا ، عن عبد الله بن جعفر ، وعن هارون بن سعيد ، كلاهما عن مالك .
قوله : عن صفوان وفي رواية مسلم أخبرني صفوان ووهم أيوب بن سويد ، فرواه عن مالك ، عن زيد بن أسلم بدل صفوان ، ذكره الدارقطني في الغرائب . قوله : عن أبي سعيد وفي رواية فليح عن هلال بن علي ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة أخرجه الترمذي ، وصححه ابن خزيمة ، ونقل الدارقطني في الغرائب ، عن الذهلي أنه قال : لست أرفع حديث فليح ، يجوز أن يكون عطاء بن يسار حدث به عن أبي سعيد وعن أبي هريرة . قوله : يتراءيون على وزن يتفاعلون من باب التفاعل ، أي يرون وينظرون ، وفيه معنى التكلف كما في قول أبي البحتري تراءينا الهلال ، أي تكلفنا النظر إليه ، هل نراه أم لا ، وفي رواية مسلم يرون وهذا يدل على أن باب التفاعل هنا ليس على بابه .
قوله : الغرف بضم الغين وفتح الراء جمع غرفة ، وهي العلية . قوله : الغابر بالغين المعجمة والباء الموحدة ، كذا هو في رواية الأكثرين ، وفي رواية الموطأ الغاير بالياء آخر الحروف ، ومعناه الداخل في الغروب ، ومعنى الغابر بالباء الموحدة الذاهب ، وهو من الأضداد ، يقال : غبر بمعنى ذهب وبمعنى بقي ، وفي رواية الأصيلي العازب بالعين المهملة والزاي ، ومعناه : البعيد ، وفي رواية الترمذي العارب بالعين المهملة والراء . قوله : في الأفق قال بعضهم : المراد من الأفق السماء .
( قلت ) : الأفق : أطراف السماء ، وقال الطيبي : فإن قلت : ما فائدة تقييد الكواكب بالدري ، ثم بالغابر في الأفق . ( قلت ) : للإيذان بأنه من باب التمثيل الذي وجهه منتزع من عدة أمور متوهمة في المشبه ، شبه رؤية الرائي في الجنة صاحب الغرفة برؤية الرائي الكوكب المستضيء الباقي في جانب الشرق أو الغرب في الاستضاءة مع البعد ، فلو قيل الغابر لم يصح ؛ لأن الإشراق يفوت عند الغروب اللهم إلا أن يقدر المستشرف على الغروب كقوله تعالى : فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ لكن لا يصح هذا المعنى في الجانب الشرقي ، نعم على هذا التقدير كقوله : متقلدا سيفا ورمحا وعلفته تبنا وماء باردا أي طالعا في الأفق من المشرق وغابرا في المغرب . ( فإن قلت ) : ما فائدة ذكر الشرق والغرب وهلا قيل في السماء أي في كبدها .
( قلت ) : لو قيل في السماء لكان القصد الأول بيان الرفعة ويلزم منه البعد ، وفي ذكر المشرق أو المغرب القصد الأول البعد ، ويلزم منه الرفعة . قوله : قال بلى وفي رواية أبي ذر بل التي للإضراب ، وقال القرطبي : هكذا وقع هذا الحرف بلى التي أصلها حرف جواب وتصديق ، وليس هذا موضعها ؛ لأنهم لم يستفهموا ، وإنما أخبروا أن تلك المنازل للأنبياء عليهم السلام لا لغيرهم ، فجواب هذا يقتضي أن تكون بل التي للإضراب عن الأول ، وإيجاب المعنى للثاني ، فكأنه تسومح فيها ، فوضعت بلى موضع بل . قوله : رجال مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هم رجال آمنوا بالله ، أي حق إيمانه وصدقوا المرسلين ، أي حق تصديقهم ، وإلا فكل من يدخل الجنة آمن بالله وصدق رسله .